محشي البطاطا !

Spread the love

تحفر البطاطا وهي نيّئة، ولا تحفر كثيرا بل تبقى سميكة، ثمّ تقلى سريعا من الخارج بقليل من الزيت، ثم تحشى باللحم المعدّ سابقاً مع الجزر والبصل والتوابل، ثمّ تقلى البطاطا التي خرجتْ من الحفر وتصفّ في الصينية مع بقيّة البطاطات، ويصبّ فوق هذا كلّه مرق البندورة المشبع بدبس الرمّان، وتوضع في الفرن لتستوي وتتحمّر.
أكلة صعبة الإعداد لكنّها شهيّة، تحتاج انتباهاً لكنّ النتيجة تستحقّ، تسبّب ألماً في مفصل اليد نتيجة عملية الحفر القاسية، لكنّه ألم مؤقّت يزول لاحقاً.

ماذا لو تجاوزنا أيّاً من هذه الخطوات، أو تغافلنا عن قلي البطاطا قبل حشيها، أو تركناها في الفرن أكثر من اللازم، أو كانت الصلصة كثيرة الماء؟ سيحدث ببساطة أن يخرج طبق مخبوص لا مظهر له، ولا يشجّع على الأكل. وقد تتحوّل كلمة (البطاطا الطيبة) من فم الأطفال إلى (شكلها مقرف!).

هذا ما حدث تماماً، في أنفسنا.
حين استيقظتُ صباحاً، كان رأسي مثقل بالهمّ وشعور الحزن يضغط على نفسي، ولما ذهبتْ البنات للمدرسة، سألتُ زوجي عن ذلك المسلسل الكرتونيّ، أخبرتُه أنّي لم أنم الليل جيّداً من كثرة التفكير، واتّفقنا على منع مشاهدة البنات لأيّ شيء إلا بصحبة واحد منّا. والحقيقة إنّ هذا الاتفاق كان موجوداً أصلا ولكن بشكل جزئيّ: فالتلفاز في منتصف البيت ويمكن للجميع أن يرى ويسمع ما يعرض عليه، ولا توجد أجهزة ثانية يمكن استخدامها بالنسبة للأطفال، والتلفاز ممنوع في أيام الدراسة، ومسموح لفترات محددة في نهاية الأسبوع، ونحن لم نكتشف علّة المسلسل الذي تتابعه البنات إلا بجلوسنا معهم في الغرفة، وتركيزنا معه، لنعرف بعد القراءة والبحث، أنّ المسلسل بأجزائه الستّة يحوي شخصيّتان شاذّتان جنسيّاً: إحداهما من البداية، ذكر مع ذكر، والثانية هي الأساس، أنثى تحوّلتْ من حبّ صديقها لحبّ صديقتها! هذا الشرح والتفصيل وجدتُه بالإنجليزية على صفحة تهتمّ بالمحتوى الإعلامي الداعم للشواذ وتشجّعه.

ثمّ ذهبتُ لأعدّ طعام الغداء، ورأيتُ البطاطا، وتذكّرتُ ابن صديقتي الذي طلبها منّي فشجّعني لعملها لأوّل مرّة، وقرّرتُ أن أعدّها. وحين جلستُ لتقشيرها، أدرتُ التلفاز لمشاهدة الأخبار من القناة الوحيدة التي تنطق بالعربية على تلفازنا، فنحن لا نملك جهاز القنوات الفضائيّة (والحمد لله!). وكان أوّل ما طالعني، أخبار (بيروت) في الصحف، وكلّ ما قيل عرفتُه عن طريق الإعلام الساخر على يوتيوب الذي صار أسرع من كل إعلام آخر. لكنّ هذا لم يمنع من تصاعد المرارة في المريء وأنا أسمع وأفكّر: كانتْ سوريّة كبيرة عليهم، وحين أرادوا أن يقتسموها قبل أن تفوتهم فوجئوا بصفعتين: نصفُ الشعب كانتْ المعاناة تخلق فيه مقاتلين، ولم يكن قد مات تماماً رغم حرصهم على تجهيزه للسحق على مدى عقود ماضية، وقائدٍ منصاعٍ لدولة أخرى قوية. وهكذا تفلّتَتْ الأمور من أيديهم، ودخلوا صراعاً أتمنّى ألا يخرجوا منه إلا خاسرين جميعاً لينجو الشعب.
أما لبنان، فقد جهّزوها بطريقة ثانية: حشروا جيش سوريّة فيها، ثمّ أثاروا فيها حربًا طائفيّة، ثم سحبوا الجيش وأوقفوا الحرب وقسّموها سلطاتٍ متناحرة، تنخر في كيانها من الداخل كالدود، حتّى لم يبق ما تنخره.. فانهارت في انفجار الميناء، وتسابقوا.. كلٌّ يريد أن يشتري حصّته من الخردة ليبيعها لاحقاً بأفضل ثمن.

انتهيتُ من التقشير، وكانتْ صفيّة قد وصلت للبيت، بينما ذهب زوجي ليحضر سمية من المدرسة. طلبتْ أن تشاهد المسلسل السابق ذكره، فكان ردّي: أوّلا، اليوم مدرسة والتلفاز ممنوع لكم، ثانيا.. وشرحتُ لها ما قرّرناه أنا وأبوها، ثم شرحتُ بتفصيل أكثر معنى العلاقة الشاذّة، ولماذا لا يصحّ أن نشاهد مثل هذا.
في تلك الأثناء، كان القناة العربية قد بدأت بثّ وثائقيّ عن أفغانستان.
أعترف أنّي في الفترة الأخيرة صرتُ حسّاسة جدّاً تجاه أيّ شيء يتحدّث عن حقبة عايشتُها: أمّي ذهبتْ إلى هناك كصحفيّة لتغطية أحوال المخيّمات في بداية التسعينيات. وتقريباً، لا يخلو بيتٌ مسلم من شاب ذهب في تلك الفترة للقتال ضدّ الروس. وحين بدأتْ التفاصيل تتوالى على الشاشة، وأنا أحاول تبسيط بعض المعلومات لصفية، كان مشهد ذلك المجنّد الشاب الذي تحدّث عن قتال الفصائل بعد جلاء الروس: نحن مجرّد جنود، نفعل ما يأمرنا القادة به، وهم يتقاتلون.. لماذا يقاتل المسلم مسلما؟. يطرح هو التساؤل ولا يجيب عليه! أشرح لصفية ما قال، وأقول لها: هذا ما يفعله الجهل والضعف، أن أفعل ما يأمرني به القائد دون تفكير هل هو صحيح أم خطأ.
ربّما انتقلتْ عدوى الدموع من عينيّ وقتها لصفيّة، وهي ترى مناظر الأطفال الذين شوّهتهم الحرب، أو ماتوا جوعاً.
أمّا المشهد الذي صدمنا بغبائه، فهو أنّ قائد إحدى الفصائل، اكتسب قوّة وأتباعاً بأن وقف على ظهر شاحنة، وحمل عباءة مدّعيا أنها عباءة النبي صلى الله عليه وسلم! وكان المشهد المذهل هو كيف كان الرجال يتسابقون لرمي عمائمهم للتبرّك والتمسّح، وقد صار هذا القائد قدّيساً في نظرهم! قلتُ لابنتي: ألم يخطر في بال واحد منهم فقط أن يتساءل كيف حصل هذا الرجل على عباءة النبي؟!

كلّ هذا لحقه نقاش بيني وبين زوجي عن قضيّة الاعتراف بدولة الاحتلال، فوجئ بأنّ هنالك من الشعوب العربيّة من يرى إنّ فلسطين مجرّد دولة عادية، فقلتُ له: حين كنتُ في الجامعة، كانتْ البنات السعوديات يقلن لنا إنّ فلسطين قضية قومية لا تخصّنا، وهذا الجيل تربّى في نفس الزمان والمكان والإعلام، وفي جامعة إسلامية. فما بالك بالأجيال التي لم تلحق باب (الولاء والبراء) وكلّ ما يحدّد هوية المسلم في مناهج الدراسة؟ جيل التمييع.. والمياعة.

وحين جلسنا أخيرا إلى مائدة الغداء، فرحتُ لسعادة عائلتي بالطبق الذي أتعبني فعلا، وقد امتلأ قلبي بأحزان كثيرة متراكبة. وشعرتُ أنّ نفسيّة هذه الأجيال تشبه هذا المحشيّ، تحتاج أيدٍ تريد حقّاً أن ينجح، وإلا سنحصل على النتيجة السابقة: (شكله مقرف)!

وبأية حال، كنت أتمنى لو أتيحت لي الفرصة لاستخدام حفّارة المحشي.. في مواطن أُخرى!

22.8.2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)