أبعد مِلحك عن جراحي !

Spread the love

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة.

أخرجني طاقم التمريض إلى غرفتي التي سأبقى فيها أسبوعاً تقريباً، كنتُ بلا صوت، أحاول أن أتكلّم فلا يخرج صوتي، شرحوا لي: التخدير يطرد السوائل من الجسم، وتحتاجين لتعويضها. اكتشفتُ أنّي موصولة بمجموعة أنابيب تمنعني حتى من الذهاب لدورة المياه! كان هذا وحده شعوراً بغيضاً، لكنّي تجاهلتُه باعتبار أنّي لم أكن قادرة على رفع رأسي، فكيف بالنهوض والحركة!

لم أُعلم أحداً بالعمليّة الطارئة التي خضعتُ لها سوى عائلتي، وأهلي، وقلّة قليلة من المقرّبات لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة. لم أكن بحاجةِ إخبارِ إلا من أعرف أنّه سيساندني بفعلٍ أو كلمة، وهذا ما كان. وقْع خبر الورم عليّ لم يكن سهلا، فوجئتُ به أنا نفسي، وبعد زيارات الطبيبة النسائيّة على مدى أشهر، واستشارة طبيبات مختلفات، ومحاولة سابقة لإزالته لم تنجح، أجمعن على قرار استئصال الرحم.

النظرية الطبّية المتعلّقة بأورام الرحم الحميدة، نظرية سهلة : الرحم عبارة عن وعاء لاحتواء طفل.
حين يوجد ورم، لا بدّ من إزالته، سواء كان حميدا أم خبيثا. وهذا بأحد طريقين: إمّا الحمل، فيأخذ الطفل هذا الورم في طريقه حين يخرج للحياة، أو الجراحة. إذا لم تنجح الجراحة وبقي الورم ينمو، ولم يكن هنالك مجال للحمل، فلا بدّ من إزالة الرحم.
وكنتُ أنا هذه الحالة: لا يمكن حدوث حمل، ولم يتمكّنوا من إزالة الورم كاملا، وجرّبتُ كلّ طريقٍ طبّي متاح، وفوق هذا، كنتُ أقارب الأربعين من عمري، فبأية حال، لن يشكّل أمر بقائه فائدة كبيرة. نعم، أقول بقاءه لأنّ السؤال الصحيح هو: ما مدى تأثير بقائه على حياتي القادمة، وليس مدى تأثير إزالته. أو هذا ما كنتُ أعتقد.

بعد يومين، وعندما كان من المفترض أن أبدأ بالتحسّن، وقد صار بمقدوري أن أنهض لدورة المياه، احتجتُ لنقل دمّ. العمليّات النسائيّة عموماً تُفقد الجسم كثيرا من دمائه، ويتأخّر تعويضه لأنّ الآلام التي تكون في منطقة البطن، تجعل تناول الأغذية عذاباً. هكذا بدأتْ رسائل طلب التبرّع بالدمّ تتنقّل بسرعة عبر هواتف المعارف والأصدقاء، لتعويض زمرة دمي النادرة في بنك الدمّ. بفضل الله، تمّ نقل الدمّ وبدأتُ أتعافى تدريجيّاً، وكانتْ الأمور لتكون على أفضل ما يُرام، لولا أنّ رسالة التبرّع تلك عرّفت الناس بعمليّتي، وبدؤوا التوافد لزيارتي، بحجّة الاطمئنان عليّ، فعشتُ يومين في جحيم الدنيا!

جاءت كثيرات، من أعرف ومن لا أعرف، وكلّ واحدة نصّبتْ من نفسها عالمة، ومفتية، وقاضية، وطبيبة، وكلّهن لا يليق بهنّ أكثر من صفة: مشعوذة، أو ساحرة شرّيرة! كاللواتي يخرجن من صفحات الكتب الخياليّة.
فوجئتُ بمن تدخل وكأنّها تعزّيني، ومن تدخل فتنهار بالبكاء حين تراني! هل متُّ يا جماعة؟!
وحين يبدأن الكلام بـ الحمد لله عالسلامة، وما تشوفي شرّ، يتحوّلن بعده إلى قصفٍ لسانيّ:
– يوووه كيف كده؟ ليش تشيليه؟ حرام!
* والله يا عزيزتي هذا قضاء الله، والحمد لله..
– لا لا ما ينفع ..
* كيف يعني ما ينفع؟
– يعني أكيد إنّك ما حاولتِ كفاية، جرّبتِ الأعشاب؟
* يا عزيزتي، حالتي لفّت على ثلاثة جرّاحات في هذا المجال..
– لا لا، إنتِ ما صبرتِ كفاية..
* كيف يعني ما صبرت كفاية؟ صرلي شهور أتعالج..
– إيوه بس لو انك استنيت طيب، يمكن يتغير ، يتحسن..
* التغيير الوحيد هو انه رح يصير خبيث و..

– وانت اش عرفك؟ انت أعلم من ربنا؟
– حرام تشيليه تحرمي نفسك الأمومة بيدّك
– لو انك سألتِ أكثر، صبرتِ أكثر وتحمّلتِ الألم والنزف..
– هذا أصلا مركز الأنوثة، بدونه انت مالك قيمة..
– هذي قلة إيمان وقلة صبر منك.. الله يهديك بس، اللي عملتيه غلط ما يتصلح..
– أغلى شي عند المرأة، أعظم شي عطاك اياه رب العالمين..
– زوجك كان لازم يمنعك .. كيف هو ملتزم ومتدين ويسمحلك؟

بدأتُ أختنق من شعور الذنب الذي استحوذ عليّ: هل حقّا أخطأتُ وتسرّعت؟ كنتُ أردّ عليهنّ في عقلي، أدافع عن نفسي: والله جرّبت، والله حاولت، والله ما تركنا طريقة طيلة عشرين سنةٍ زواجاً، وربنا ما كتب يرزقنا أطفالا، ورضينا بقدرنا، وعشنا حياة لا أستبدلها بحياة ثانية. طيّب انتو يا نسوان، يا فهيمات، يا متعلّمات، يا متديّنات، يا متفلسفات، جرّبتوا تعيشوا الحلم لنصّه ويروح من إيديكم؟
أنا جرّبت: هل سمعتم بالتلقيح الصناعي؟ أكيد. هل تعرفون كمّ المعاناة النفسيّة التي يمرّ بها الزوجان الشابّان للحصول على بويضة مخصّبة داخل الرحم؟، هل تعرفن كمّية الهرمونات التي حُقِنتْ في جسمي لتثبيت ذلك الحمل، مرّتين؟ وفي المرّتين، كتب الله ألا يجتاز الحمل نصف المسافة، ويخرج قبل أوانه، في المرّتين فقدتُ توائم، فقدناهم جميعا، لكنّ خسارتي لم تكن خسارة الأطفال والأمل والحلم فقط، كانت خسارة صحّة جسديّة ونفسيّة دائمة. لا يمكن ضمان شيء في عمليّة التخصيب الصناعي مع كمية الأدوية والهرمونات التي تتناولها المرأة، وتكون النهاية غالبا، مرض مستديمٌ ما. أنا خرجتُ من ذلك بأمراض جسدية وجروح نفسية أداويها بالانعزال، كي لا أضطرّ لمواجهة حرقة الملح الذي ينثره كلام الناس.

بدأتُ أنتبه لنفسي، كيف تمكّنوا منّي؟ كيف سمحتُ لهم بتقييدي إلى مرمى السهام وقذفي بها؟. انتابني شعور أني عدتُ لطاولة العمليّات، لكن هذه المرّة كنتُ بوعيي، مخدّرة الجسد عاجزة عن الكلام، ولم يكن من فتح بطني طبيبتي، بل هؤلاء النسوة، وبدأن بالتشاور والتباحث والتناقش طيلة ساعة، ثمّ تركنني هناك! مفتوحة البطن عاجزة عن الحركة!
أرعبتني فكرة أنّ هذه الشخصيات، التي كنتُ أفترض وجودها في قصص الساحرات فقط، شخصيات حقيقية، من لحمٍ ودمٍ وألسنة مثل السياط، وبلا عقول تقريبا، وتتخذ موقع الحكم على حياتي!
أخذتُ نفساً عميقاً، وصرتُ أحاول أن أردّ ردوداً مُسكِتة دون أن أتجاوز الأدب:
* أنا مو مضطرة أشرح موقفي..
* انت مو أكرم من ربّي، هي مشيئته..
* الله يجزيك الخير شكرا عالنصيحة، لكن ما عاد إلها فائدة الآن..
وهكذا مضيتُ في هذه الردود التي تليق بدبلوماسيّ عتيق، لكنّها لا تعبّر عن شيء من حنقي وغيظي.
حين خلوتُ لنفسي أخيرا أرسلتُ لصديقتي التي تعرف بعمليّتي، أردتُ أن أتأكّد: هل فعلتُ خطأً؟ أم الناس لا ترحم؟ أم صاروا لا يفكّرون قبل أن يتكلّموا؟ أم.. ماذا؟
كنتُ مشوّشة مستاءة، ومتألّمة. الجرح الطويل أسفل بطني يشتعل كأنّهم أفرغوا فيه وعليه علبة ملح كاملة، ثمّ دلقوا كوباً من الحامض فوقه! كنتُ أصرخ بصمتٍ وأنا أُكوى.

صديقتي ردّتْ بكلام كثير، قالت: هدول مو بشر، سمّهِم ما شئتِ ( وقالتْ جملة من الشتائم لا داعي لذكرها)، ما هذا التحجيم لدور المرأة في الحياة؟ أمومة وإنجاب فقط؟ يعني مفرخة؟ مخيف هذا التخلّف! وكأنّها إذا لم تنجب فهي لا تستطيع أن تكون مربّية! والله ربنا قال المال والبنون زينة، والله زينة! هذا قبل أن يأتوا، فإذا رزقنا بهم، صاروا مسؤولية وأمانة ستردّ إلى صاحبها.
هؤلاء جاؤوا لعيادة مريضة، إن كانوا لا يعرفونها فلا يصحّ أن يسألوا أية أسئلة شخصية، أناس أغراب ما علاقتهم؟ أنتِ صديقتي وأنا لم أسألك يوما عن مشكلتك مع الإنجاب، هذه برأيي مسألة شخصية جدا لا تخصّ أحدا أبدا خارج نطاق الزوجة والزوج، لا أهلا ولا أقارب ولا أحدا، هذا هو الأصل. حين تريدين أن تشاركيني حزنك أو فرحك، فهذا كي أخفّف عنك أو أفرح لفرحك وكفى. وإن كانوا مثل الذين قلتِ إنهم يعرفونك، يعرفون تفاصيل حياتك، وكل معاناتك، بل ومن أقاربك، فكيف لهم أن يقولوا مثل هذا الكلام؟! لم تصبري؟ ولم تحاولي؟ ما هذا الكلام الفارغ؟ هل طار العقل منهم أم طار الحياء أم كلاهما؟!. وأمّا من تتكلّم باسم الدين، فلم يبق إلا أن تقول لكِ اذهبي للشيخ الفلاني!!
أجبتُها وأنا أضحك: ومن قال إنها لم تقترح ذلك؟ لم يبق لهم شيءٌ، بذهاب العقل والحياء، ذهب الدين أيضاً.

مرّ ذلك اليوم، وخرجتُ إلى بيتي بفضل الله، وبدأتُ أتعافى جسديًّا، وإن كان ذلك الألم يُعرف متى قد ينتهي بتقييم الأطبّاء وعلاجاتهم، إلا أنّ الجروح التي تناولتْ روحي على طولها وعرضها، لن تُشفى بنفس السرعة.

الطبّ والعلم تطوّرا، وصارتْ هنالك ألف طريقة لتعقيم الجروح بدون ألم الملح. تعقيمٌ يقوم به من تدرّب عليه، ويجيده، وليس كلّ من هبّ ودبّ!
أبعدوا ملحكم عن جراح الخلق، لم يطلبوا منكم أن تعقّموها، هنالك من يفعل ذلك، بحبّ وإخلاص، لتشفى دون ندوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.