قد مات ، فهل أنتم ميّتون ؟

Spread the love

لا بد أن أكتب عن هذا الموضوع، رغم الصداع الذي يدقّ رأسي من ساعات، لا أبد أن أكتب قبل أن يطير الكلام من مخي، أو يذهب وقته، وأعودَ لقراءته بعد فترة طويلة فأجده صار باهتاً بلا طعم، فأحذف التدوينة من سطح المكتب كما حذفتُ كثيرات غيرها لنفس الأسباب.
نعم، بعد عناء الجلوس لأكثر من ساعة بالاحتيال على وقتي والمراهقتين والصغير والزوج الذي ما زال مستمرّاً في عمله من البيت (لا بد لي من تكرار أسطوانة الخَنقة هذه في كل مناسبة سانحة)، أجد ما كتبتُه سخيفاً، ولا يصلح للتعديل ولا للنشر، فأحذفه ببساطة.
زرّ الحذف مميّز جدّاً، وهو بعكس الشائع، متاح في حياتنا الواقعية أيضا، بالتوبة عن العمل السيّء والاستغفار، والاعتذار لمن أسأنا لهم، والتراجع عن رأي يتبين لنا خطؤه. لكنها في الواقع ليست كبسة زر، لذلك يتثاقل عنها الكثيرون، إنها تحتاج قوة وعزيمة ومجهودا وجهادا، لقهر كِبَر النفس، وإرغام أنفها وأنف شيطانها والإقدام على ذلك العمل الذي يبدو بسيطا.

وبرأيي، فإن الـ (وتج)* جعلت هذا الأمر أكثر صعوبة بمراحل: فالمرء متى أخطأ صار خطؤه على الملأ، ومتى قرر التوبة صارت نيّته حديث القوم، فإن استطاع تجاوز كِبَر النفس وتضخم الذات المريع الذي تعززه الوتج، فلن يقدر على اجتياز الناس إلا باعتزالهم، وهذا لا يحدث إلا نادرا.
والناس إن لم ينشغلوا بطاعة الله، انشغلوا بخلقه. ولا يقولنّ قائل إنّ الهموم تشغل أيضاً، لأنّه لا أكثر من هموم الشعب العربيّ: ما بين تشريد وتهجير وحروب وفقر وانطحان و… مع ذلك، تدخل إلى الوتج فتجدهم متفرّغين لنوايا بعضهم البعض، ومشغولين بتوزيع صكوك الرحمات واللعنات، فيلتبس عليك الأمر: هل أنتَ في أرض العرب الافتراضيّة، أم دلفتَ -بالخطأ- معبد آلهة الأوليمب؟!

وقد هجرتُ الفيسبوك هجراناً جميلا، فلا أغلقتُ حسابي ولا أتفاعل معه إلا بأقلّ من الندرة، ولا أتصفّحه تقريباً مطلقاً إلا لأتابع كتبات أسماء بعينها، وقد وجدتُ هذه الطريقة مجدية جدّاً وفاعلة في راحة البال ورقيّ وتهذيب النفس، وليس معنى كلامي هذا أن من في الفيسبوك قليلو التهذيب! إنّما كلّ إنسان يتأثر بشكل مختلف، وإنما أتحدث عن نفسي.
فلما فتحتُه أتصفحّه، وجدتُ الخلق وقد ارتدوا الجبّة والعمامة، وقعدوا على كرسيّ المشيَخة، وبدؤوا يتحدّثون في (صباح فخري) وقد مات: ما حكم من ترحّم عليه؟ وما حكم من دعا عليه؟
فعجبتُ لما رأيتُ، وسألتُ نفسي: ألا يستخدم هؤلاء عقولهم أبداً؟ لماذا هنالك مشكلة أصلا في الترحّم أو الدعاء عليه؟! ألا يعني هذا أن (عمله) كان موضع اختلاف هل هو صالح أم مفسِد؟ فما معيار هذا الصلاح والفساد برأيكم؟!

وعجبتُ من مديح الناس وتبجيل بعضهم له، بحجّة أنه كان (قامة) في الفنّ، بل وجزمهم أنّه ليس هنالك من لم يستمع (وليس يسمع) له من جيلهم (الذي هو جيلي)، ولم (يطرب) له.
وأقول لهؤلاء ما أذكره أنا عن هذا المغنّي: كنا في طريقنا من أو إلى سورية بالكرنك، وكان هذا من أكثر من عشرين سنة، وعلى عادة السائقين كانوا يشعلون برامج (ترفيهية) على الشاشات الصغيرة في الحافلة، وأذكر أنها في مرّة كانت تعرض حفلا خاصّا للمذكور، وقد وقف يغنّي وأمامه طاولات عليها رجال ونساء ومشروبات كحولية، والكلّ يشرب ويهتزّ والجالسات ينهضن بملابس هي أقرب للباس النوم، ويرقصن.

بس.. ورغم مضيّ هذا الوقت كلّه، ما زال هذا المشهد محفوراً في ذاكرتي، وهذا كلّ ما لصق بذهني عن أخلاق ومبادئ وأعمال هذا الإنسان.
فبالنسبة لي، لا هو موضع رحمة ولا لعنة، هو ليس موجوداً في خارطة حياتي من الأصل لأنه لم يقدّم لديني شيئاً، سوى مظهراً فاسداً لا أقبل أن أراه، ولا أن أعيشه.
ولست أعني الحفلات أو الرقص أو العريّ، بل أبسط الأشياء: رؤية المشروب ولو على الشاشة.
نعم، حين يظهر مشهد في فلم فيه بار ومشروب، وحتى لو كنت أشاهده وحدي، فإني أجتاز المشهد، لأني لا أريد أن أعتاد هذا المنظر.
نعم، نحن من الناس الذين لا يأكلون في المطاعم التي تصطفّ فيها زجاجات الكحول، حتى لا يتعوّد أبناؤنا هذا المنظر، حتى في المطاعم التي تقدم طعاما حلالا.
نعم، أنا من النساء اللواتي يتفادين التواجد مع السيجارة أو الأركيلة في جلسة حتى لو كانت نسائية، بغضّ النظر عن الضرر الصحّي، لا أريد أن أعتبر هذا الأمر عاديّاً. أنا أراه معصية، ولا أريد أن تعتاد عيني رؤيتها. وإنّ من أقاربي المقرّبين من يدخّن من ثلاثين سنة، فما أشعل سيجارته يوماً أمامي ولا أمام بناتي احتراماً لمبدئي.
وقد يقول قائل إنّ هذا يضيّق علينا حياتنا، ويصعّبها، فأقول: ومن قال إنّ الحياة للمسلم يفترض أن تكون سهلة؟! فما نفع الآخرة وما اختلاف الجنّة عن الدنيا إذاً؟!
وأنا ما زلتُ من هؤلاء الغريبين الذين لو مالوا وسمعوا، عادوا فتوقّفوا، ولو وقعوا.. نهضوا وتشبّثوا بالصحبة التي هي مثلهم. لذا أجد انشغال المسلم بشخصٍ كهذا عجيباً، وتافها، ومؤذياً، ويدلّ على كارثة عظيمة، وقد صار الدين إضافة ومن الكماليّات، ولم تعد حياتنا كلها في الدين، وللدين.
صار الدين شيئا جانبيّاً، ولم يعد هو أساس الحياة ومحورها وأدقَّ تفاصيلها.
لم تعد لدينا مرجعيّة لتنشئة الأجيال، وقد كفروا بكلّ شيء لأنهم وضعوا الدين في خانة التقاليد، والحرام في خانة العيب، والمكروه في خانة (معليش)، والمستحبّ في خانة (مو لازم)، ولم يعد أحدٌ يفهم أو يستوعب، أنّ اختصار أيّ تفصيل سيؤدّي بالضرورة لاختصار الأصل.
ألا تجد أنّكَ حين تقلّم من أغصان الشجرة الكبيرة تُنبِت الشجرةُ من مكان آخر أغصانا أخرى صغيرة، لأنها تريد أن تعوّض النقص، فما يحدث برأيك لو قلّمتَ كلّ أفرعها الصغيرة سويّة؟ ستموت.
وهذا هو دينك.

إنّنا نتحوّل لمبدأ العالم المسيحيّ الذي صار معظمه إن لم يكن كلّه، يفصل الاعتقاد عن التطبيق والعمل، ولا أدري ما يبقى من الدين بعد ذلك!

إنّني أشعر بالغربة بين قومٍ يُفترض أنّي أنتمي إليهم، بينما لا أجد هذه الوحشة بين من يدينون بغير ديني، لأنّهم باختصار لا يفهمون أنّ هذا الدين بالذات هو كلّ حياتي، ويفترض أن يكون معيار ومقياس كلّ شيء في حياة الذي يدين به. فما بال قومي صاروا بلا هيئة ولا لون، وذابوا وسط زحام التوافه كغيرهم في هذا الكوكب؟!

7.11.2021

  • هو اختصار: وسائل التواصل الاجتماعية، وقد ابتكرته لتوّي لأكتب هذه التدوينة.

2 thoughts on “قد مات ، فهل أنتم ميّتون ؟

  1. بارك الله بقلمك وفهمك ..لقد بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا فكوبى للغرباء


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.