لو كنتِ تسمعين.

أتصدّقين لو قلتُ إنّي وجدتُكِ في رائحة صابونة ألمانيّة؟

كم ضحك زوجي -الذي ما رأى حلب قطّ-، حين قلتُ له: تدري.. هذه الصابونة التي اشتريتُها اليوم، (ريحتها حلب)!
قال لي: ذكّرتِني بشخصٍ التقى مسافراً قادماً بالسيّارة من (حلب)، فطلب منه أن يفرغ أحد إطارات سيّارته ليشمّ بعضاً من هواء (حلب)..

وجدتُكِ دائماً في نوافذ البنايات القديمة، وفي أشعّة الشمس الحارقة تصحبها نسمات باردة، وفي تفتّح زهور الربيع.. واليوم ألقاكِ في (رائحة صابونة) تحملني توّاً من منزلي في هامبورغ، إلى منزل أهلي في حلب، إلى شرفة الطابق الخامس، وضجّة الحارة، وصوت الجارة في البناية المقابلة، وشعور الانتعاش الغامر عند غسل وجهي ويديّ بالصابون والماء البارد بعد مسيرة طويلة في يومٍ صيفيّ حارّ.

حين تمرّ شاحنة أو حافلة وتترك شيئاً من رائحة الوقود في الجوّ -وهذا نادراً ما يحدث في هامبورغ- يلتفت زوجي إليّ باسماً وهو يجذبني باتّجاه الرائحة: ألا تريدين أن تشمّي رائحة (حلب)؟
وذلك لأنّي قلتُ له مرّة بعد عبور شاحنة وتلوّث الجوّ النقيّ جدّا برائحة الديزل: ياااي.. من زمان ما شمّيت هالريحة، من أيّام (حلب).

لم أعد أكلف نفسي عناء العدّ، فأنا لا أحتاج تقويماً ولا عودة بالتواريخ لأتذكر آخر سنة كنتُ هناك، وأستجلب الروائح والصور.. أنا لا أحتاج أن أتذكّر لأنّي لم أنسَ.
لكنّي أريدكِ أن تسمعيني لو كنتِ تسمعين.. فأنا لا أدري حقا إن كانتْ الأرض تسمع كالإنسان، لكن لو.. أردتُكِ أن تعلمي أنّنا كبشر؛ لسنا متأكدين دائماً من كلّ القرارت التي نتّخذها.. نحن نتمنّى أن تكون هي الصواب، نحن نحاول عقليّا وعاطفيّا أن نحصر النتائج المترتّبة سلباً وإيجاباً قبل أن نتّخذ الخطوات الفعليّة، لكن ثمّة أشياء في حياتنا لا يمكننا أن نكون متأكدين منها مطلقاً. فلو كنتِ تسمعين.. أردتكِ أن تعلمي أنّي بعد ثلاث سنوات غيابٍ ورابعة على وشك؛ لستُ متأكدة أنّي حصرتُ احتمالات الغياب والفقد بشكل صحيح، لم أكن متأكدة يوماً أنّي لن أشتاق إليكِ، كنتُ آمل ذلك فقط.. حسناً؛ لا أدري إن كان ذلك يبهجكِ أم لا.. لكنّ أملي خاب.
أنا هنا أتمنّى..
أريد أن أقضي أوقاتاً أكثر في بيت جدّي؛ وأنا أدري أنه سيُباع يوماً.. وقد لا أدخله قبل أو بعد ذلك اليوم. أريد أن أرى جدّتي؛ أن أجلس قربها على درجات منزلها؛ وأخبرها من أنا للمرة العشرين لأنها من كثرة الأحفاد وأبناء الأحفاد ما عادتْ تجد الأسماء في ذاكرتها حين تريد. أريد شيئاً من ياسمينك.. لما غادرتكِ آخر مرّة أبقيتُ بعضه في جيب حقيبتي، حتى جفّ وتفتّت وانسحق. أريد أن أرى أبناء أقاربي وأحفادهم كل عام كيف كبروا؛ ومن تزوّجوا وأنجبوا. أريد لخالي أن يحمل ابنتي ويلقيها في بركة السباحة كما يفعل دائما مع أبنائه. أريده أن يضمّني إلى صدره بذراعه وهو يشدّ على رأسي بيده الأخرى ممازحاً إثر دعابة أُلقيها. أريد أن أشمّ الجوري؛ وأجمع ثمار الكاكي في مزرعة خالتي. أريد أن أذهب لبيت عمّتي في الضيعة، وآكل من دوالي الحصرم حتى توجعني معدتي. أريد ان أرى بنات عمّي اللواتي لا أحفظ أسماءهنّ حتى الآن. أريدهم أن يفرحوا برؤية صغيرتي؛ ويحملوها؛ ويدلّلوها، وأن تحفظ أسماءهم ووجوهم عاماً تلو عام. أريد أن أرى الأسواق الجديدة والمجمّعات التجارية التي يحكون لي عنها، وشاطئ البدروسيّة الصخري الذي أحبّه. أريد أن أفرح برؤيتكِ؛ وأريد أن أتألّم لآلام أهلك.

أريد أن أحسّ بكِ.. ولا يمكنني ذلك في البُعد.. لا يمكنني وحسب.

12 responses to “لو كنتِ تسمعين.

  1. يا لحنين الوطن .. حين يمر طيفه مع الصباح ..
    تدوينة مترعة بالألم !

    • حين يمرّ مفاجئاً بغير ترقّب.. هذا هو الألم حقّاً!

      شكرا لتواجدك أخي.

  2. أنا لا أحتاج أن أتذكّر لأنّي لم أنسَ.
    ردتُكِ أن تعلمي أنّنا كبشر؛ لسنا متأكدين دائماً من كلّ القرارت التي نتّخذها.. نحن نتمنّى أن تكون هي الصواب، نحن نحاول عقليّا وعاطفيّا أن نحصر النتائج المترتّبة سلباً وإيجاباً قبل أن نتّخذ الخطوات الفعليّة ..

    سأضمّنها بطاقة ،
    أهديها لأوطاني ..
    من أماكن و أشخاص و كل أنواع الأوطان

  3. :heart:

    يالرآئحة الوطـن ..
    !

  4. في كل مرة أعود فيها إلى المدونة.. أعيد قراءتها ..
    وفي كل مرة لا أملك دموعي, فلا أستطيع الكتابة..
    آآآآآآآآآه ياحلب
    يا من حرقت القلب بجمرة من لهب, ما أظن ماء العالم كله بقادر على إطفاء لهيبها.. ولعلي حقيقة لا أرغب في ذلك ..رغم الألم !!
    ولكني- رغم سعادتي بحب أبنائي لكِ – ما أردت لهم أن يتعلقوا بكِ.
    حتى لا يذوقوا يوماً ألم فراقكِ والبعد عنكِ
    أسأل الله أن يذيقنا جميعاً برد اللقاء على أرضكِ وتحت سمائك وعن قريب ..
    اللهم آمين
    :heart:

  5. المدونة شبه الوحيدة التي تجذبني دون تذكير.. لزيارتها وأنا مبتسمة .. :smile:

    مرور لمشاركة الحنين هكذا فقط لأنه انتقل عبر السطور كما هو .. دون صورة

    :heart2:

  6. آخر العنقود

    تدوينة كفيلة للتعبير عما نشعر به نحن المغتربين الذين حُرِمنا حتى من استنشاق هواء بلدنا الملوّث..
    :cry:
    كثـــيرًا ما أحس بنفس هذه الأحاسيس تمامًا..

    دمتِ بخــير أنتِ وابنتكِ اللذيذة.. :happy3:

    • آخر العنقود .. (السكّر المعقود :heh:)
      لا أظنّها وحدها كفيلة بالتعبير، فكلّ ما قيل.. يوجد بعده دائما ما يقال.

      حللتِ أهلا، البيت بيتك فلا تقطعيه من الزيارة :smile:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.