سنة أولى

حكاية: ما بعد. تحكيها: ماما (جمان) للعصفورة الأمّورة (صفيّة).

كلّما كتبتُ شيئا أبدأ به هذه الحكاية؛ مسحته.. لذا سأبدؤها هكذا: (صفيّة).. يالله عتختك من فضلك.. تشطّحي.. امسكي القنينة.. تفضلي (الدّادو).. يالله تصبحي على خير عصفورة.. بوسة لماما.:heart:

تعلّمتِ أشياء كثيرة في سنة واحدة؛ فرحةٌ أنتِ بها وأنا أكثر فرحاً.
ما أن يحين موعد نومكِ في العاشرة مساء كحدٍّ أقصى، تبدئين (نزق) النوم الخاص بكِ والذي صار والدكِ أيضاً يميّزه.. نذهب إلى المطبخ نحضر قنينة الماء أو الحليب بحسب مزاجك، تركضين تسبقينني إلى سريركِ وأنتِ تزقزقين، تتسلّقينه وأنتِ تضحكين فرحاً أنّي فهمتُ ما تريدين؛ وأنّكِ تستطيعين صعود السرير بمفردك.
أقول لكِ: تشطّحي يالله.. فتضحكين لي وتنظرين تلك النظرة العفريتيّة، فأستلقي أنا أوّلا وحينها تزقزقين مرة أخرى وتتقلّبين حتى تلتصقي بي، تأخذين القنينة، تمسكين دميتكِ المفضّلة (الدّادو) وتعضّين أطرافه لتخفّفي من آلام ظهور أسنانك، وتمسكين القنينة بمفردكِ -وهذا إنجاز عظيم بعد أن كنتُ أمسكها لكِ دائماً-، تعطينني قبلة، تبدأ مرحلة الغفو.. فأنسلّ من جوارك، وفجأة تفتحين عينيكِ وتقولين جملة طويلة تعقيباً على حديث لم يبدأه أحد: آبا دو دا بت تس بد تووووو، ثمّ تعيدين القنينة إلى فمكِ وتكملين غفوكِ. تنامين رغم كلّ الضوضاء الصوتيّة والضوئيّة المنبعثة في الغرفة.

صرتِ تقلّدين؛ وصرنا ننتبه! تحفظين وتقلّدين نبرة الصوت والكلمات والأفعال ونحن نحاول الانتباه لأنفسنا أمام هذه المرآة الصغيرة التي تعكس كل ما تراه في البيت. أقول لكِ: صفيّة.. هاتي الكتاب نقــــــــرأ، وأتوقف عند حرف القاف.. فتحاولين إعادة هذا الحرف فقط، فيخرج صوتك كأنه بقبقة: أق أق…
وتقولين: باب للكتاب.. و (توووووووول) حين تركلين الكرة بقدمك الصغيرة، تقلّدينني حين أقول لكِ: شوطي جوووووول. وحين تريدين الخروج من المنزل -وهو ما تريدينه كلّ يوم- تحضرين حذائك من رفّ الأحذية عند باب المنزل؛ وتأتين إليّ تتعلّقين بملابسي وتمدّين يدكِ إلى أعلى تناولينه لي وأنتِ تقولين: أمّا.. أمّا.. وأحياناً: إمّي مي مي.. ولا أدري لماذا لا تقولين ماما مع كونها أسهل، آخذه منكِ فتجلسين على الأرض وترفعين قدمكِ إلى أعلى وتقولين: أبّش.. فأجيبكِ: لا ماما هلأ ما في ألبس.. ليس الآن يا صافي.. لكنّكِ تصرّين بنزق وأنتِ تهزّين رأسكِ: آآآآآآ.. أبّش.. فألبسكِ إيّاه، وتشعرين بالفرح.. تتمشّين في المنزل بحذائكِ فتعتقدين أنكِ خرجتِ في نزهة!

أوّل وأوضح كلمة تعلمتِها وتستخدمينها بمدلولها الصحيح هي (ماء)، تقولينها بوضوح، ربّما لأني كنتُ أقولها لكِ هكذا دائماً، ولا أستخدم كلمة (مي) الدارجة في لهجتنا.. وأدركتِ بعدها أنّ الماء سرّ الحياة ولا بدّ أن تحفظي اسمه.

حين نقول: صافي.. يالله طُبُّش.. تركضين إلى الحمّام وتقفين عند حوض الاستحمام تزقزقين فرحاً، وتنسين نفسكِ مع الماء، ترمين الأشياء إلى أرض الحمام لأعيدها أنا إلى الحوض، ويشعّ الفرح من عينيكِ حين تقف على يدكِ فقاعات الصابون إذ أنفخها.
لكن حين يكون الموضوع متعلّقاً بالذهاب لتغيير الحفاض، فإنّ المسائل تصبح أكثر تعقيداً، وتركضين دوماً في الاتجاه المعاكس أو تختبئين تحت طاولة الطعام!

تعشقين الحيوانات، هذه الكائنات الحيّة التي لا تنازعكِ دلال الوالدين لكِ، وشرسة جدّاً مع أيّ طفلٍ مهما كان لطيفاً! والويل إن سوّلتْ له نفسه الضحك لـ(ماماتك) أو اللعب مع (باباتك)، سيكون مصيره صرخة يقف لها شعر رأسه، وخبطة في الوجه قد تفقده وعيه!
لكنّكِ عصفورة مسكينة أنيسة حين ترين حيواناً ما، تتفرّجين على الحمام من بعيد.. فإن حاولت الاقتراب منه وطار نظرتِ إليّ مستفهمة مندهشة، وحين تسمعين كلمة (قطّة) تضحكين وتطلقين صيحة فرح قبل أن تريها، وكم تسعدين حين تزورين منزل جدّك المجاور لمنزلنا لتلعبي مع قطّتهم، وصارتْ مقاطع (اليوتيوب) المفضلة لديك تلك التي تعرض قططاً وعصافيراً. ترين كلباً في الشارع -وما أكثرها هنا- فتكادين ترمين نفسكِ من عربة الأطفال فرحاً.

تأكلين بيدكِ كل ما يمكن إمساكه؛ وفي أوقات الفراغ تعتبرين نفسكِ كنّاسة المنزل..فتسيرين وتلتقطين كل ما ترينه على الأض مهما كان دقيقاً وصغيراً. المشكلة أنّك تقومين بالدور نفسه في الشارع؛ لكنّ الجميل منكِ أنك تعطينني كل ما تجدين عن طيب خاطر، وهكذا حين نعود إلى المنزل يكون كيس القمامة في عربتك قد امتلأ بأغطية القناني وأشياء أخرى لا أدري كنهها. وقد تعبتُ وأنا أحاول إقناعك أنّ أعقاب السجائر (كِخ) ومن فضلك اتركيها، لكنّك في كلّ مرّة تحاولين التقاطها وأنا أمنعكِ ونختصم.

الرمل متعتكِ الثانية بعد الماء، بمجرّد أن نصل إلى ملعب الأطفال القريب من منزلنا، تجلسين وتبدئين بقبض الرمال بأصابعك الصغيرة ونثرها في الهواء..ثمّ تتذوّقينها وفي كلّ مرّة تأكلين (المقلب) نفسه، وتمتعضين.. وتكرّرينها.
في الأسبوع الماضي انشغلتُ فترة ولم ننزل إلى الملعب ليومين، وكنتِ منزعجة جدّاً ونزقة، فأحضرتُ (طشت) الغسيل الصغير.. أجلستُكِ فيه.. وسكبتُ لكِ كأسا من الأرز.. يا للبهجة! صار عندك ملعب رمل! انشغلتِ أكثر من ساعة فيه، وفي النهاية تعبتِ وذهبتِ للنوم، وخلال دقيقتين.. جمعتُ الارز وكنستُ أرض المطبخ وانتهينا ونمتِ أنتِ سعيدة.

ترقصين كثيراً وتغنّين مع الأناشيد، وتترنّمين حين تسمعين تلاوة القرآن. وحين أتلوه أنا لكِ تراقبين حركات شفاهي بتركيز شديد، ثمّ تتنهّدين بعمق وتعودين للترنّم محاولة تقليد نغمة الترتيل: آآآآآ.. صعوداً ونزولاً بقدر ما تسمح لكِ طبقاتكِ الصوتيّة.

اشتريتُ لكِ فرشاة أسنان ملوّنة خصّيصاً لتكفّي عن محاولة استخدام فرشاتي، وتضحكين كثيراً حين أمرّرها على أسنانك الصغيرة.

صرتِ تحبّين (الدّح) كأيّة فتاة، ألبستكِ أمس لأوّل مرّة سلسالاً من الذهب؛ فرحتِ به.. أمسكته تتفرّجين عليه وهو في عنقك ورحت تدورين في الغرفة. تلبسين الأطواق الدائريّة البلاستيكية الخاصة بلعبتكِ في يديكِ وترفعينهما عاليان وأنتِ تلوّحين بهما لأقول لكِ: صافي لبست دح يا عيني يا عين.. ما في متل صفصوفة عند ماما اتنين.
تقفين على أطراف أصابع قدميك وتمدّين كفّك الصغيرة محاولة الوصول إلى حيث أضع علب الزينة الخاصّة بي، أخرج فرشاة ماكياج كبيرة وأمرّرها على وجهكِ، تضحكين وتركضين.. ثمّ تقتربين بحذر وتأخذينها، وتبدئين تمريرها على يدي ووجهي، ثمّ تقفين أمام المرآة وتمرّرينها على وجهك، وفي النهاية أجدها ملقاة في الأرض وأنتِ تفتّشين عن كراتك الملوّنة.

وعيك للعناق والقبلة، و(ماما زعلانة.. أنا آسفة.. بوسيني يالله راضيني) هو أروع تغيير. حين أغضب منكِ تأتين إليّ تدعكين أنفكِ في أنفي وتلصقين وجهكِ بوجهي لأقبّلكِ، فإن لم أفعل عرفتِ أني منزعجة ووقفتِ مطرقة تتأمّلين أصابعك وتعبثين بها. وحين تبكين بنزقكِ الشديد فأتجاهلكِ لمعرفتي أن سبب البكاء هو رغبة النكد و(النقّ) وحدها، ينكسر خاطركِ أشلاءً، تتبعينني من مكان إلى مكان في المنزل وأنتِ تنوحين.. فإن نظرتِ إليكِ رميتِ نفسكِ في الأرض وأغرقتِ أكثر في الدموع والصياح وكأنِك تقولين: شوفيني أنا بزعّل! أنا مسكينة! فإن لم ألتفت تعلّقتِ بثيابي وخبّأتِ وجهكِ فيها حتى أحملك، وما أن تصيري بين ذراعيّ وأنا أقول لكِ بجدّيّة: ليش عبتبكي؟ تضعين كفّكِ على خدّي وتقتربين بشفتيكِ تريدين قبلة، فإن قبّلتكِ مسحتِ دموعكِ سريعاً كأنّ شيئا لم يكن وصرتِ تثرثرين وتشرحين في إسهابٍ ما حدث.

وما زالتْ هنالك حكايا وأشياء أخرى كثيرة لم تكتب، لكنّه وقت النزهة الآن.. هيّا بنا. :smile:

7 thoughts on “سنة أولى

  1. جمان .. حبٌّ الام يتجاوزَ الحدود الروتينية ليتحولَ إلى حكايَة سردتيها بشفاهُ قلبكِ لنا لنطرب
    جميلة تفاصيل الصفية .. ( قطعيها بوووووس )
    حماها الله


    • تسلميلي يا موون. دائماً تتابعين وتعلّقين.. :heart5:
      والله مقطعينها بوس وهي مقطعة شعرها مشان تطلع من بين إيدينا :happy:


  2. أيا حبيبة .. ذكرت لك من قبل .. ولعلي كررت أكثر من مرة, أني أسعد كثيراً حين أقرأ ما تكتبين للعصفورة
    وأكثر ما يسعدني في ذلك .. تخيل صفية وهي تقرأ ما كتبت لها حين تصبح صبية
    فالطفل – رغم كل الفرح الذي يزرعه في قلب أبويه – لا يعي طفولته
    وحين يعي .. يكون قد صار ثقيل الدم نسبياً وما عادت حركاته وكلماته تثير زوبعة الفرح من حوله.. ( كما نلاحظ في تعامل من حولنا مع أولادهم ) وخاصة إذا جاء طفل جديد بعده ..يستأثر بفرح الوالدين الذي لم يعيه هو سابقاً, لكنه يعيه ويراه الآن منصرفاً ( للضيف الثقيل)
    رعاك الله وحماك وأسرتك الصغيرة من كل سوء..
    فقط سؤال : لماذا تصغير الخط ؟؟ يبدو أني سأحتاج إلى مكبرة تعينني على القراءة رغم وجود النظارة
    :happy3: :heart:


    • حقيقة يا ماما حين أنظر في حركات صفية، أقول لو كان بعدها طفل لما رأيت ولا نصف هذه الحركات ولا وعيتُ لها. أما موضوع ثقل الدم، فأعتقد أنه نسبيّ، والحقيقة إنه يكون ثقل مسؤولية أكثر من يقل دم. أو هذا ما أعتقده.

      * الخط بإمكانك تكبيره من متصفّحكِ :happy3: بمعنى آخر ذلك أسهل من أن أكبره من عندي.


  3. وه ياا صاافي ، ربي يحفظها ()
    كبرت هالبنيّة ربي ينبتها نبات حسن .. ويخليكم لبعض وكل أحبابكم ..
    اشتقت لتدوينات صفية كثير ، هذي أكثر مدونة تسرقني بكل تفاصيلها ..
    وأتخيّل بنت أخوي ، تصغرها بـ 4 أشهر ، وأقول يا ربّ ، بتصير حور قدّ كذا باللذاذة والتعذيب ؟
    ” بنت أخوي أول حفيدة بالعائلة ، واحنا من 12 سنة عن صوت الأطفال ببيتنا ، فلها طعمها ربي يحفظها () ”

    ..
    لا تطولين عنّا بصافي ()
    شُكرًا يا أمّها الجميلة ()


    • حيّيتِ يا أفنان :ward:
      الله يحفظلكم حور ويفرّحكم بها :heart5:

      المشكلة أنّ صافي الجميلة بدأتْ تعتبر حاسوبي تلفزيونها الشخصيّ مذ أحضرتُ لها معي (افتح يا سمسم) من الرياض! والويل لمن يقف في وجهها حين يظهر أنيس وبدر أو الضفدع كامل :heart8:

      وغالبا حين تنام هي أكون أنا الأخرى قد استنفذت طاقتي من الجري وراءها كل النهار فأتجه إلى النوم بدوري. اليوم حالة استثنائية :happy3:

      سلمتِ


      • هذا الجيل التقنيّ جدًّا ، .. لا بُد أن تقتني لهم من التقنية شيئًا وإلا سيفسدوا عليك !
        لدينَا حُور لا ترضى ب حاسبها المزيف “بابا سلام” ، تريدُ هذا الملوّن المشع الذي تتحرك فيه الصور !

        ربي يسلمكِ دائمًا يا سُكّر :smile:


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.