فلا ينزعنّ أحدٌ منك إيمانك.

إنها تلك النواقص الصغيرة التي تتراكم في الزوايا صعبة التنظيف، تزعجنا حين نلمحها.. لكنّا نبتعد عنها بعجزنا المفتعَل، مدّعين أننا لا نستطيع إكمالها، بينما نحن لم نفكر حقّا إن كنا نستطيع أم لا. لم نبذل جهد التفكير؛ حتى نصل مرحلة المحاولة، حتى ننتقل إلى مرحلة التكرار، ونقرّر بعدها أننا لا نستطيع.

حين يقولون لكَ إنكَ لا تملك أن تفعل شيئاً لـ(فلسطين)، فأنتَ لن تحلّ القضيّة المعروف حلّها سلفاً، ولن تستطيع محو الوجود الصهيونيّ بثورةٍ ولا حتّى أن ترفع صوتكَ بدعاءٍ كهذا على منبر خطبةٍ في محفل وإلا عرّضتَ نفسكَ لزيارةٍ في (غوانتنامو).. وأن انسَ موضوع (صلاح الدين الثاني) هذا لأنّ الأوّل أعاد (القدس) في جيشٍ حقيقيّ ومعركة حقيقيّة، ونحن خسرناها في معركةٍ وهميّة، ولو كان الأمر كما كان عليه في زمن صلاح.. لصلّينا الجمعة اليوم في (الحرم القدسيّ).
تستمع إليهم، وتصدّقهم حدّ أنكَ تظنّهم اقتلعوها من أعماقك، وأنكَ ما دمتَ لم تولد في فلسطين، ولم تمتدّ جذوركَ فيها، لا صلة رحمٍ أو دمٍ لكَ فيها، لم تعرف عنها شيئاً إلا صوراً بدأتْ من ستّين سنة ولمّا تنتهِ، فلماذا قد تحنّ إليها، ولا شيء يبرّر حنينك؟. لكنّكَ لا تنسى، في حين يغفلون عن محو إيمانكَ، تجده يكبر فيك، وينغرس ويتجذّر أكثر أكثر.. لم يقولوا لكَ (لا تستطيع أن تؤمن بحقّكَ فيها)، فلماذا استبقتَ كلماتهم وأخذتها على عاتقكَ، وقرّرتَ أن تنسى؛ وتعيش صراعاً مع روحكَ التي لا تريد أن تتخلى؟

هذا شيءٌ عظيم تفعله، أن تؤمن بأنّكَ على حقّ، وأنّ في كلّ شبرٍ من (القدس) لكَ حقّ، وأنّ صلاتكَ هناك التي حُرمتَ منها، هي لك حقّ. وانظر كيف لو أنكَ أظهرتَ إيمانكَ هذا، لرفيق صباك مثلاً، ذاك الذي يعتقد أنه يعرف كلّ شيءٍ عنك، وتعتقد أنه يحمل ذات مبادئك التي نشأتما عليها، انظر ما يحدث لو أخبرتَه أنّ أمنيةً تتربّع على قائمة أمانيكَ الخمسة الأولى، أن تعرف ما رائحة الزيتون في (رام الله)، وطعم رذاذ الملح في نسيم بحر (غزّة)، ولون الطين في (بيت حانون)، وملمس حجارة حائط (البُراق)، وما اختلاف (الحنّون) في (نابلس) عن (شقائق النعمان) في بلادك.. انظر ما يحدث، لو أنّ رفيق صباكَ شارككَ الأمانيّ ذاتها، أو أنّكَ أخبرتَ الحكاية لابن أخيكَ، ولطلابكَ في الصفّ، ولعابرٍ صادفتَه ذات محادثة على شبكة الإنترنت. انظر لو أنهم جميعا قالوا لكَ كم هذا مستحيل، ألا تقول لهم حينها أنّ المستحيلات لا تغيّر شكل إيماننا بالأمنيات؟ وأنّها لا تبدّل حقيقة العبارة التي كتبتَها في أوّل صفحة في دفترك الذي يحضن أدفأ أفكارك: هذي فلسطين الحبيبة علّمتْنا.. (أنْ نكون).

وستفعل شيئاً آخر، ستقف في مظاهرة، أو مهرجانٍ إنشاديّ، أو مع رفاقكَ في أحد ممرّات الجامعة، أو مع أصحابكَ في ساحة المدرسة، وسترتجل ما في قلبكَ صادقاً، قد تُلقي فجأة كلماتٍ لـ(فاروق جويدة)، تعلن تأييدكَ لعناتِه:
ابني قد مات بسيف أخي
و غداً سأموت بسيف أخي
ملعون يا سيف أخي!
في كل كتابْ
في التوراة
و في الإنجيل
و في القرآنْ
ملعون يا سيف أخي،
في كل زمان..
ولن تفكّر ماذا قد يأتي بعد اللحظة. وربّما تجد نفسكَ مردّداً:
يا أقصى احنا معاك، سيّجناك قلوبنا
وسراجَك زيت ودمّ! ابشر ولا تهتمّ..
من فوقك أو من تحتيك..
بعظام الصدر منحميك

وقد تفعل أكثر من هذا، قد تستيقظ ذات صباحٍ مقرّراً أنّ (كوفيّتكَ الفلسطينيّة) التي ابتعتَها منذ خمس سنوات من امرأةٍ فلسطينيّة مغتربة، ستكون دفئكَ هذا الصباح، وترتديها وأنتَ لا تهدف لشيء.. ولا يوجد لديكَ (خارطة طريق) ذهنيّة، ولا تعرف أين ستصل.. وبعد يومين، تسير في الجامعة بكوفيّةٍ وخارطةِ (فلسطين) مرسومةٍ بقلم حبرٍ عاديّ، على ورقةٍ بيضاء، تتوسّطها كلمات: غزّة، تحت حصارٍ لا يرفعه إلا صدق الدعاء!، مثبّتةٌ على جانبٍ من صدرك، وعلى الجانب الآخر يتدلى طرف الكوفيّة الملتفّة حول عنقكَ لتدفئك بإيمانك.. ومعكَ أربعٌ، خمسٌ، عشر من أصدقائك. وستسمعهم يتهامسون حولكم في ممرّات الجامعة كلما حاذوكم: فلسطينيّ؟! أكيد.. بس مو معقول كلهم فلسطينية!! وتبتسم، تجهّز ملامحكَ بطريقة تجعلكَ عفويّاً أقرب للقلب، تلتفت إليهم وتخبرهم أنكَ فلسطينيّ قلباً، (ولا تهتمّ ما الذي سيفهمونه من هذه العبارة)، وتترك لهم فرصة قراءة ما كُتب على الخارطة المعلّقة، وتسمع دعواتهم.. فتتذكر أنهم أيضاً كانوا مثلك.. استبَقُوا الكلمات وقرّروا نسيان إيمانهم، لكنّهم الآن تذكّروه.. مثلما أنتَ تذكّرت.

ربّما تكون من النعمة بمكان، فيكون عندكَ (رفيقُ دربٍ) مثل رفيقتي (سارة)، رفيقٌ اختار دربه مثلما أنتَ اخترتَ دربكَ من زمن، وحدث أن التقيتما على ذات الدرب، وكانتْ أمنياتكما تتشابك كحبّات المطر في الغيم قبل أن يهطل. وقبل أن تدركا (إنّما أنتَ أنا لكنّما : وُضِعتْ أرواحنا في جسدين)؛ وجدتَ نفسكَ تخبره: “إنّ الصحبة عادةً يتشابهون، يتقاربون، لكن أنت.. إنكَ تقرأ روحي!”، ويقول لك: “بل أنتَ تقرؤها حين تكتب ما كنتُ أفكر فيه!”.. هذا الرفيق الذي يستجيب لرسالة هاتفٍ محمولٍ بعد منتصف الليل، تخبره فيها إنكَ تريد شيئاً أكثر من (كوفيّة حول العنق) فتجده يعلّق على صدركَ صبيحة اليوم التالي خارطة (فلسطين) مشفعةً بكلماتكما التي صارتْ (فكرة). وحين تقول له: نريد أكثر من هذا.. وتقترح فكرةً على استحياء، تجده يقول: طب حلوو.. يالله، كيف؟، وتشعر أنّ الموافقة جاءتْ سريعاً، سريعاً جدّاً بالنسبة لك، أنتَ الذي اعتدتَ تردّد ذاتكَ وتردّد الآخرين، واعتدتَ أن تأخذ معاملات الموافقة زمناً ضوئيّاً خرافيّاً حتى تنتهي.. رفيقكَ يتفقّدكَ مساء الجمعة، ليعرف أين وصلتْ أفكارك، تخبره أنكَ لم تفكر بعد، وتشعر بالخزي.. هل كانتْ صور (غزّة) في نشرات الأخبار التي تابعتها -طيلة ساعة، ثمّ عرّجتَ تفتّش في الشبكة ساعتين أخريين عنها لتلحق مافاتك- غير كافية؟.. وتجلس؛ تشحن روحكَ التي تفرغ بطاريّتها سريعاً، بمزيدٍ من الكلمات، تتذكر كم أُغرمتَ بذلك الأداء الإنشاديّ لقصيدة (لطفي زغلول) وتقرّر استعادته:
محكومٌ بهواكِ مؤبّد يا حُبّي الأوّل والأوحد
قلبي برمالك بالشطآن بطهر روابيكِ توحّد
بترابك آمن بالزيتون بدمع دواليكِ توقّد
يا ناراً أشعلها الإيمانُ أبتْ شعلتها أن تخمد
ما غابت شمسكِ عن أفقي، مهما بالظلماء تلبّد
بشريعة مَن تغتال الريح جذوري في الأرض، وأُبعَد؟!
إن ينسَ التاريخ جراحي.. ما زلتُ على جرحي مُسهَد
وتخجل أكثر من نفسكَ، حين تسمعهم يقولون لك:
والحرّ إذا أوعد يوماً لا يخلف وعداً إن أوعد..!
إن غبتُ زماناً عن عينيكِ؛ غداً آتي يحملني المدْ
إنّي موعودٌ بكِ قدَراً، يا جرحاً من جرحي يولد!
حين تتذكر أنكَ لمّا سمعتَها أوّل مرّة بكيتَ، وقلتَ لنفسكَ: بل أنا موعودٌ بها مهما قالوا. وتعود تتنقّل في صور (غزّة) تضيئها شموعٌ ذائبة، و(جويدة) يهتف في خلايا ذهنك:
من عشر سنين..
مات أبي برصاصة غدرْ
كفّنتُ أبي في جفن العينِ
و لن أنسى عنوان القبرْ
في (غزّة) قال لمن رحلوا:
(إن هان الوطن يهون العمرْ)
حينها، تأتيكَ من رفيق الدرب الذي يقرأ روحك، تتمّة الهتاف في رسالة جوّال:
واحفر في (غزّة) بحر دماء
اغرس أقدامك فوق الأرض،
فلم يرجع في يوم..
وطن للغرباء.
تتذكّر كيف أجبتَ سؤالاً استغربتَه، من عابرٍ قال معلّقاً على كوفيّتك: وما الذي ستفعله هذه سوى لفت النظر؟، أجبتَ في ذهنكَ لأنّ العابر لم يكن يسأل، قلتَ لكَ: لفت نظر؟ فليكن لفت نظر ينفض غبار الذاكرة، فرغم ستّين سنة من الاحتلال، ورغم أجيال وُلدتْ وعاشتْ وماتت خارج (فلسطين)، ما زالوا يرتبطون بها، وما زالتْ هذه (لفت النظر) رمزاً يقول باختصار ما تقوله كلمات. يريدون أن يطفح الكيل بأهل (غزّة) ليخرجوا بلا عودة، وأهل (غزّة) ما هم منها بخارجين، فلو قدروا أن يخرجوهم، هل يحسبون أنّهم مخرجوا (فلسطين) من قلوبنا؟، (لفت النظر) له فائدة حين يجعل قنوات التلفاز تتحوّل إلى نشرة الأخبار في منزلٍ ما، لأنّ فضولاً ثار في نفس صاحبه حول كوفيّة رآها على عنق شخصٍ غير فلسطينيّ.

تعود إلى أفكاركَ تلملمها، تتذكر ما قالته أستاذةٌ ذات مشروعٍ شاركت فيه: أناملك كان لها دور البطولة في هذا المهرجان. تتذكّر كيف كانتْ أناملك قادرة على صياغة اللون معنى، وتحاول.. تترجم بعض أفكاركَ، تتصل برفيق الدرب، تخبره أن يتفقّد بريده الإلكترونيّ، يجيبكَ بارتياح، تتساءلان: ووجه الورقة الخلفيّ ماذا نفعل به؟.. تفكّر قليلاً، تتذكر أنكَ للتوّ فقط، بدّلتَ توقيعكَ في منتدى الجامعة إلى كلماتٍ من قصيدة (تميم البرغوثيّ)، تقترح الاسم على رفيقكَ (قارئ الروح)، فيتلو عليكَ الجزء ذاته الذي قصدتَ، فتكتبه:
يا أمّنا..
أدري بأنّ المرء قد يخشى المهالكْ
لكن أذكركم فقط، فتذكروا
قد كان هذا كله من قبلُ واجتزنا به
لاشيء من هذا يخيف،
ولا مفاجأةٌ هنالكْ
يا أمّتي.. ارتبكي قليلا؛ إنّه أمر طبيعي
وقومي!
إنّه أمرٌ طبيعيّ كذلك!

تتصل مرّة أخيرة برفيقك، تخبره أنّ كلّ شيءٍ صار معدّاً للطباعة، يسألك عن عدد الأوراق ويخبركَ أنّه سيتولى بقيّة الأمر، تتأكّد أن تصحب معكَ في الغد إلى الجامعة مقصّاً وصمغاً وورق تغليفٍ شفّافٍ لاصق، وتستحضر في ذهنكَ مكاناً مناسباً (لمشروعكما) لتنجزاه، حيث ستتركان شيئاً صغيراً على كلّ مكتب في جامعتكَ (الإسلاميّة)، شيئاً يذكّرهم بمعنى أن يعيش إنسانٌ بلا ماء، ولا دواء، ولا كهرباء، تتعطّل كلّ أوجه حياته ولا يبقى أمامه سوى أن يجلس ويقول للموت (ايتِني)، وهو يخشى ألا يجدَ تراباً يُقبر فيه بعد أن قلبتْ دبّابة صهيونيّةٌ أرض بلدتِه ولم يبقَ منها سوى سماء، أو لا يلقى يداً حيّةً تقبره إذ يكون آخر الموتى!

ستقول في نفسكَ: غداً، حين أصادف تلك الأستاذة التي قالتْ متهكّمة بكوفيّتي (نجحت في لفت نظري)، وأنا أضع على مكتبها واحداً من ملصقاتنا، سأقول لها: إنه أكثر بكثير من مجرّد لفت نظر، ولا شيء قد ينزع منّي إيماني وأمنياتي، ولو كنتُ أسعى إليها بأشياء صغيرة، لأنكم دائماً علمتمونا أنّ (معظم النار من مستصغر الشرر).

وتدري أنكَ لن تنام وأنتَ تتأكد من أشيائكَ وكوفيّتك، وتدعو بقلبٍ صادقٍ ألا تموت الليلة، وأنتَ على وشك قول شيءٍ لهذا العالم، شيئٍ أنتَ مؤمنٌ به وتخبّئ خجلكَ من نفسكِ أنكَ لم تقله منذ زمن.

وقد يسألونكِ علام تلبّستِ ضمير المذكّر إذ تكتبين عن نفسكِ وإليها، فإن فعلوا؛ قولي لهم أن يفتّشوا عن الإجابة بين دفّات السؤال.. فلعلّهم يدركون (إنّما الغضبة الكبرى في قلوب الرجال).
الجمعة 16-محرّم-1429
25-1-2008

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.