السمكة الكبيرة

لا يمكنني إيجاد بداية منطقيّة لهذا الكلام، أو اختراع ترتيب له.
تأخّري في الغفو أمس لم يكن سببه الأفكار التي لا تهدأ وليست لديّ القدرة على كتابتها بسبب الإرهاق والتعب. ولم أكن أحشدها بغرض تذكّرها لاحقا خوفاً من فقدانها، لا يوجد شيء من هذا القبيل. فأفكار الكتّاب عبارة عن مقاطع من نصوص تتلو نفسها بصوتٍ عالٍ طيلة الوقت في عقولهم.
ما المشكلة إذا؟
هنالك فلم اسمه Big Fish. يكبر الابن الذي لا يحبّ أباه لأنّه يعتقد أنّه لا يخبره سوى أكاذيب، ويحاول إخفاء القصص الحقيقية في حياته. أمّا الأب الناجح في حياته المهنية والاجتماعية والعائلية، فيعتقد أنّ هنالك نسختان من كلّ قصّة: الواقعيّة المملّة، والممتعة التي يراها بعين الخيال.
فعليّاً لم يكذب الأب في أيّ من حكاياه على ابنه، فقط.. كان يستخدم أوصافاً وعباراتٍ (أدبيّة) خيالية. ليس ذنبه أنّ خيال ابنه -كطفل سليم- لم يكبر معه عندما كبر عمراً، فصار يرى (الخيال) أكاذيب، وصار يفتّش عن (الحقائق).
يقول الأب في الفلم إنّه قرأ مرّة عن سمكة: تكون صغيرة جدّاً حين تضعها في حوض أسماك، وكلّما نقلتها إلى حوض أكبر، ستكبر أكثر.
لكن لو طبّقنا هذا على خيالنا، نجد المعادلة معكوسة: فسمكتنا تولد كبيرة جداً، ونكون نحن صغارا جدا داخلها، كلما كبرنا، صغرتْ هي، حتى إذا توقّفنا عن النموّ، صارت ضئيلة جدّاً تائهة في الحوض الكبير.. الخيال تائه فينا، في عالم الكبار.
(النسخة الممتعة) من الحكاية.. أو من الأكاذيب. هل نكذب على أنفسنا بالخيال؟ أم أنّنا نهرب من واقع لا نحبّه؟. الطبيب النفسي يسمّيه فصاما، هذيانا. هل يمكن أن يصيبنا الخيال بالجنون؟ Continue reading


برميل الأسى!

قليلو البكاء..لا يقدرون غالبا على شرح أسباب دموعهم المفاجئة. يعتقد من حولهم أنهم يمرون بظرف سيء، أن حادثا وقع لهم، أنهم مرضى جسديا أو نفسيا.. يريحهم هذا الاعتقاد لأن هؤلاء الآخرين يبكون غالبا بشكل عاديّ مرتبط بأسباب منطقية واقعية للبكاء. وحين يلتقون بشخص من النوع الأول، يرتبكون من تماسكه في مواقف البكاء المعتادة، ثم يرتبكون أكثر من فيض دموعه التي تغرقهم في مواقف ليست مواقف أصلا.
أنا من النوع الأول.. هنالك ذلك البرميل من الأسى في داخلي، الذي أحاول منعه من الامتلاء بدلا من اختراع طريقة لتصريف ما بداخله باستمرار. وهذا البرميل حين يمتلئ رغما عني، سيطفح ويتكبكب، حتى أستجمع قوّتي..فأنحني وأدلقه دفعة واحدة.
برميل أساي ممتلئ منذ بضعة أسابيع.. يرشق يمنة ويسرة.
الرجل العجوز التائه الذي أوقفني في الشارع قبل يومين ليخبرني أنه لا يذكر أين ترك سيارته ويسألني عن العلامات التي يذكرها أين يمكن أن تكون..وأنا في طريقي لإعادة بناتي من المدرسة، سكب في برميلي دلوين فبكيت عندما غادرتُه. عبرت معه الإشارة وأرشدته قدر استطاعتي وهو لا يذكر اسم الشارع حتى..عرضت عليه أكثر لكنه رفض وشكرني جزيلا. Continue reading


روحُ المقاتِل

مهداة إلى خالي الذي قضى ثلاثة عشر عاما في (سجن تدمر) وخرج منه نهاية عام 1992. وإلى الذين كانوا معه، وإلى الذين لم يعودوا من هناك أبداً.

ما بيني وبينكَ
أعني.. ما بين اسمينا
لامٌ قُصّت من أعلاها:
صارتْ نقطة!
لمّا أمّي حملتْ بي،
كانتْ تدعو:
بنتاً،
تختم عِقد الصبيان لديها..
قالتْ لي:
لو كنتِ صبيًّا
كنتُ أسمّيكِ (جمالْ). Continue reading