أبعد مِلحك عن جراحي !

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة. Continue reading


حالة خاصة

صحوتُ من القيلولة التي امتدّت رغما عنّي إلى ساعة ونصف الساعة، منزعجة من حرّ سبتمبر الغريب، ورأسي مثقل بأصواتِ الشارع.
نزلتُ مباشرة إلى المطبخ، وحين بدأتُ تجهيز الغداء، كنتُ أسمع من النافذة المفتوحة صوت ابن جيراننا من البناية المقابلة، التي يفصلنا عنها ممشى وصفّ من الأشجار يجعل الرؤية متعذّرة، لكنه لا يمنع وصول الأصوات.
ولعلّ ارتفاع درجات الحرارة وتمدّد فترة الصيف هذا العام، جعلتْ الأطفال أكثر حظّاً باللعب في الخارج لفترات أطول، فصرنا نسمع أصواتهم أكثر.
لكنّ زوجي أيضا لم ينتبه لصوت هذا الطفل إلا هذا العام. قلتُ له: لديهم طفل بحالة خاصة.
– كيف عرفتِ؟
* من صوته. وهناك طفل وطفلة غيره، يلعبان ويتكلّمان بشكل طبيعي، أمّا هو فلديه إعاقة، على الأغلب ذهنيّة وليست كلامية فقط.
– هل رأيتهم؟
* لا..
(ساخرا بعض الشيء): – إي.. وكيف عرفتِ كلّ هذا؟
رددتُ بهدوء وغصّة: من الصوت.. طريقة الأصوات التي يتفاعل بها مع إخوته.
….
أن يكون في عائلتك شخص (مختلف/معاق) يعني أن تكون أنتَ مختلفاً أيضا. لا يمكن أن تكون عائلتك مثل بقية العائلات. إنّكَ تقضي وقتاً أطول في القراءة والبحث، وتسمع أسماء المستشفيات والأدوية أكثر ممّا تسمع أسماء الأكلات والمطاعم، وتبدأ في ملاحظة كلّ شيء وتسأل عن كلّ حالة مشابهة. Continue reading


محشي البطاطا !

تحفر البطاطا وهي نيّئة، ولا تحفر كثيرا بل تبقى سميكة، ثمّ تقلى سريعا من الخارج بقليل من الزيت، ثم تحشى باللحم المعدّ سابقاً مع الجزر والبصل والتوابل، ثمّ تقلى البطاطا التي خرجتْ من الحفر وتصفّ في الصينية مع بقيّة البطاطات، ويصبّ فوق هذا كلّه مرق البندورة المشبع بدبس الرمّان، وتوضع في الفرن لتستوي وتتحمّر.
أكلة صعبة الإعداد لكنّها شهيّة، تحتاج انتباهاً لكنّ النتيجة تستحقّ، تسبّب ألماً في مفصل اليد نتيجة عملية الحفر القاسية، لكنّه ألم مؤقّت يزول لاحقاً.

ماذا لو تجاوزنا أيّاً من هذه الخطوات، أو تغافلنا عن قلي البطاطا قبل حشيها، أو تركناها في الفرن أكثر من اللازم، أو كانت الصلصة كثيرة الماء؟ سيحدث ببساطة أن يخرج طبق مخبوص لا مظهر له، ولا يشجّع على الأكل. وقد تتحوّل كلمة (البطاطا الطيبة) من فم الأطفال إلى (شكلها مقرف!).

هذا ما حدث تماماً، في أنفسنا.
حين استيقظتُ صباحاً، كان رأسي مثقل بالهمّ وشعور الحزن يضغط على نفسي، ولما ذهبتْ البنات للمدرسة، سألتُ زوجي عن ذلك المسلسل الكرتونيّ، أخبرتُه أنّي لم أنم الليل جيّداً من كثرة التفكير، واتّفقنا على منع مشاهدة البنات لأيّ شيء إلا بصحبة واحد منّا. والحقيقة إنّ هذا الاتفاق كان موجوداً أصلا ولكن بشكل جزئيّ: فالتلفاز في منتصف البيت ويمكن للجميع أن يرى ويسمع ما يعرض عليه، ولا توجد أجهزة ثانية يمكن استخدامها بالنسبة للأطفال، والتلفاز ممنوع في أيام الدراسة، ومسموح لفترات محددة في نهاية الأسبوع، ونحن لم نكتشف علّة المسلسل الذي تتابعه البنات إلا بجلوسنا معهم في الغرفة، وتركيزنا معه، لنعرف بعد القراءة والبحث، أنّ المسلسل بأجزائه الستّة يحوي شخصيّتان شاذّتان جنسيّاً: إحداهما من البداية، ذكر مع ذكر، والثانية هي الأساس، أنثى تحوّلتْ من حبّ صديقها لحبّ صديقتها! هذا الشرح والتفصيل وجدتُه بالإنجليزية على صفحة تهتمّ بالمحتوى الإعلامي الداعم للشواذ وتشجّعه. Continue reading