أنا منهم.

نخلة بيت أهلي في الرياض

* لا أدخّن، لا أشرب الكحول، ولا أشرب المنبّهات.
– كيف تعيشين؟!
* لماذا تدخّنين؟
– لأسترخي..
* أنا أسترخي حين أقوم بالتنظيف والترتيب. أحيانا في السوق أراقب الموظّف الذي يقوم بترتيب البضائع على الأرفف. مشاهدته وهو يقوم بالترتيب تريح أعصابي.
-!!
* ولماذا تشربين الكحول؟
– لأنسى وأروّح عن نفسي.. وأنتشي.
* الكحول شبيه بالمخدّرات، هنالك أشياء كثيرة تؤدّي إلى ذات المفعول. مرضى الربو الذين يستخدمون موسّعات الشعب الهوائيّة يفهمونني تماماً. أيضًا مدمنوا المأكولات الحارّة.. هل جرّبتِ أن تشربي قنينة (تباسكو)؟ لا؟.. جربي.. شبيهٌ بمفعول الكحول حتمًا بحسب ما وُصِف لي.
– ماذا عن المنبّهات؟
* لا أحتاجها. لم يحدث أن تناولتُها إلا وارتفع ضغطي (حقيقة لا مجازا)، وأنا من قومٌ ضغطهم الطبيعي كسلك التوتّر العالي. لأبقى مستيقظة؟ أنا لا أنام إلا حين يخلو رأسي من الأفكار، أما لو كانتْ هنالك فكرة تتمشّى فيه وتتفرّع، فيمكن أن أبقى يومين بلا نوم.
– المنبّهات ليستْ مضرّة بالصحّة..
* لم أقل إنّها مضرّة! أنا قلتُ إنّها (تنبّهني) وتقلقني. وأنا (بالناقص قلق)! يا عزيزتي.. أنتِ ألمانيّة وأنا عربيّة. (إش جاب لجاب)؟
– الترجمة لو سمحتِ!
* تكرمي: أنتِ وُلدتِ من دم أزرق، يعني دم بارد.. بارد جدًّا.. (بوظ). في مدينة باردة غائمة معتمة، لم تسخن تحت قدميكِ أرضٌ بحرارة خمسين مئوية في الظلّ. لم يصفرّ شعرك بسبب الشمس بل بسبب الجينات. وجلدكِ يحترق من عشرين درجة مئوية بينما نحن نقول (الجو اليوم بجنّن!) ونرتدي المعاطف.
أنا وُلِدتُ كما تولد النخلة: في الصحراء، نزهتي المفضّلة رملٌ حارق أحفر فيه حتّى أجد باطنه البارد وأدسّ قدمي. بينما عباءتي السوداء تتحوّل إلى شوّاية في شمس (عِزّ الشتاء).
في صيف آب، الذي تختبئين فيه داخل بيتكِ في الظلّ وأنتِ تقريبًا بلا ثياب، أخرج أنا بالجينز والـ تي شيرت إلى حديقة البيت، لأغسل الشجر بالماء الذي يندفع شِبه مَغليّ من الصنبور، وأغسل نفسي بين لحظة وأخرى لأجفّ بعد خمس دقائق على الأكثر.
أنتِ تتركين غسيلك على الحبل لساعات، أو على الأقل لساعتين في الأيام التي يكون فيها الجوّ عدوّك. أنا أجمع الغسيل بعد عشرين دقيقة من نشره على الأكثر، في الأيام العاديّة. فلا يوجد في صحرائي يومٌ عدوّ ولا صديق، النخلة صديقةٌ لجميع الأيّام.
أنتِ لديكِ ملابس مطر كاملة ومظلّة وحذاء طويل العنق، وأنا اشتريتُ معطف المطر (خجلا) من منظر ملابسي المبتلّة لو التصقتْ بي، وما زلتُ أخرج بحذاءٍ قماشيّ صيفيّ وأغرق في كلّ مرّة.
أنـتِ لا تشاهدين الأخبار، ولو فعلتِ، فستكون أخبار مدينتكِ فقط.. ربّما تهتمّين مرّة أو بضع مرّات في العام بأخبار الدولة لو كان لها تأثير مباشر على حياتك. أمّا أنا.. أمّا نحن.. فصغيرنا وكبيرنا يتابع (مسلسل) الأخبار ولا بد أن نشاهده قبل النوم وعند الصحو منه وكأنّه جرعة دواء! نعرف عن العالم أكثر مما نعرف عن أهل البيت. بارعون في التحليل السياسي من كثرة ما شاهدنا، وربّما صرنا خبرة بلغة الإشارة من كثرة متابعة النشرات.
أنتِ لا مشكلة لديكِ من الناحية الأخلاقية مع أطفالك: فكلّ شيء مسموح، ولا إله هنالك. النزاع الوحيد يقع عندما لا تتمكّنين من تدليلهم (مادّيا) كما يطلبون، رغم انعدام الخوف من الرمي في الشارع أو عدم القدرة على دفع أجرة الكهرباء أو الماء أو الطعام أو… فمخاوفكِ الحقيقية هي مستوى الرفاهية.
وأنا.. نحن.. خلّيني ساكتة!
أنتِ لا تجيدين سوى لغة واحدة، ولا يهمّك تعلّم غيرها، ولو تعلّم طفلكِ الإنجليزية فخير وبركة، وبإمكانك الاستفادة من خبراته لو فكرتم في السفر خارج ألمانيا.
أما أنا.. فالحدّ الأدنى لي ولأطفالي هو ثلاث لغات أساسيّة: العربية والألمانية والإنجليزية!
في الحقيقة يا عزيزتي.. أنا التي عليّ أن أسألكِ: كيف تعيشين تحت هذا الضغط كلّه الذي يسبّبه ارتفاع ثمن السجائر، ومشاكل الكحول الصحّية والأخلاقية، والعصبيّة التي تسبّبها لكِ كثرة المنبّهات؟!
تسألينني كيف أحتمل هذه الحياة بدون هذه الأشياء التي برأيكِ تساعدكِ على احتمالها. وأنا متعجّبة لماذا تشعرين أنّكِ مرهقة ومضغوطة: فدنياكِ واحدة، بينما أنا في كلّ حركة أحسب حساب الدنيا والآخرة، وأنتِ في بلدكِ وأرضك ولغتك، بينما أنا لو عِشت هنا ألف عام لبقيت (أجنبيّة) وفوق ذلك (ذات حجاب)، ولكنتي واضحة. لديكِ طفلان على الأكثر تمامًا مثلما عندي، أو أطفالك كبروا وخرجوا من البيت، أو ما عندك أطفال أصلا! فما الذي لا تحتملينه في (هذه) الحياة؟!. أهلك يعيشون معك في البلد ذاته ولكنّكِ لا تعرفينهم تقريبا، بينما أنا أعيش العام كاملا أحسب وأتجهّز لزيارتهم، والمسافات ليستْ بقصيرة.

أنا نخلة وأعيش هنا، هل رأيتِ نخلة هنا من قبل؟! هل ينبت نخل في هذه الأرض السوداء الزنخة؟.. هل يحتمل بردها وصقيعها وبرودها؟
تعالي أنتِ.. أيّتها الصنوبرة الألمانية التي لا تثمر، وجرّبي يومًا واحدًا في مدينتي.. في شتائها، ولن أقول في صيفها لأنّكِ ستتبخّرين دون احتراقٍ حتّى.

أنا من قومٍ حديثهم العاديّ شجار، ونقاشهم الطبيعيّ معركة، وعناقهم اليوميّ ملاكمة، ومتعتهم اليوميّة هي التوتّر، ورياضتهم المفضّلة هي رفع الضغط، وضحكتهم الدائمة هي السخرية من هذه الحياة، واسترخاؤهم هو الصلاة.
أنا منهم ويكفيني هذا، ولا أشعر بحاجة لشيءٍ آخر كي (أجتاز) هذه الحياة بسلام.


العدل المفتَرَض: بين صفية وسمية..

لا يحتاج المرء دقّة ملاحظة عالية لينتبه إلى فروق الشخصيّة بين ابنتيّ (صفية وسمية). لكنّه يحتاج ذكاءً شديداً كي لا يساوي بينهما في المعاملة. نعم، فالمعاملة المتساوية غير منطقيّة ولا صحيحة. العدل لا يعني أبدا أن أعطي الواجب نفسه لكلّ الأطفال، أو المكافأة عينها.
ففي حين تعتبر سميّة (خمسة أعوام) أنّ أجمل الهدايا دمية (باربي) جديدة، أو علبة (ماكياج)، أو أحمر شفاه مثل (الكبار)، ترى صفيّة (ثمانية أعوام) أن الدمى القماشية بجميع أشكالها وأحجامها هي أروع ما يمكن أن تحظى به.
وطيلة عام ونصف تقريبا، كنتُ أسعى -بزعمي للمساواة بينهما- لشراء أشياء متماثلة، قطعتان من كلّ غرض. حتى نظام (شجرة الحسنات) الذي علّقته كان يقضي التساوي بينهما.. وقد بدا ذلك (عادلا) في البداية. لكن حين توزيع المهمّات وجدتُ أنّ العدل المفتَرض مستحيل:
* صفيّة لديها واجبات مدرسية، وسميّة لا.
* صفية لا تحب التنظيف لكنها ترتب بشكل ممتاز وقادرة على نشر الغسيل ولمّه وطيّه وحدها، وسمية تثير الفوضى بشكل مذهل لكنها قادرة على تلميع الزجاج والأرضيات بشكل رائع.
* صفية يمكنها الجلوس أمام التلفاز طيلة النهار إن سمحتُ لها، أما سمية فلا تصبر أكثر من نصف ساعة ثمّ تبدأ باللعب بصوت عال وتستفزّنا لمشاركتها.
* صفية تعشق كلّ شيء في عالم المكتبات، وأجزم أن لو ذهبنا أنا وهي إلى محل قرطاسية أو مكتبة ونسيت نفسي لخرجتُ مفلسة دون أن أشعر: أقلام من كل الأشكال والأحجام والأنواع، أوراق، كتب، دفاتر، مشابك ورقية، ورق ملاحظات، أدوات تزيين وتغليف الهدايا، أدوات الأعمال اليدوية.. إلخ. بينما سميّة لا تطلب شيئا من هذا إلا إن كان لونه (زهريا أو بنفسجيا أو يحمل صورة إلسا وآنا!).
* صفية تعاند بصمت، ولا ترد، وقدرتها على التجاهل تفوق قدرة أي شخص بالغ وتجعله يُهَستِر، باختصار: العالم كلّه.. لإنفها!. أمّا سمية فلسانها أطول منها ولا تعرف فضيلة السكوت، وأجوبتها حاضرة دائما بأسلوب (الردح).
* صفية حين تمشي معي في الطريق ليس عليّ أن أفكر بأي حديث لكسر الصمت، إننا نستمتع معا بصوت أوراق الشجر، والعصافير، وملاحظة الحشرات الصغيرة، والسناجب المتسلقة، وألوان مظلات الناس وقبّعاتهم، وصوت حبّات المطر، وقد تمشي ساعتين قبل أن تقول لي بخفوت: ماما عطشت. أمّا سمية لو مشيت معها.. فلا أسمع شيئا، ولا أرى شيئا! تتكلم ولا تترك فرصة لأحد كي يتنفّس، وتتعب بعد دقيقة، وتجوع بعد دقيقتين، وتقضي نصف ساعة في النقّ على سبيل التسلية!
* صفية لا تكسب الأصدقاء بسهولة أبدا، وتنتظر من الآخرين أن يتودّدوا إليها، وحين لا يعجبها شيء منهم، فهي على استعداد لشطبهم مباشرة، وفي المقابل إن أعجبها أحدهم من أوّل لقاء فإنها تحتفظ بصداقته للأبد ولا تنساه، وهي في الحقيقة لا تعاني من ذلك ولا تشعر بالوحدة، إلا أنّ العالم يضغط عليها. أمّا سمية، فلا يمرّ يوم إلا وأسمع منها اسم طفل جديد معها في الروضة، وأكتشف أنه في مجموعة أخرى لا علاقة لها بها، ولكن حين تطلب أن تدعو أصدقاءها للعب معها في البيت، أجدها محتارة.. وتخبرني أنّها لا تحبّ سوى (أنيسة) الألبانية.
* جميع المعلمين والمعلّمات في المدرسة يعرفن صفية، وكذلك جميع المربّيات في الروضة يعرفن سمية. لكنّ الأسباب مختلفة تماما: صفية معروفة بأنها (خاصّة) وتتصرّف كما لو أنّها لم تفهم ما قيل لها، وتقضي وقت الاستراحة في الأرجوحة وحدها أو في ملاحظة الحشرات. أمّا (سمية) فمعروفة بأنها زعيمة وقائدة وتهتمّ بملاحظة شعر وماكياج وأظافر المربيات!
* صفيّة لا تُبدي اهتمامها بوجود سمية أو غيابها إلا نادرا، لكنّي أعرف أنّ تلك المشاعر تختبئ في قلبها، وتطفو أحيانا حين تصاب سمية بالمرض، فأجدها قلقة، تذهب إليها في السرير وتقترب وتعود إليّ وتسألني متى ستصحو، ولماذا استفرغت الطعام. وفي حين تبدو أسئلتها علمية بحتة، إلا أنها تخفي قلقا حقيقيا. بينما سميّة تندفع نحو أختها في عناق مباغت حتى توقعها أرضا، وتسأل عنها لو اختفت دقيقة، وتلتصق بها أثناء وجودها في البيت، وحين نذهب لزيارة أصدقاء مع أطفالهم، لا تلعب إلا مع أختها، وتقلّدها في كلّ شيء، وتحتمي بها.
* صفية تبدو كبحيرة هامبورغ (الألستر)، هادئة، عميقة، مريحة ومنعشة. أمّا سمية، فهي عاصفة ضاحكة مندفعة في الأرجاء بكلّ الاتجاهات.
* صفية تخزّن المعلومات والكلمات في رأسها من أوّل مرّة لو كانت في حالة انتباه، أمّا سميّة فتحتاج لتكرار كثير. وبالمقابل، تتأخّر صفيّة في إدراك الطلبات المركّبة: هاتي المقصّ الأزرق الموجود في السحابة الثانية في المطبخ. إذ عليّ أن أصيغ لها الطلب بطريقة مختلفة: روحي عالمطبخ، وأنتظر أن تصل، قفي عند الدُرج الأيمن، رقم اثنين من فوق، افتحيه، ابحثي عن المقص الأزرق وهاتيه. أمّا سميّة فتركض مباشرة لتحضره من المرّة الأولى.
* تنزعج صفية من الأصوات العالية، وعليها في كلّ مرّة أن تكرّر طلباتها أربع مرّات على الأقل حتى أفهم ما تقول لخفوت صوتها. بينما تمقت سمية الهدوء، وحين نخرج لمكان بصحبة زوجي ويبتعد عنّا، أستخدم سميّة كجهاز استدعاء لأنّ صوتها أعلى حتى من صوته!
* سمية دبِقة عاطفيا، تلتصق بي حين أجلس، تريد أن تمشّط شعري، وتتمسّح بي، وتقبّلني بإلحاح وثقل دم أحيانا، بينما صفية لا تطلب سوى أن أستلقي جوارها في الليل، أنفها على أنفي، ساقاها فوق ساقيّ، ويدي على شعرها.
* سمية تحدّق في وجوه الناس حين نمشي في أيّ مكان! تحدّق بهم بإصرار وفي العين مباشرة.. وفي معظم الأحيان يشعرون بالحرج ويبتسمون لها فترفع عينها عنهم أخيرا. بينما صفية لا تنظر إليهم إطلاقا، يستدعي مظهرهم العام اهتمامها، لكنها لا تفكّر في معرفة شكل الوجوه أبدا.
* سمية تحبّ تجميع الأحذية وارتداءها، وصفية لديها هوَس الحقائب.
* سمية تلاحظ في الأطفال والكبار لون الشعر والتسريحات وموضوع ارتداء الحجاب واللحية عند الرجال وقادرة على الوصف،  أما صفية.. فتنتبه للتنوّع العِرقي، شكل العيون والسحنات وطول الجسد وعرضه، وتعبّر برسوم دقيقة بعيدة عن الكلمات.
* صفية تفهم وتتكلّم: العربية الفصحى، والعامية، والألمانية، ولديها شغف حاليا بالإنجليزية. أمّا سمية.. فمحصولها اللغوي محصور في العامية العربية والألمانية الأقرب للعامية، ولا تهتمّ لتتعلّم أكثر.
* صفية لا يمكن أن يخطر في بالها حتى اللحظة أن تسأل عن مصدر الطعام أو عن نوع اللحم المقدّم لها لثقتها دوما في من يقدّمه، أمّا سمية.. فتفتح محضر تحقيق.
* سمية لا تهتم لنظافة دورات المياه أو قذارتها، بالنسبة لها هي مجرّد مكان لقضاء الحاجة والخروج ركضا، أمّا صفية فلديها شعور عميق بالقرف، ولا يمكن أن تدخل حمّاما وسخا.
* صفية رقيقة، ولا تقدر أن تدافع عن نفسها، تفترض أنّ العالَم هو من يجب أن يعاملها بلطف، ولا تفهم أبدًا مناكفات الصبيان لها، فتتجنّبهم. بينما سميّة قويّة اليد، لطمتها توجع وتترك أثرا حتى وهي تمزح وتلعب معنا، وتتعامل مع الصبيان بنوع من الاحتقار والدونيّة.
* صفية كانت وما زالت مسالمة مع أختها بشكل عام، ولا تعتدي عليها ولا على ممتلكاتها إلا بعد اعتداءات متكررة من سمية، أي بعد أن يطفح بها الكيل.
* صفية حين تنزعج تخزّن غضبها، وتنعزل في غرفتها، ثمّ تأتي وتعتذر قبل حتى أن تفهم لماذا عليها أن تعتذر، أمّا سمية فلا بدّ أن نعصرها عصرا لتخرج منها كلمة آسفة.. وتنطلق بالنواح (والعواء) وكأنّ قطارا يمشي على قدميها مذنبة كانت أم بريئة!
* سمية لا تخرج من البيت إلا على (آخر طَرز) أي بكامل الأناقة مع مرطّب شفاه وإكسسوارات الشعر، وقبل الخروج تراقبني وتتمعّن في طريقتي عندما ألفّ حجابي أو أضع المرطّب على كفّي، ويأخذ عقلها خاتم زواجي العاديّ وتطلب دائما أن ترتديه، وتغيّر ملابسها مرتين أو ثلاثا في اليوم وتريد أن تختار بنفسها. أمّا صفية فلا ترى شيئا من هذا أبدا، وبالنسبة لها فالملابس خُلِقت لأننا يجب أن نلبسها فقط، والشعر ليغطّي الجمجمة! لكنها تستسلم بهدوء لكلّ اختياراتي في ملابسها وشعرها، وتحتاج أن أخيّرها بين غرَضين دائما عند الارتداء.
* سميّة لا تخضع بسهولة للبلطجة الاجتماعية من الأقران، بينما صفية تدافع عن نفسها بالانعزال، أو تنساق أحيانا.
* صفية لا تُظهر ألما أبداَ وتعتبر الشكوى والبكاء ضعفا، وقد تُجرح أو تمرض ولا أعرف ذلك إلا بعد ظهوره بشكل قويّ. أمّا سميّة.. فيكفي أنّنا ومعلّمتها في الروضة نصفها بكلمة واحدة: درامااااااا! ولا يمكن بحال تمييز صدقها من ادّعائها.
* قبل يومين دخلت شوكة صغيرة جدا من كرسيّ خشبيّ في باطن كف صفية، وحاولتُ إخراجها فلم أفلح، أخبرتُها أن تتحمل حتى نصل إلى البيت فأستخدم الملقط، ولما وصلنا قالت لي بهدوء: ماما رح تطالعيلي إياها؟ وكنت قد نسيت الأمر تماما لأنها مشت إلى البيت ولم تنطق بكلمة عن الموضوع، ولما أخرجنا الشوكة كانت أول كلمة قالتها: وينها بدي أشوفها. كان اهتمامها منصبا على ملاحظة الشيء ولم تتأوّه حتى. أما سمية، فأذكر أن شوكة دخلت في عقب قدمها قبل بضعة أشهر، وكانت مع أبيها، فلما عادوا  وأردنا إخراجها، صار صراخها مرعبا وكأننّا ننتزع روحها، ونحن لم نلمس قدمها بعد! اضطررتُ في النهاية إلى الجلوس فوقها تقريبا وتكتيف يديها إلى أن سحب أبوها الشوكة. وقد خشينا أن يتّصل الجيران بالشرطة من شدّة الصراخ.
وهكذا.. يمكنني أن أسرد عشرات الاختلافات الأخرى، التي تجعل فكرة العدل المفترَضة محض هراء. العدل الحقيقيّ هو أن تعطي طفلكَ ما يجعله متمكّنا من (تقدير ذاته). لذلك بدأتُ في تغيير مبدأ (المعاملة المتماثلة) إلى (المعاملة العادلة بحسب القدرات والرغبات).
وكان أوّل تغيير يكمن في ذهاب صفية إلى دورة تعليم سباحة، في الوقت الذي كانتْ تبقى فيه سمية معي لأنهم لم يقبلوا تسجيلها لصغر سنها، وبأية حال لم تكن أي منهما بحاجة تعلم السباحة التي تعلّمتاها مع أمّي في الصيف، لكنّ النشاط الرياضي كان لدمج صفية مع أطفال من سنّها، بينما سمية لا تحتاج ذلك. ثم دوام صفية لمدة عام كامل في المدرسة العربية بينما تبقى سمية في البيت لأنها بكت ورفضت الذهاب لصف الروضة هناك، واليوم فقط وبعد استلام صفية هديتها وشهادة نجاحها شعرتْ سمية بالمقلب، لكنها سرعان ما نسيتْ. صار اختيار هدايا صفية ضمن نطاق التلوين والرسم اللذان تعشقهما، وتحميلها مسؤولية مسك النقود ومناولتها للبائعة عند الشراء، ومزايا حمل الأغراض، وأخذ ما تريده من مكتبي وأدواتي بخلاف سمية التي لا تملك هذه الميزة ولا الصلاحية لأنها لا تعيد شيئا إلى مكانه أبدا، والأسوأ أنها تخفيه وتنسى أين وضعته، بينما صفية لا تنسى أبدا.
وفي المقابل صارت لسمية مزايا خاصة بها: فبينما لا يصح أن تغيب صفية عن المدرسة إلا بعذر، فإن لسمية الحق أن تبقى معي في البيت متى شاءت طالما لستُ مضطرة للخروج، وحظيت سمية طيلة أشهر بمتعة ركوب الخيل مع برنامج الروضة، واللعب مع الأرانب في حديقة روضتهم أيضا، وحين تطلب دمية باربي جديدة، وهنالك مناسبة لإهدائها إياها، فإني أشتريها ولو كانت غالية، ذلك أنها تحافظ عليها، ولم تُصَب أيّ من دماها بأذى، ولا ضاع منها شيء.
في أوقات التنظيف يكون تحديد المهمّات أسهل: صفية رتبي، سميّة نظفي الطاولة. صفية كنسي بالمكنسة الكهربائيّة، سمية امسحي الأرض. صفية رتبي غسيلك في خزانتك، سمية.. رتبي خزانتك معي! وهكذا..
والآن، صارتْ الأمور أكثر هدوءا بيننا، عندما شعرتْ كلّ منهما أنّها ليستْ مضطرّة لتقليد أختها في شيء للحصول على مزايها، وأنّها ليس بالضرورة أن تحصل على غرض مماثل، بل أن تحصل على ما تحبّه، وأنّ التنوع في الأغراض يتيح لهما التبادل لبعض الوقت. وهنالك طبعا الكثير من الأشياء التي تتشابهان بها، أهمّها: طول القامة مقارنة بالأقران، ما يجعلهما تبدوان أكبر من بقيّة الأطفال في الصفّ المدرسيّ والروضة. ولم يكن ذلك ملاحظا في البداية، لكنّه ازداد مؤخّرا، خصوصا مع انتقال صفية مؤقتا لشعبة دراسية أخرى، وبينما الطلاب هناك يكبرونها ببضعة أشهر وأحيانا بفارق عام، تترافع هي طولا عنهم شبرا وأكثر! وبينما سميّة تلعب مع أصدقائها في الروضة، تبدو من بعيد كأخت كبيرة لهم. وهذا ما يجعلنا ننسى أحيانا أن داخلهما طفلة صغيرة هشّة.
العدل لا يعني المساواة، إذ كيف أساوي بين شخصيّتين مختلفتين بعمرين مختلفين، فقط لأنّ كلاهما أنثى، وكلاهما ابنتي؟!.
الآن فقط أدرك بهدوء أنّ من حقّ صفية أن ترفض أن تكبر، أن تُبقي على الطفلة في داخلها بريئة هشّة، وأنّ عليّ أن أوفّر لها الحماية التي لا تستطيعها، وإلا لماذا أنا موجودة إذا؟. والحقيقة إنّ براءتها نادرة، وحين أرى البنات في صفّها، لا أستطيع أن أصفهنّ.. فهنّ أبعد ما يكنّ عن البراءة رغم أنهنّ في الصف الثاني فحسب.
أمّا سمية فبالعكس، تريد أن تكبر بسرعة جدا، وعلي أن أجاري ذلك أيضا، وأن أراعي جموحها وانطلاقتها وأثق بها أكثر، فمن ذا يجرؤ على الوقوف في وجه الإعصار؟.


قراءة في: ألف منزل للحلم والرعب.

هنالك أشياء كثيرة في الحرب تجعل الموت بطلقة رصاصة أو بحادث سيارة أو فجأة بأزمة قلبية.. من أجمل الأمنيات وأغلاها على النفس. أفغانستان التي لم تعد تملك من جمالها سوى تلك الملامح العذبة والعيون الملونة التي تحملها وجوه أبنائها. أثرت بي هذه الرواية كثيرا خصوصا وصديقاتي المقربات هنا من الأفغانيات.أسألهن عن كابول فتأتي الإجابات مليئة بالغيم والمجهول.مولودات هنا..يتكلمن اللغة الدارية ولا يكتبنها وربما يقرأنها.لكن الوجوه تحمل تلك الملامح الجميلة التي لا تخطئها العين..والقلوب تحمل تلك الطيبة التي تنعكس ابتسامة وترحيبا طيلة الوقت. هذه رواية تحكي عن هذا..عن كيف صارت طيبة هذا الشعب سبب هلاكه.
*حقيقة: الشجاعة ليست صفة جينية يكتسبها الرجال بمجرد ولادتهم كما نعتقد نحن النساء..إنها صفة مكتسبة يتعلمونها.ولذلك في أزمنة الحروب وحين يغيب الرجال في السجون وساحات المعارك..أو يهربون بعيدا كي لا ينتهوا إلى إحدى النهايتين السابقتين..تغدو الشجاعة صفة نسائية بحتة نابعة غالبا من الأمهات.
اقتباسات:
*ص7 إهداء المؤلف: إلى أمي.إلى أحلامها المتلاشية.
* ص68 :”الشاب الذي كان معك هو أخي.عمره 18سنة فقط.أمضى ثلاثة أسابيع في السجن.أسأل نفسي عما أذاقوه من عذاب كي يفقد عقله.لقد ابيض شعره تماما. ولم بعد ينطق كلمة واحدة.يصحو في الليل يرتجف ويبكي كطفل رضيع”.
ص116:”للمرة الأولى ألاحظ كم أن هذه السجادة تحوي غضبا وكرها.كما لو أن الأيدي التي صنعت هذه السجاجيد عقدت معا خيطان الغضب الأحمر مع خيطان الكراهية السوداء! أيدي نساء..أيدي أطفال”.
ص143:”لكن أحدا لم يلحظ دموعها.لم يسألها أحد: لم تبكين يا أماه؟.بكت أمي أكثر من أي وقت مضى. عادت بسرية كأن لا معنى لها.حتى أنها لم تستطع أن تقول لأحد: ولدي البكر،رجل البيت،مسافر الآن! ولم يجبها أحد:ليكن مكان مسافرك دائم الاخضرار!”.
* لا تقرأ هذه الرواية إذا كنت تهوى النهايات السعيدة أو المتفائلة.هذه الحكاية من الواقع..وهي واقعية جدا!
*أفغانستان..العراق..سورية..كل بلاد الله الجميلة..عليكم سلام!


قراءة في رواية: ظلّ الريح.


ظل الريح: كارلوس زافون.
حسنا،من الرائع أن كانت عودتي للقراءة الطويلة الثقيلة مع هذه الرواية. سأحاول تلخيص عرضي لها في نقاط:
أولا:الترجمة الرائعة. وكلمة رائعة لا تفي هذا المترجم الشاب حقه.تجدون سيرته الذاتية في نهاية الرواية. أتمنى أنه تلقى أجرا ماديا كافيا على هذا الجهد. أسعدني خلوّ الترجمة التي فاقت الخمسمئة صفحة من أخطاء النحو واللغة اللهم إلا بضعةً لم تصل إلى العشرة وأظنّها نتيجة السرعة. ما أصعب الترجمة الأدبية خصوصا حين تحوي الرواية كلمات شعبية ونكاتا وحسّ فكاهة ورمزية..وكانت هذه الرواية تحوي هذا كله. فشكرا عميقا للمترجم (معاوية عبد المجيد).
ثانيا: كانت الحبكة متوقعة وخالية من المفاجآت بالنسبة لي: ففي الصفحة مئة وعشرين تقريبا عرفت أن الشخص الذي يقوم بحرق الكتب هو الكاتب نفسه وإن كان السبب في ظني بداية يعود إلى عدم شهرتها فحقد على موهبته. ترابط الشخصيات بعد ذلك كانت متوقعا في كثير من مراحله أيضا.فإما إنني شخص فقد قدرته على التفاجؤ من كثرة ما شاهد في الحقيقة،وإما إنني صرت ملولا فعلا ولا أطيق التكرار. وأظنني كليهما معا.
ثالثا: العالم مكان قذر ومخيف وبغيض وظالم في كل بقعة منه: هذه خلاصة الرواية، وهي حقيقة فعلا.
رابعا: (من أفكار الرواية) يلجأ الناس للتدين الصوفي الزائف عندما تهجم عليهم المادية البحتة ويقعون في الذلّ بسبب ذلك النوع من التديّن الذي يجسّد المثل الشعبيّ (بمشي الحيط الحيط وبقول يا ربّي السترة) بدلا من إيجاد القوة على قول الحق والدفاع عن أنفسهم. أو يتحولون إلى وحوش: الرواية تمتد بأحداثها من أيام انتهاء الحكم الملكي في أسبانيا مرورا بالحرب الأهلية وانتهاء بالجمهورية. الأفكار الاشتراكية نفسها..أكاد أشم رائحة حزب البعث وسجن تدمر وصوت المساعد جميل بين الصفحات! لو اختلفت الأسماء فالعار واحد والقذارة واحدة والحقارة واحدة والذلّ واحد وطرق التعذيب واحدة ومصطلحات الكفر بالربّ واحدة وكأنها أنماطٌ شخصية يقومون باستنساخها في كلّ مكان وزمان!
خامسا: (من أفكار الرواية) الحب الحقيقي ينتهي بالزواج وتكوين أسرة: عرض الكاتب هذه الحقيقة على طول الصفحات. لا يوجد حبّ بلا التزام. والالتزام الحقيقي هو الزواج، وحبّ الآباء لأبنائهم هو أعظم حب. أشكره كثيرا على تأكيد هذه الحقيقة. أبكاني تذكّر دانيال ليتمه من جهة الأم في أكثر من موضع.لكن أبكاني أكثر عجزه عن التعبير لأبيه عن حبّه وكسر الحاجز إلا نادرا.
سادسا: (من أفكار الرواية) الخطيئة يغفرها الرب ولا يغفرها البشر بعقولهم القاصرة: البشر يحقدون ولهذا لا يغفرون. والله جلّ جلاله يغفر ويعلّمهم طريقة الغفران لإكمال الحياة بطريق طبيعيّ وسعيد ولكنّهم يرفضون، وكأنّهم ينصّبون أنفسهم آلهة فوق حكم الإله!
سابعا: (من أفكار الرواية) إن كنتَ تعتقد أنّك مكتئب أو تعِبٌ أن تعِس فهنالك دومًا من هو أشقى منك: وهذا الأشقى هو في الغالب شخصٌ لم يعرف كيف يستخدم عقله وضميره معًا. الدين درعٌ نفسيٌّ عظيم نسيء استخدامه في حياتنا طيلة الوقت. من وجد طريقه إلى الله كان أسعد الناس.
ثامنا: (من أفكار الرواية) أولئك الذين تحتقرهم لأنهم يسكرون ويرتادون أماكن مشبوهة، لديهم أسباب لذلك لا علاقة لها بالشرّ والطغيان، الطغاة هم الذين يحملون الأسلحة ويقتلون. أمّا من تقول عنهم (فاسقين) ومعربدين فأولئك ضائعون اشمئزّ منهم أمثالك (الفضلاء) فازداد ضياعهم وازداد إصرارهم على الفسوق. لا تتكبّر عليهم، فأنت لا تعرف ما الذي قد يفقدك عقلك أو إيمانك أو كليهما.
تاسعا: (من أفكار الرواية) اتبع أحلامك حتى لو بدتْ لك مستحيلة، طالما هي أحلام شريفة سامية. و… نعم، الروايات والكتابة الأدبية لا تطعم خبزا :) وقد تقتلك بمعنى الكلمة! صحيح أنّ الكتابة قد تفعل ذلك بك، لكنّ كلماتك ستعيش في روح شخص واحد آخر على الأقل، فأحسِن انتقاءها ولا تهدرها، وربّما فكّر أن تحرقها، وأن تبقي نسخة واحدة منها.
عاشرًا: الرواية مليئة بكلمات مخلّة بالأدب، مع أنّ المترجم قام مشكورا بوضع نقاط بدل بعض المفردات، لكنّ الرواية تتحدّث عن بيئة إسبانية في عام 1950 تقريبا، لكنّها موجودة في سورية مذ عرفتُها وحتى الآن. لذلك هذا تنويه فقط لمن تزعجه مثل هذه المفردات: إذا كنتَ قد قرأتَ نهاية رجل شجاع فيمكنك قراءة هذه.

اقتباسات من الرواية:
ص 39: قالتْ كلارا الكفيفة لدانيال:”لقد علّمني ذلك الكتاب أنّ القراءة تمنحني فرصة العيش بكثافة أكبر وأنني قادرة على الإبصار بفضلها”
ص 43: دانيال الطفل متحدّثا عن قلم فكتور هوغو:”وكنتُ في سرّي واثقا من أن تلك المعجزة قادرة على كتابة أيّ شيء، من رواية إلى موسوعة ورسائل ليست في حاجة إلى ساعي بريد. كنتُ بريئا إلى درجة الاعتقاد بأنّ أية رسالة تُكتب بذلك القلم سوف تصل إلى وجهتها لا محالة حتّى لو كانت الوجهة ذلك المكان البعيد حيث توجد أمّي مثلما يزعم والدي”.
ص46: حوار بين دانيال وأبيه عن أمّه المتوفّاة، يدلّ على إيمان أبيه الفطريّ رغم عدم مارسته لأيّ نوع من العبادات: * أنا أريد أن أكتب رسالة لأمّي كي لا تشعر بالوحدة!
يردّ والدي هادئ الأعصاب: “أمّك ليست وحدها يا دانيال، إنها برفقة الله وتعلم بأننا قريبان منها حتى لو لم نكن نراها”.
ص 63: “بمعنى آخر، كنتُ أكرهه بكلّ احترام، وكان شعور الاحتقار متبادلا”.
ص106: “لا رجل يفقه شيئا في النساء، بما فيهم فرويد. حتى النساء يجهلن أنفسهنّ. لكن الأمر يشبه الدارة الكهربائية: ما من داع لتصعقك حتى تفهم كيف تعمل!”
ص180: المعلّم يتكلّم:”يا إلهي إنّهم قردة! في الصف ليس عندي سوى القردة. داروين كان متوهّما، صدّقني، أيّ تطوّر وارتقاء يا رجل! لو استخدم المرء دماغه لكان عليه أن يحارب جيشا من القردة بمفرده.”
ص212: متحدّثا عن الحبّ: “انظر يا دانيال، إنّ الأمر يشبه اضطراب المعدة قليلا. يعطي تنبيها بالإعياء هنا، على رأس المعدة. هل كان شعورك أنكَ ابتلعت قرميدة أم بارتفاع الحرارة فقط؟”
“أميل إلى القرميدة!” :box:
“فالمسألة جدّيّة إذن! أعانك الله”.
ص257: متحدّثا عن نزاهة الكنيسة: ” إن لم يخنّي فرويد فهذا يعني أنّ الأب فرناندو أدخل هدفا في مرمانا”
* لكنّه بدا لي شخصا نزيها.
“ولي أيضا. لكنهم يوفدون الرهبان الصادقين في مهمات بعيدة حيث ينهشهم البعوض وأسماك البارانيا. لكن.. لو كان دجّالا لترقّى في الأسقفية، بدل أن يعطي دروس الحساب واللاتينية، ولكان له مكتب يليق بالكرادلة ومليء بسكاكر اللون لتحلية القهوة”.
ص336: وجدتُ والدي غافيا على الأريكة وكتابه المفضّل في حضنه، نظرتُ إليه: كان يتقدّم في السنّ وجلد وجنتيه يرتخي. في الماضي كان يبدو ذا عزم لا يلين، أما الآن فيبدو رجلا محطّما دون أن يعي ذلك. غطّيتُه بلحاف وقبّلتُ جبينه كي أحميه من الأفكار السيّئة التي تحاول إبعاده عنّي وعن ذكرياتي. كنتُ أودّ أن تخدع تلك القبلة الزمن وتجبره على التوقّف والعودة بنا إلى يوم آخر وإلى حياة أخرى.
ص 360: عندما حكى فيرمين لدانيال كيف عذّبه المحقّق بالأسيد الحارق وهو معلّق من قدميه ليدلي بأسماء رفاقه الضبّاط.
ص480: الأسطر الأخيرة من مذكّرة نوريا:نحن نستمرّ في الحياة في ذاكرة من يحبّنا. أشعر بأنّني أعرفك وأنّني أثق فيك، اذكرني دوما يا دانيال حتى لو في سرّك.. في إحدى زوايا قلبك. حافظ عليّ في قلبك إلى الأبد.

أتمنّى لكم وقتا ممتعا في صحبة الرواية.