قد مات ، فهل أنتم ميّتون ؟

لا بد أن أكتب عن هذا الموضوع، رغم الصداع الذي يدقّ رأسي من ساعات، لا أبد أن أكتب قبل أن يطير الكلام من مخي، أو يذهب وقته، وأعودَ لقراءته بعد فترة طويلة فأجده صار باهتاً بلا طعم، فأحذف التدوينة من سطح المكتب كما حذفتُ كثيرات غيرها لنفس الأسباب.
نعم، بعد عناء الجلوس لأكثر من ساعة بالاحتيال على وقتي والمراهقتين والصغير والزوج الذي ما زال مستمرّاً في عمله من البيت (لا بد لي من تكرار أسطوانة الخَنقة هذه في كل مناسبة سانحة)، أجد ما كتبتُه سخيفاً، ولا يصلح للتعديل ولا للنشر، فأحذفه ببساطة.
زرّ الحذف مميّز جدّاً، وهو بعكس الشائع، متاح في حياتنا الواقعية أيضا، بالتوبة عن العمل السيّء والاستغفار، والاعتذار لمن أسأنا لهم، والتراجع عن رأي يتبين لنا خطؤه. لكنها في الواقع ليست كبسة زر، لذلك يتثاقل عنها الكثيرون، إنها تحتاج قوة وعزيمة ومجهودا وجهادا، لقهر كِبَر النفس، وإرغام أنفها وأنف شيطانها والإقدام على ذلك العمل الذي يبدو بسيطا.

Continue reading

اللحظة السحرية

هنالك ذلك المشهد الخياليّ من فلم (Hook) أوّل فلم علق في ذهني من أيّام الطفولة من بطولة (روبن ويليامز)، عندما يجلس بيتر الجائع إلى المائدة وينظر بدهشة إلى الأطفال ويسألهم ماذا يأكلون؟! فالأطباق فارغة، يقولون له إنّهم يأكلون ما لذّ وطاب.. في الخيال. يصفون له النكهات والروائح حتى يسيل لعابه، ويتضوّر جوعاً أكثر فأكثر وهو ينظر إلى الهواء الذي يملأ كلّ طبق وكأس، ويفشل في التخيّل لأنّ مادّيّة حياة البالغين أفقدته أبسط قدرات الأطفال البريئة. رغم مرور الأعوام الكثيرة الطويلة، التي تبدو الآن عمر شخصٍ آخر، ما أزال أذكر اللحظة التي اندمج فيها بيتر في الجوّ واستعاد طفولته، لحظة واحدة كانتْ كالسحر، أظهرتْ من العدم أشهى الأطعمة أمام الأطفال الجائعين منذ دهور في (أرض المستحيل) التي غادرها بيتر الطفل ونسيها.
تلك اللحظة، كانتْ مزيجاً من الغضب، والغيظ الطفوليّ، والتحدّي، والرغبة القويّة التي لا يقف في وجهها شيء.

كانت عندي دائما تلك اللحظة السحرية، احتفظتُ بها طويلا مقاوِمة ًكلّ محاولات الأيام سحقَها وإخفاءها، حتى استهلكتُ كلّ دفاعاتي، وفقدتُها تماماً.. من عامٍ مضى. إذ مرّ حدثٌ نتجتْ عنه سلسلة من الأحداث كأحجار الدومينو، تساقطتْ كلّ أبنيتي داخلي تباعاً، ودُفنتُ داخلي تحت أنقاضها.

كانتْ لديّ تلك اللحظة السحرية، التي أقف فيها في الشارع فجأة، لأنّ رائحة مرّتْ ذكّرتني بتفاصيل مشهدٍ وزمنٍ سابق، وكنتُ أسمح لنفسي بالغرق في اللحظة.. ربّما البكاء، وكتابتِها ولو سريعاً، ثم بناء قصّة كاملة عنها. لكنّي لم أعد أفعل ذلك، أدفع نفسي وأنا أهتف بها (لا وقت)، رغم وجوده. صرتُ أتحاشاني، كما يتحاشى المدين دائنه! والمصيبة هي أنّي.. دائماً معي. فما أفعل بي؟!

في هذه الصورة، مررتُ بشارع خلف بيتي الذي أسكنه من سبع سنوات، في كلّ خريفٍ أقول لنفسي سأخرج وأقف وسطَ هذا الشارع الجانبيّ لألتقط صورة جميلة له، ولا أفعل.
في الحقيقة، فعلتُ ذلك أكثر من مرّة، لكنّ الصور -كهذه- لم تنقل ما أراه وما أحسّه، لذلك أحذفها في كلّ مرّة.
اليوم، كنتُ أمرّ صدفة بالسيّارة من هناك، فتمهلتُ وبيدٍ واحدةٍ ومن خلف زجاج النافذة الأماميّة، التقطتُ عدّة صور وأنا أقود باليد الأخرى، وهذه كانتْ أفضلها.
مجرّد شارع جانبيّ تتعانق أشجاره من الأعلى، شارع يوجد مئات غيره في هامبورغ، وكلّها لا أملّ تأمّلها والوقوف أمامها دهشة، في كلّ عام وفي كلّ خريف.
لكنّي لا أرى مجرّد شارع وأشجار، حسناً، أراه مليئا بجسور مشاة واطئة لا تسمح بعبور الشاحنات من تحتها، فقط السيارات الصغيرة والدرّاجات. عدد من الجسور الملوّنة، تتضمنّ بيوت لعبٍ صغيرة، وأراجيح قماشية معلّقة، وكراسي معدنيّة من تلك التي تبدو وكأنها خرجت من الزمن الغابر.
أراه شارعا هارباً من أرض المستحيل.. Neverland.

في طفولتي المبكرّة، في أقدم بيت تعيه ذاكرتي، كان هنالك ذلك الممرّ الطويل في قسم غرف النوم. كنتُ أركض من أوّله وأقفز في آخره، وأكرّر ذلك ثم أذهب لأنام.. فأرى في نومي أنّي بعد القفزة أطفو وكأنّي أسبح في الهواء، لا أطير. ذلك أنّي أخاف شعور الطيران، لكنّي أحبّ شعور الطفو والسباحة. كنتُ أصحو وأنا بكامل التصديق أنّ ذلك كان حقيقة.
في بيت خالتي التي كنتُ أقضي أكثر أيامي عندها مع ابنتها، كانت صورة الشلال الذي يغطّي الجدار كاملا بمثابة اللحظة السحرية. كنتُ بكامل تصديقي أنّ هنالك عالما يختفي داخل الصورة، وعليّ أن أجد طريقة لدخوله.
يمكنني حتى اللحظة بعد مضيّ أكثر من خمس وعشرين سنة، أن أشمّ رائحة النباتات في تلك الصورة، وأسمع هدير الشلال، وأحسّ رذاذ برودته على وجهي، وأرى الكهف الذي يخفيه.
لكنّي أشعر أني مثقلة بالقيود التي تمنعني من الطفو في الهواء، ومن القفز وراء الشلال. وأحاول، أحاول أن أنهض من تحت أنقاضي، وأنفض الغبار عنّي، وأعالج كسوري، وأرمّم أبنيتي.
أحاول أن أستعيد لحظتي السحرية، فأشعر أن ذهني يشبه البالون المثقوب، يصغر على مهل، حتى يصبح مهلهلا قبيحاً، لا يمكن استعادته.

يبدو أن روبن ويليامز، فقد لحظته السحرية عدّة مرّات، حتى قرّر أنه لا جدوى من المقاومة، وأنّه لن يمتلكها مجدّداً.

لم أخبر أحداً من أصدقائي أو معارفي بحادث بسيط، ذكّرني بانتحار روبن: في مدرسة بناتي الابتدائيّة، كان هنالك رجل يدعى (ماركو)، عمل لأكثر من عشرين سنة كمساعد للمعلّمين، كان ما يسمّى بالحاضن أو المربّي، وللأمانة،لم تكن بناتي وأطفال غيرهم يميلون إليه. في بداية هذا العام الدراسي، وصلتنا رسالة من إدارة المدرسة تقول إنّه قد توفّي، وقد خصّصت المدرسة في إحدى الغرف جداراً للذكرى له. قالت ابنتي لاحقا إنّ زملاء الصف سألوا المعلمة: كيف مات ماركو؟ قلتُ لسمية، قد يكون مرِضَ أو أصيب بالكورونا، فقد كانت الهجمة الثانية وقتها. لكنها فاجأتني بردّها: لا، المعلمة قالت إنه قتل نفسه! وقفتُ لحظة أحاول استيعاب ما قالتْ، وسألتها بحذر: هل تعرفين معنى ذلك؟. ردّت: نعم. قلت: هل تريدين أن تسألي شيئا عن ذلك؟ نظرت لي تفكر ثم قالت: مثل ماذا؟
الأطفال لا يدركون معنى الانتحار، أو ربّما بناتي لا يفعلن.

لم أفكر كثيرا في الأمر حينها، لكن لاحقا، وكلّما مشيتُ طريق المدرسة مع ابنتي، أفكّر أنه كان يمشي هذا الطريق عاما تلو العام، محمّلا بأفكاره ومخاوفه ومشاعره، وحيداً جدّاً رغم كثرة من يعرفهم، حتى قرّر أنّه لم يعد يقدر على حمل المزيد رغم أنه لم يجاوز الخمسينات من عمره.

لا أعرف كيف انتحر ماركو، لكنّ روبن ويليامز شنق نفسه. الأمر يتعدّى فقد القدرة على التحمّل، يحتاج شجاعة كبيرة للإقدام عليه، لاتخاذ قرار التخلّي. شجاعة كبيرة، وإحباطاً عظيماً، يتداخلان ليُنتجا سمّاً يقتل الروح، ولا تهمّ حياة الجسد بعدها.
قناعتي الشخصية، أنّ الإيمان بفكرة، هو المنجاة الوحيدة في هذه الحياة. لكن.. ماذا يحدث لو تزعزعت تلك الفكرة؟!

تقول الإحصاءات إنّ معدّل انتحار الرجال في العالم يفوق بضعف على الأقل معدّل انتحار النساء. ربّما وجود النساء على مقربة من أطفالهنّ وقتاً أطول يجعلهنّ أقوى بنقطتين: الأولى، قالتْها بعض الناجيات من الاكتئاب، وهي التفكير في أنّ أطفالها لا ذنب لهم لتتركهم وهي لا تعرف من سيعتني بهم من بعدها.
والثانية، إنّ الأطفال يحيطوننا بلحظاتهم السحريّة، ويمكنهم أن يجعلوا من اللاشيء.. كلّ شيء.

15.10.2021


كُتبت مع أغنية: Lost Boy


ستبكين كثيرا

(الكلام يصلح للأب أيضاً بكلّ ما فيه).

معنى الانتقال من حالة البنوّة إلى حالة الوالديّة، أن تضعي في اعتبارك أنّك ستبكين كثيراً. لا تقلقي بخصوص الأسباب، ستتوافر لديكِ بشكل غير مسبوق، ولكنّكِ طبعا ستجدين من يتّهمك بالمبالغة، أو ضعف الإيمان، أو ضعف الشخصية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية أو الهروب منها.. إلخ.

تبقين أنتِ البنت ولديك أمّ وأب قلقان عليكِ طيلة الوقت حتى بعد زواجك، بل إنّ هذا يزيدهم قلقاً ولا يريحهم لحظة..
ثمّ تحين تلك اللحظة التي تعرفين فيها أنّكِ ستصيرين أمّاً، يتحدّثون عن (فرحة) معرفة الخبر، لا أمّ أخرى تخبركِ بصدق أنّها بكتْ حين عرفتْ أنها حامل، أو ضاق صدرها ولم تتمكن من البكاء.
لماذا تبكي؟ هنالك الكثير من الأسباب، أوّلها أنّكِ ستتحملين مسؤولية كائن بريء سيكبر ليقول لكِ إنه لم يختر أن يأتي لهذه الحياة فلماذا أنجبتِه؟ أي والله كما أقول لكِ بالحرف سيقول.
ولو قلتِ إنّ الله قضى أن يخلقك وكنتَ ستُخلَق سواء كنتُ أمّك أم سواي، سيردّ ولماذا يخلقنا دون أن يسألنا؟ وهلمّ جرّا.
ستبكين ذعراً، ماذا لو فعلتِ شيئاً أضرّ بالجنين دون علمكِ؟ ثم ستبكين إرهاقاً وألماً كلما تقدّمت أيام الحمل بك.
بعدها تبكين بحرارة عند الولادة، ينظر إليكِ الجميع مبتسمين ويقولون: يا سلام على دموع الفرحة وقلب الأم! بينما أنتِ تعتبرينهم حمقى.. لأنّكِ تبكين معرفتكِ أنّه لم يعد بمقدروكِ حماية هذا الصغير أكثر طالما خرج من رحمك.. الآن هو معرّض لكلّ خطر من العالم الخارجيّ حرفيّاً.
تدخلين بعدها في اكتئاب النفاس الذي تقضينه في فترات بكاء قصيرة أو طويلة.
ثمّ -لو خرجتِ منه سريعاً ولم تستغرقي عاماً كاملا أو أكثر- ستجدين أنّكِ تبكين كلّما هدّكِ التعب، أو قضيتُ معه ليلة مرض، تبكين شعور الذنب: هل يا ترى فعلتُ حقا كلّ ما عليّ؟
يذهب أخيرا إلى الروضة، ثمّ إلى المدرسة، فتبكين الانفصال عنه، وتبكين قلقا عليه من كلّ شيء هناك.
وعندما يبدأ في المراهقة، ستبكين طيلة الوقت وأنتِ تفكّرين في أحزانه التي لا يعرف كيف يتعامل معها، وفي أوقاته وعمره وأيامه التي تضيع منه، وفي عقله وروحه اللذان يُستهلكان سريعا دون أن يفطن لهما.
لو فقدتِ أحد والديك أو كليهما، ستبكين على أطفالك أنّهم لن ينعموا بدلال بيت الجدّ بعد الآن.
ولو كنتِ تعيشين بعيدة عن أهلك، ستبكين أنّ أطفالك لم يعرفوا فرحة دخول الخال أو الخالة عليهم كلّ أسبوع.
ستبكين بحرارة عندما يقول لكِ ابنك المراهق أوّل مرة: أنا أكرهك. لم يقلها لكِ أحد من أبنائك؟ ثقي أنّهم قالوها في سرّهم في لحظة ما، لم يمنعهم من التصريح بها الخوف منكِ، بل شعورهم الداخليّ (بالإثم)، لكنّ مراهقين آخرين يقولونها في وجه الأهل.. يعلم الله ما هو شعورهم الداخلي. لكنّ بكاءك لن يكون حزناً على نفسك، أو (زعلا) من الكلمة ولا قهراً، بل بكاء خيبة: أين أخطأتُ؟ وكيف أتدارك ما فات؟

وحين يكبرون أكثر، ستبكين ضياعهم وحيرتهم في أمور الدنيا، واختياراتهم التي ترينها خاطئة: هل أعطيتهم حرية أكثر من اللازم؟ أم قيّدتها أكثر مما يجب؟
ثمّ ستبكين حرقةً وأنتِ تفكّرين في أمر دينهم لو رأيتِ منهم تقصيراً أو تفويتاً، وتدعين ألا يكون مصيرهم الشقاء، ألا يكونوا من المكتوبين في الضالّين.

وتستمرّ أسباب البكاء، ولن تتوقّف أو تنقطع. هذا ما لا يحكيه لكِ أحد، لأنّ المجتمع لا يهتمّ للصدق، ويعتبر الحقيقة تشاؤماً.

كلّ ما أستطيع قوله لكِ، إنّ البكاء سيكون رفيقك من لحظة خلقهم في رحمك/حياتك، وحتى لحظة وفاتك. كوني مستعدّة!

13.7.2021