وجع قلب

أشرقتْ الشمس بعض الوقت صباح اليوم، فخرجتُ لأرتبّ الحديقة التي أنهتكتْها وكسّرتْ فيها العواصف أشياء كثيرة. ثمّ أنهيت جمع أوراق الشجر المتراكمة أمام البيت من أشهر الخريف، ومالك جالسٌ في عربته يراقبني، حتى إذا انتهيت، وجدتُه يحاول النهوض، طالباً النزهة، فرِحاً بالطقس الهادئ. فأخذتُه للملعب القريب، ولم أكن ولا هو بملابس تصلح للعب بالرمل، فقرّرتُ أنها مجرّد تمشية.

كانت العاشرة صباحاً، والملعب الذي يتوسّط تجمّع بنايات سكنية، خاليا ولا صوت من حوله، فالجميع في أعمالهم والأطفال في مدارسهم، حتى قطع السكون صوت قافلة، أو عربة من شكل غريب، تشبه الحافلة اليدوية، تجمّع فيها سبعة أطفال في عمر الحضانة (عامان وأقلّ)، تدفع العربة مربّية ألمانية شابة، ومعها أخرى أظنها من نفس العمر. عرفتُ أنّ هذه (نزهة) من روضة قريبة، وهذا أمر معتاد، كنوع من تغيير الجو للأطفال، حتى لو كان ملعب الروضة كبيراً وجميلا.
بدأتْ المربيتان عملية (تفريغ) الأطفال من العربة، واحدة تحمل الطفل وتناوله للأخرى التي تنزله على الأرض، وهما تكرّران التعليمات على الأطفال. شعرت أنهما تفرغان أشوِلَة من الرمل من عربة بناء. ولاحظتُ الطفل رقم اثنين: كان ينتحب، بطريقة مالك حين يكون نحيبه يعني شيئا واحدا (بدّي ماما)، ولا يقبل أن يسكت مع أيّ شخص آخر. وكان الطفل أصغر حجما من أقرانه، فخمنت أنه أصغر عمرا أيضا. حملتْه المربية ووضعتْه أرضا كما أقرانه فجلس في الأرض، وتابعت هي مع زميلتها إدخال بقية الأطفال. ثمّ حملت الصغير الباكي واتجهت لتجلس على المقعد المجاور مع زميلتها.

انتشر الأطفال في الملعب، وكنتُ منتبهة بكلّي إلى نظرات ابني الذي راح يتأملهم بفرح وشغف، وهو يضحك لهم. لكنّ نحيب الصغير شتّت انتباهي، فتلفّتُّ أنظر، فوجدته في الأرض عند أقدام المربية، ينظر ويكمل نحيبه. وهنا قرّرتُ أن نزهتي انتهت. نهضتُ ودفعت ابني في عربته، وعندما بدأتُ أخطو مبتعدة وصوت البكاء يتردّد في عقلي، اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء أيضا.

أدركتُ وقتها أنّي لم أخلق للوظيفة خارج البيت، ولا وظيفة المعلمة ولا المربية، فحتى حين درّستُ المراهقين، كنتُ أشعر برغبة عارمة في ضمّهم إليّ، لما أجد من التماع عيونهم برغبة البكاء حين يتكلون عن أهلهم أحيانا، أو المعلمين أحايين أخرى. وأما الصغار، فأذكر منظر الأطفال في الحضانة حين كنتُ أوصل سمية إلى الروضة، كيف يقفون وراء الزجاج، بعضهم يبكي، وبعضهم يدقّ وبعضهم يصرخ، كأنهم في معتقل!

حمدتُ الله أني لم أضطرّ لمفارقة أبنائي في هذا العمر، وفكّرتُ: ما الذي ستخسره الحكومة الألمانية لو جعلتْ راتب الأمومة يغطّي عامين بدلا من عام واحد من عمر الطفل؟
وراتب الأمومة أو الأبوّة، هو مبلغ يتم دفعه للشخص الذي يبقى في البيت بلا عمل لرعاية الطفل الرضيع حتى يكمل عامه الأول، فيمكن عندها أن تستقبله الحضانة. ويتم تقدير المبلغ باحتساب نسبة من مرتّب الأهل الشهري، أما لو كان الراعي بلا وظيفة، فيمنح مبلغا بسيطا، يعتبر كإعانة على متطلبات الحياة. وهذا يختلف عن المرتب الذي يتم دفعه للطفل نفسه، لتغطية احتياجاته الشخصية. بالإضافة إلى ضمان بقاء مكان الأمّ أو الأبّ الوظيفيّ، بمعنى أنّه يستردّ وظيفته نفسها بعد انتهاء فترة العام.
يا ترى.. كم من الأمهات ستختار أن تبقى عاما ثانيا مع طفلها بلا عمل، لو توفّر لها مصروف يكفيها؟
ولماذا لا تضع الحكومة هذا الاختيار، بدلا من التكاليف التي تدفعها للحضانات، ورواتب المربيات، وتحمّل الإضرابات التي تصل إلى ثلاث أو اربع في العام الواحد، مطالبة بزيادة الأجور؟!

Continue reading

ستبكين كثيرا

(الكلام يصلح للأب أيضاً بكلّ ما فيه).

معنى الانتقال من حالة البنوّة إلى حالة الوالديّة، أن تضعي في اعتبارك أنّك ستبكين كثيراً. لا تقلقي بخصوص الأسباب، ستتوافر لديكِ بشكل غير مسبوق، ولكنّكِ طبعا ستجدين من يتّهمك بالمبالغة، أو ضعف الإيمان، أو ضعف الشخصية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية أو الهروب منها.. إلخ.

تبقين أنتِ البنت ولديك أمّ وأب قلقان عليكِ طيلة الوقت حتى بعد زواجك، بل إنّ هذا يزيدهم قلقاً ولا يريحهم لحظة..
ثمّ تحين تلك اللحظة التي تعرفين فيها أنّكِ ستصيرين أمّاً، يتحدّثون عن (فرحة) معرفة الخبر، لا أمّ أخرى تخبركِ بصدق أنّها بكتْ حين عرفتْ أنها حامل، أو ضاق صدرها ولم تتمكن من البكاء.
لماذا تبكي؟ هنالك الكثير من الأسباب، أوّلها أنّكِ ستتحملين مسؤولية كائن بريء سيكبر ليقول لكِ إنه لم يختر أن يأتي لهذه الحياة فلماذا أنجبتِه؟ أي والله كما أقول لكِ بالحرف سيقول.
ولو قلتِ إنّ الله قضى أن يخلقك وكنتَ ستُخلَق سواء كنتُ أمّك أم سواي، سيردّ ولماذا يخلقنا دون أن يسألنا؟ وهلمّ جرّا.
ستبكين ذعراً، ماذا لو فعلتِ شيئاً أضرّ بالجنين دون علمكِ؟ ثم ستبكين إرهاقاً وألماً كلما تقدّمت أيام الحمل بك.
بعدها تبكين بحرارة عند الولادة، ينظر إليكِ الجميع مبتسمين ويقولون: يا سلام على دموع الفرحة وقلب الأم! بينما أنتِ تعتبرينهم حمقى.. لأنّكِ تبكين معرفتكِ أنّه لم يعد بمقدروكِ حماية هذا الصغير أكثر طالما خرج من رحمك.. الآن هو معرّض لكلّ خطر من العالم الخارجيّ حرفيّاً.
تدخلين بعدها في اكتئاب النفاس الذي تقضينه في فترات بكاء قصيرة أو طويلة.
ثمّ -لو خرجتِ منه سريعاً ولم تستغرقي عاماً كاملا أو أكثر- ستجدين أنّكِ تبكين كلّما هدّكِ التعب، أو قضيتُ معه ليلة مرض، تبكين شعور الذنب: هل يا ترى فعلتُ حقا كلّ ما عليّ؟
يذهب أخيرا إلى الروضة، ثمّ إلى المدرسة، فتبكين الانفصال عنه، وتبكين قلقا عليه من كلّ شيء هناك.
وعندما يبدأ في المراهقة، ستبكين طيلة الوقت وأنتِ تفكّرين في أحزانه التي لا يعرف كيف يتعامل معها، وفي أوقاته وعمره وأيامه التي تضيع منه، وفي عقله وروحه اللذان يُستهلكان سريعا دون أن يفطن لهما.
لو فقدتِ أحد والديك أو كليهما، ستبكين على أطفالك أنّهم لن ينعموا بدلال بيت الجدّ بعد الآن.
ولو كنتِ تعيشين بعيدة عن أهلك، ستبكين أنّ أطفالك لم يعرفوا فرحة دخول الخال أو الخالة عليهم كلّ أسبوع.
ستبكين بحرارة عندما يقول لكِ ابنك المراهق أوّل مرة: أنا أكرهك. لم يقلها لكِ أحد من أبنائك؟ ثقي أنّهم قالوها في سرّهم في لحظة ما، لم يمنعهم من التصريح بها الخوف منكِ، بل شعورهم الداخليّ (بالإثم)، لكنّ مراهقين آخرين يقولونها في وجه الأهل.. يعلم الله ما هو شعورهم الداخلي. لكنّ بكاءك لن يكون حزناً على نفسك، أو (زعلا) من الكلمة ولا قهراً، بل بكاء خيبة: أين أخطأتُ؟ وكيف أتدارك ما فات؟

وحين يكبرون أكثر، ستبكين ضياعهم وحيرتهم في أمور الدنيا، واختياراتهم التي ترينها خاطئة: هل أعطيتهم حرية أكثر من اللازم؟ أم قيّدتها أكثر مما يجب؟
ثمّ ستبكين حرقةً وأنتِ تفكّرين في أمر دينهم لو رأيتِ منهم تقصيراً أو تفويتاً، وتدعين ألا يكون مصيرهم الشقاء، ألا يكونوا من المكتوبين في الضالّين.

وتستمرّ أسباب البكاء، ولن تتوقّف أو تنقطع. هذا ما لا يحكيه لكِ أحد، لأنّ المجتمع لا يهتمّ للصدق، ويعتبر الحقيقة تشاؤماً.

كلّ ما أستطيع قوله لكِ، إنّ البكاء سيكون رفيقك من لحظة خلقهم في رحمك/حياتك، وحتى لحظة وفاتك. كوني مستعدّة!

13.7.2021