ما برد الشاي

لا قيمة للساعات ولا التواريخ هنا، نحن في ذلك الجزء من العالم الذي نحسب فيه الزمن بالقذائف والصواريخ، وعدد المرّات التي نندفع فيها لنلبّي صافرة النجدة.
الرزنامة عبارة عن جداريّة موت: يوم الهجوم، يوم قصفٍ لم يتوقّف، يوم بناياتٍ عدّة سقطت دفعة واحدة، يوم أخرجتُ هذا الصغير بعد أربع ساعات من المحاولة، يوم انتشلنا خمسةً وعشرين شهيداً.. ولا ينتهي الإحصاء القاتل.

وصلتُ البيتَ أخيراً، دخلتُ، سلّمتُ، توضّأت، صلّيت، وجلست. ركضتْ إليّ الصغيرة وقد أطلقتْ أمّها سراحها أخيراً: شوي شوي على بابا.
حاولتُ أن أحضنها وهي تحاول أن تتسلّقني، مرّة من خلف ظهري فتنقلب في حجري وهي تضحك وتكركر، ومرّة تتعلّق بقميصي من أمامٍ وتدوس بقدمها الصغيرة في صدري، فتزلق وتقع على رجلي وتكرّ بالضحك مرّة أخرى حتى أضحك: اللهم صلّ عالنبي..
تردّ أمّها من المطبخ الصغير:
* هلكتني كلّ النهار الله يحميها، ما في غير تركض وتنكش خواتها، ما قدرنا نقرأ ولا حرف اليوم.
– لسّه عم تحاولي معهم؟ الله يعطيك العافية..
* إي طبعاً، بيلتهوا عن الأصوات والرعبات، وبيرجعوا شوي للوضع الطبيعي.

يرجعوا للوضع الطبيعي؟ وهل عرفنَه قبلا ليرجعن إليه؟! لقد وُلدن ثلاثتهنّ في هذا الوضع، في زمنٍ يُكتب بالدمّ على رزنامة الموت.

“باباااااا”
اندفعتْ الوسطى ترمي بنفسها عليّ: أثقل من ريشة (أختها الأصغر) ، وأخفّ من فراشة (أختها الأكبر). هكذا كنتُ أصفها دائماً.
تسأل بلهفة: – اليوم كم مرّة طلعتوا؟ لا تقول.. أنا.. أنا بقول..
تعدّ على أصابعها الصغيرة، كم مرّة سمعتْ صافرة النجدة، وكم مرّة حلّقت طائرة القصف، لتعرف كم مرّة خرجتُ اليوم لأنقذ أطفالا مثلها!
يا الله كيف تبسّط براءةُ الأطفالِ كلّ الأشياء المعقّدة، إلى بُعدين فقط: سعادة أو حزن، خسارة أو ربح. بالنسبة لها، وبميزانها الطفولي البسيط، إذا زاد العدد فهو ربح! هذا يعني أنّي (بطل)، لأنّي عملتُ كثيراً في هذا اليوم. ولكنّ هذا النوع من العمل ربحهُ خسارة! هي فقط لا تعرف.. ولا أريدها أن تعرف.

* إي يلا انتِ عدّي.. وأبتسم لها.

تجلس الكبيرة قربي بهدوئها، أضمّها إليّ وأقبّلها، تبتسم ولا تنطق. لم تنطق منذ عامين، توقّفت فجأة عن الكلام ذات يوم، صارتْ تحادثنا بالابتسامة والدمع فقط.

حضرتْ المائدة البسيطة، باسم الله. كنتُ آكل منتبهاً إلى كلّ واحدة: زوجتي التي لم ترفع إلى فمها سوى لقمتين، وهي تحاول إطعام الصغيرتين، بينما الكبرى ما زالتْ قربي تضع اللقمة وتسرح فيها زمناً.
همستُ لها: – مالك جوعانة؟ ليكون أكلتِ قبل ما أجي..
تبتسم، أدغدغها من خاصرتها فتضحك بلا صوت، تحتجّ أمّها: هلأ بتتشردق..
أنظر إليها: وانتِ ليش ما عبتاكلي؟
تنظر إليّ بطرف عينها بدلال:
عم بشوف رح تحسّ ولا لا!
أبتسم لها وأضحك في سرّي، معجزةٌ هي قدرتُها على استدعاء (دلال النساء) في وقتٍ كهذا! ولكنّي أدرك أنّه الوقت الوحيد الذي لدينا، وهذا هو عمرنا حقّاً، فمتى ستفعل هذا إن لم يكن الآن؟!

أتعمّد لفّ قطعة كبيرة من الخبز أعرف أنّ فمها لن يسعها، وأنتظر أن تفتحه فأدسّها على عجل، ترمقني بنظرة غضبى وقد انتفخ خدّاها، تضحك البنات حتى تدمع عيونهنّ. تبتلع اللقمة أخيراً وتتنهّد:
العشا كلّه بلقمة واحدة! هي اسمها اللقمة الخارقة!

أخيراً وصلتْ البنات للفراش، تغمزني أمّهن باتجاه الكبرى: روح احكي معها، صرلها فترة عم تتأخّر كتير بالنوم، وبتقوم بتدوّر عليك.
أذهب إلى فراشهنّ الممدود على الأرض وسط الغرفة قرب الباب بعيداً عن النوافذ والجدران، أستلقي قربها على جنبي، تستدير إليّ، أنظر في عينيها وأنا أفكّر ماذا سأقول لها؟! أجد أنّ التفكير يزيد الأمر صعوبة، فأقرّر أن أتكلّم: – قال ماما صايرة عم تسهري..
لا ردّ.
– ليكون عم تشربيلي شاياتي..
تبتسم وترفع حاجبيها أنْ (لا).
– ما عم تقدري تنامي؟
تومي أن (نعم).
– بتعرفي، أنا كمان بجي تعبان كتير، بس ما بقدر أنام، بتعرفي اش بعمل؟
تفتح عينيها بفضول.
– بتذكّر كل شي عملتُه معكن بالنهار، كلّ الألعاب اللي لعبناهن سوا، وبفكّر أي لعبة عجبتكن أكتر مشان ألعبها معكن أكتر.
نظرتْ إليّ غير مقتنعة، ولم أعرف ما أقول زيادة. فتنهّدتُ ومسحتُ على رأسها وقبّلتُها، فتعلّقتْ بقميصي. ضممتُها حتّى غفتْ.

* تشرب شاي؟
– يعني ما بدّك تخلّيني نام؟
تبتسم: * التعبان بنام اش ما شرب.
وتُحضِر الشاي وتجلس قربي.
– عاملتيه وبعدين عبتسألي؟
تضحك: * المنيحة ما بدها مشورة.
أصبّ لها ولي.
تسألني: * بدّك سكّر؟
– ليش في سكّر؟
تغمزني: * في إصبعتي.
أضحك: – إي حطّيها لكان..
تضحك: * بس يبرد بحطها.

تقلب رزنامة الموت صفحاتها.
وتنطلق الصافرات ونركض من جديد.

– شيله شيله..
هون لسه في واحد..

تتعالى الصيحات وصرخات الاستنجاد، ونحن نهرع من مكان لآخر، لنفاجأ بالدويّ الهائل من خلفنا، قرب مركز انطلاقنا!
ليس غريباً علينا استهداف المسعفين المباشر، رجع فريقٌ منّا باتّجاه المركز، لكنّنا وكلّما اقتربنا، بدأتُ أدرك أنّ القذيفة لم تكن إلا قرب بيتي.

تذكّرتُ تلك الليلة، لمّا فكّرتُ ما أقول لابنتي فتعقّد الكلام في عقلي، وقلتُ ما خطر ببالي. قفزتُ من السيّارة، وقرّرتُ الا أفكّر، واندفعتُ لأقوم بواجبي الذي كنتُ أقوم به على مدى سنوات، فتلّقاني زميلي يرجعني:
*مالك شغل هون خيي..
– شلون يعني؟
* يعني ارجع لورا..
أجمد لحظة ثم أدفعه فيمسكني محاولا جرّي للوراء، يتحوّل كلّ ما بي إلى طاقة غضبٍ هائلة، أنتزع نفسي من بين يديه، يصيح ببقيّة الرفاق: * لا تخلّوه يقرّب!
ينتبهون لي، ويقفون متأهّبين، الآن صار الأمر أكيداً.. أتوقّف عن مدافعتهم. وأنتحي جانباً، أراقبهم..
يا الله.. ما أسرع ما خرجن! وكأنّهنْ كنّ على عتبة البيت، راكضاتٍ إلى السماء!

انتبهتُ للعدد حين اكتمل ثلاثٍ صغيرات، صحتُ بهم: ارجعوا لورا! ما بطالعها غيري!
نظروا لي ولبعضهم ثوانٍ لم تطل، وتراجعوا.. لن يجرؤوا على مسّها وأنا هنا.

أراهم من خلفي بعين عقلي، يفرشون ملاءة، ويحملون كلّ واحدةٍ منهنّ، يرقدونها بعناية، يمسحون على رأسها، ويغطّونها مع أخواتها بملاءة أخرى، في فراشٍ واحدٍ نمنَ طيلة أعوام، ولم يحتملن الفراق في الفراش الأخير!
أحمل قطع القرميد، أرميها، دمعي يسحّ دون توقّف، ويداي تنبشان الخراب.. حتّى وجدتُها.
صحتُ بهم، فناولوني ملاءة كبيرة،

“- ليش في سكّر؟
تغمزني: * في اصبعتي.”

الآن بدأتُ أبكي وأنا أسحبها وأغطّي ما انكشف منها،

“- إي حطّيها لكان..”

ألفّها وأحملها، يبتعدون، والعالم كلّه صامت من حولي، إلا من بكاءٍ أظنّه بكائي، لكنّهم جميعا يبكون!
أرقدها على الأرض جوارهنّ..

” تضحك: * بس يبرد بحطها.”

وما برد الشاي، ولا برد قلبي!

– إلى بطل الدفاع المدني الذي استشهدت زوجته وبناته الثلاث، في القصف الأخير على ريف إدلب/سورية.
4.1.2020


كبّ الزبالة وانت طالع

منذ شهرين تقريبا، أرى جارتي الألمانيةّ الستّينيّة التي تكبر زوجها ببضعة أعوام، تصحبه لجلسة العلاج الفيزيائي بشكل يوميّ وقت الظهيرة. متزوّجان منذ عقدين ربّما، ولم ينجبا.
بدأت الحكاية في أكتوبر العام الماضي عندما فوجئنا بسيارة إسعاف تقف أمام المنزل، وعرفنا أنّ الجار أصيب بأزمة قلبية. بمرور الأيام، انتبهتُ أنّي لم أعد أراه صباحا وقت خروجه للعمل الذي يصادف خروجي مع البنات إلى المدرسة، وبعدها رأيتُ زوجته وهي تمشي قرب البيت فاستوقفتُها وسألتُها، وعرفتُ منها أنّها الأزمة القلبية الثانية التي يتعرّض لها، وأنّ الأولى كانت قبل عام مضى، وأنّه باق في المشفى الآن تحت المراقبة لإجراء عملية تبديل صمّام القلب له. سالتُها عن موعد عودته المتوقّع فقالتْ: آمل أن يكون في عطلة رأس السنة. تمنّيتُ له الشفاء العاجل، وقلتُ لها ألا تتردّد في طلب أيّ شيء إن احتاجتْ إلى مساعدة أو حتى رفقة مسلية. بالطبع كان هذا أقصى عرض يمكن أن أقدّمه، فالألمان عموما رسميّون جدا في تعاملاتهم، والودّ الزائد من الجارة المحجّبة مخيف. مرّ رأس السنة ولم يعد الجار للبيت، سألتُها مرّة أخرى عن أخباره، فقالتْ ربّما يعود عند إجازة الفصح. أخبرتُ زوجي أن يسأل عنه أيضا بالتفصيل إذا صادفها، وبالفعل.. عرف منها أنّ العملية نجحت ولكن من مضاعفاتها أنّه تعرّض لجلطة أثّرتْ على وظائف الدماغ، بالتالي تأثّر نظره وحركة أطرافه وكلامه، ويحتاج تأهيلا ليغادر المصحّة. مرّت الأسابيع وفي الصيف عاد الزوج إلى البيت، يمشي مستنداً إلى تلك العربة ذات العجلات، ويتحرّك ببطء شديد، لكنّه كان بكامل وعيه، وكان يتكلّم بمنطق سليم، حتّى إنه استلم مرّة طرداً بريدياً لي أثناء غيابي عن البيت، وحين ذهبتُ لأخذ الطرد، كانتْ فرصة لأراه وأسلّم عليه، وأعرف أنّه تحسّن كثيرا.

نأتي الآن للمفيد: كانت للزوج وظيفة ممتازة وللزوجة كذلك، وكلّ منهما لديه سيّارته الخاصّة. عندما طالتْ غيبة الزوج في المشفى، باعتْ الزوجة سيّارتها لأنّها أدركتْ أنّه لن يعود للوظيفة ولا القيادة لفترة طويلة -ربما بقية حياته-، وأبقتْ على سيّارته رغم أنها أكبر وصعبة القيادة بالنسبة لها. ثمّ تكلّمت مع إدارة العمل وسمحوا لها بالعمل من البيت لترعى زوجها. خلال أيام الأسبوع، لا أراها تخرج إلا لأخذه لجلسة العلاج اليومية، وليس لديهم زوّار. تبقى معه طيلة الوقت في البيت، وكذلك الأمر لا يتغيّر في نهاية الأسبوع. خرجتْ مرّة أو مرّتين لتكنس ورق الخريف وتجمعه، وبعد ذلك، كنّا نتناوب أنا وجارتنا في الطرف الآخر على كنس الممرّ أمام بيتها.
حتى حديقة البيت الخلفية، صارتْ مهملة تماما، لأنّها كانتْ تعتمد على زوجها لتنظيفها والعمل فيها. النوافذ معظم الوقت مغلقة، ورغم ذلك، حين أراهما صدفة خارجين، وأسلّم، تكون ابتسامتهما مشعّة. أعتقد أنّها تحلق له لحيته كلّ يوم، لأنّه لا يستطيع ذلك الآن بسبب ارتجاف يديه. شعره وهندامه دائماً مرتّبين، وحين يخرج من البيت ليركب السيّارة، قد يستغرق الأمر أحيانا عشر دقائق كاملة، لكن لم أرَ أو أسمع منها أيّ شيء يدلّ على العصبية أو نفاد الصبر. باختصار.. أرى زوجين سعيدين، يتصرّفان بتلقائيّة وصبر مع الوضع الذي فُرِض عليهما، ولا يهتمّان لشيء طالما هما معاً. هذه الجارة ليستْ متديّنة بأيّ دين، ولا أعرف إن كانتْ تؤمن بالإله.

خلصتْ النسخة الأجنبية؟ نقلب القناة الآن إلى البرنامج العربي.. تفضّلوا!

نموذج أعرفه عن قرب، أكثر مما أعرف جارتي، الزوج صار في الثمانين، والزوجة في أوّل السبعين، مسلمين، ومظاهر الالتزام واضحة. ورغم طول معرفتي بهما، لم أسمع الزوجة قالت يوما كلمة طيبة عن زوجها، لا بحضوره ولا غيبته، ولا يهمّها من الذي يسمع، وكيف يفهم. تعيش دور الضحيّة طيلة الوقت، حتّى عندما يكون هو المصاب! فمثلا، لو وقع له حادث، تأتي لتطمئنّ عليه وهي تلومه بأنّه محبّ للمشاكل ويتصرّف كالمراهقين، وتبدأ في تقريعه حتى يوبّخها ويسمعها كلاما جارحا فتبدأ في ندب حظها الذي أوقعها مع زوج مثله! أو يمرض، ويذهب للمشفى، فتقضي وقتها وهي تحاول التملّص من زيارته، ولا تحتمل الجلوس جواره أكثر من عشر دقائق، ولو استنكر أحدهم ذلك عليها، بدأتْ في التعلّل: تصيبني الدوخة من رائحة المشافي، أكره جو المرض.. إلخ. فإن قيل لها: وهل مرض بكيفه؟ اجلسي معه سلّيه وسرّي عنه. فتصيح: هو أصلا لا يتكلم معي وليس بحاجتي، يضع الهاتف في أذنه وفي يده ويتكلم طيلة الوقت.
مهما حاولتَ معها، فإنها تملك حجّة تردّ بها. لكنّ العكس لا يحدث. هو يقلق عليها طيلة الوقت، ويتّصل بأبنائه ليقول لهم هاتوا لأمكم كذا، أو اتصلوا بها لأنها مريضة اليوم. وهي لا تفعل ذلك أبدا! المهم هي فقط، إنها مركز كونه، وهو سبب مأساة حياتها التي لا أعرف ما هي! فهي لا تعاني من أيّ مرض خطير ولا مستديم، بينما هو لديه بضع إصابات جسدية يفترض بها أن تعيق حركته، لكنه يقاومها. لم تكوِ له قميصا، ولم تعدّ له طبقاً بالطريقة التي يحبّها، ولم تشترِ له شيئا لأنها تذكّرت أنّه يشتهيه. أبدا، لم تقل له يوما: الله يرزقك! الله يسلّم إيديك! والحجّة الحاضرة دائماً: أنّه عدوّ الكلمة الطيبة وعدوّ الجمال.

هذا نموذج، وذلك نموذج. وبينهما يحضرني الحديث الشريف: “يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ” رواه البخاري.
والحقّ يُقال، لم أكن أقف عند فكرة (كفر العشير) هذه كثيرا، حتى استجدّتْ أشياء قبل بضعة أشهر، جعلتْني أعيد النظر والتفكير: علاقة جارتي بزوجها، علاقة هذه المرأة بزوجها، وعلاقة بعض الأقارب الذين مررتُ بهم في الصيف بأزواجهم. كلّ هذه مجتمعة جعلتْني أقف وأفكّر: كيف يحدث هذا الكفر؟، ” لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطّ”، ولكنّها ليستْ الطريقة الوحيدة، فالكثيرات لا يقلن هذا، ولكن..
أليس التشنيع على الزوج من كفر العِشرة؟ أليس البخل بالشكر، والدعاء له من كفر العشرة؟، لا علاقة لهذا للنقاش في قضيّة معيّنة، أو حالة من الزعل أو شعور عابر بالإرهاق أو الضيق، أو التنازل عن الحقوق أو أداء الواجبات، هذه ليستْ (العِشرة). تصليح الباب المكسور منذ عام، والجوارب الوسخة التي تجلس في أفضل مكان في غرفة الجلوس، والطعام الذي يبقى على المائدة لليوم التالي لو كنتِ متعبة وذهبتِ للنوم قبله، والغسيل الذي يتراكم ولا يفكّر يوماً أن يغسله بدلا منكِ لو كنتِ متعبة، والقمامة التي بقيتْ وراء الباب ولم يُخرجها، هذا ليس سوء عِشرة منه، بل هو سوء تصرّف منكِ لأنّكِ لم تطلبي ذلك بوضوح وأسلوب جيّد.
عشرته لك أنّه يذهب لتحصيل المال كلّ يوم، قلتُ لزوجي: لا أعرف فعلا كيف تطيق عملك، لو أنّي سأرى نفس الأشخاص لثماني ساعات يوميّا طيلة أعوام، لجننت! لو أنّي سأجلس على الكرسي أربع ساعات متواصلة أتحادث مع الحاسوب لطقّ عقلي حرفيا!. اليس هذا مجهودا يستحقّ الشكر عليه؟ يستحقّ أن يجد لو مرّة في الأسبوع، وجبة يحبّها دون أن يطلبها؟ قمصانا مكويّة لأنّك لا تقبلين أن يخرج بمظهر رديء؟ حذاءً نظيفاً؟ معطفاً معطّرا بدلا من الروائح المختلفة التي تفوح منه؟. ألا يستحقّ كلمة: يعطيك العافية، عند رجوعكم من مشوار ولو كان هذا مشوار تسوّق أغراض البيت؟ أنا أقود السيارة منذ عام ونصف، وأعرف أنّ القيادة أمر مزعج وخالٍ من المتعة، خصوصا إن كان مشوارا ضروريا، سأحبّ أن يشكرني أبنائي على توصيلهم، ولن يتعلّموا ذلك إذا لم أفعل ذلك مع أبيهم.
ألا يستحق هذا الرجل تذكّره بكلمة، أو صورة، أو تسجيلٍ صوتيّ على الواتس أب، تسألينه فيه عن أخباره مع (الملل) أثناء الدوام؟ نكتة ما؟ سؤال عن صداعه هل زال أم لا؟
لا شيء من هذه الأعمال يذهب بلا معنى، لأنّ الرجل الحقيقيّ، يردّ لكِ الجميل فورا. تتذكّرينه بمكالمة، فيأتي في اليوم نفسه وقد أحضر لكِ شيئا يعرف أنّكِ تحبّينه. لا علاقة لهذا بالباب المكسور منذ عام، فلا تخلطي الأمور ببعضها.

قبل أن تلوميه وتشنّعي عليه، تذكّري:
أوّلا، هذا الرجل الذي تصنعينه أنتِ بتعاملكِ اليوم، هو الذي سيبقى معكِ ثلاثين أو أربعين عاماً قادمة.
ثانيا، الحقوق والواجبات معروفة ويمكن التفاهم عليها بوضوح، ولا علاقة لها بأفعال الوِدّ والبرّ والمحبّة.
ثالثا، وأخيرا.. إذا كانت الابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، على الغرباء، ولم نسمع عن إحسان وُضع لكريم فردّه بإساءة، فكيف بأجر هذه الصدقة على زوجك؟ وهل تزوّجتِ لئيماً؟


أمّ البنات

جالسة في المطعم مع عائلتي، انتبه إليّ مجاهد وأنا أنظر إلى زاوية ِبعيدة خلفه وأبتسم. التفتَ إلى الوراء محاولا رؤية ما أرى، قلتُ له موضّحة:
يا الله.. هالأمّ القاعدة هناك بتحسّ الهمّ راكبها.. جاي عالمطعم في حضنها ولد، وجنبها بنت وولد أعمارهم متقاربة حوالي خمس سنوات، ولسه في ولدين عم يحيصوا أعمارهم شي سبع وثمان سنوات! وصرلها تقريبا ساعة صفنانة بهالصحون.. ما بلومها، أكيد فاقدة الشهية!
ابتسم زوجي، بينما علّقتْ صفية محتجّة على الضوضاء:
إي، وكتير الأولاد عبيعملوا اصوات، وكل شوي بيبكوا!
ابتسمنا لها معا، وقال أبوها:
حبيبتي لا تشوفي حالك هلق كبرتِ، كمان انتو كنتوا تعملوا كتير مشاكل واصوات وتبكوا وقت نطلع معكم لمكان عام أو مطعم..
تابعتُ أنا مازحة: وما زلتوا.. شوفي شلون كلنا محتاسين بطبق الأضلاع المشوية اللي إنتِ طلبتيه..
وضحكنا.
بعدما انتهينا وبانتظار الفاتورة، نهضتُ مع سمية إلى تلك الزاوية حيث الأمّ (المهمومة)، لأقترب من ماكينة اللعبة الموجودة هناك، وبينما أنا واقفة أتشاور مع سمية هل سنلعب أم لا، وأفتّش عن قطع معدنية في حقيبتي، وأبناء تلك الأمّ واقفون قربي يحدّقون في وجهي كأنّي مخلوق فضائيّ، فأبتسم لهم، سمعتُ من خلفي (هالو) عالية، التفتُّ فإذا صديقتي (سلمى) وابتسامتُها!

كانت سلمى تجلس مع تلك الأمّ (المهمومة) إلى نفس الطاولة، ولكني لم أعرفها لأنّ ظهرها كان مختفيّا خلف حاجز خشبيّ. وسلمى صديقة أفغانية هزارية، تعرّفت إليها في دورة اللغة الألمانية التي حضرتها أوّل وصولي لألمانيا! أي أعرفها من عشر سنوات وأكثر. ذكية، درستْ للصف التاسع في إيران، ثم منعها الأهل عن إتمام دراستها بحجّة أنّها تعلّمت كفاية، وتزوّجت في الثامنة عشرة من أفغاني مقيم هنا، يعمل سائق تاكسي. كانت لديها طموحات لمتابعة تعليمها، تلك الطموحات انتهت مع حملها بابنتها الأولى.
في دورة اللغة، كنا نتبادل إيضاح القواعد الألمانية لبعضنا البعض باللغة العربية والفارسية معا، إذ كان ذكاؤها وقُربها من عهد المدرسة كافيين لتميّز القواعد والأحرف العربية وتقرّبها إلى تلك الفارسية، ونتبادل الشرح والفهم.
بعد انتهاء دورة اللغة، ولدتُ أنا صفية، وولدت هي ابنتها (سمَن)، وذهبتا لنفس الروضة، ثمّ جاءتنا (سمية)، وجاءتهم (سارة)، وذهبتا مدّة لنفس الروضة أيضا، حتى انتقلوا لمنزل آخر، ولم نتوقّف عن رؤية بعضنا -بالصدفة غالبا- في منطقتنا ذات الأغلبية المسلمة. قبل ثلاث سنوات تقريبا رأيتُها مع عربة طفل رضيع، وعرفتُ أنها رزقت ببنت ثالثة. ثمّ بالبنت الرابعة منذ حوالي العام.

طيلة الأعوام التي عرفتُ فيها سلمى، كانتْ تضع شالا على رأسها، على عادة الأفغانيات المحافظات، اللواتي يعتبرن الرأس الحاسر عيباً وكبيرة، إلى عامٍ خلا، رأيتُها بلا شيءٍ على رأسها لأوّل مرّة. ومع أنّي لم أستغرب لكنّ وجهها تلوّن واحمرّ وهي تسلّم عليّ، وأنا تابعتُ كلامي معها بلا تعليق، لسببين بسيطين، ليس أحدهما اختلاف المذهب، بل: التوقيت، و هي. أمّا التوقيت.. فلأنّها توقّفتْ عن ارتدائه في نفس الوقت الذي كانتْ فيه (موجة) خلع الحجاب تسري في هامبورغ، وكانتْ هنالك شائعات ومخاوف بين المسلمات من التعرّض لحوادث اعتداء عنصرية سببها الحجاب. وأمّا هي، سلمى، فلأنّها لم تتغيّر.. ما زالتْ كما كانتْ، لم تغيّر شيئا من مظهرها أو سلوكها المحترم أو لباسها المحتشم.

وهكذا لمّا نادتْني والتفتُّ إليها، عرفتُها فورا، حاولتْ أن تنهض من خلف الطاولة وبحجرها ابنتُها فأشرتُ لها وأنا أضحك وأقول: اجلسي اجلسي.. لا سلام على طعام. أومأتُ لرفيقتها بالتحيّة، ولم تكن تملك طاقة تردّ بها تحيّتي سوى همسة من كلمة (هالو) بالكاد سمعتُها!
قلت: – صحّة وهنا، كيف حالك؟
* شكرا.. الحمد لله، كلنا بخير.. وأنتِ والبنات؟
رددتُ وأنا أضحك: – كنتُ أرى طاولتكم وأنا جالسة وأقول.. ما شاء الله..
فضحكت وهي تردّ وتشير إلى صحنها الذي لم تأكل سوى ربعه من ساعة كاملة:
* شايفة؟ مع الأولاد.. مستحيل..
– انتظري يكبروا شوي (وأشرتُ إلى ابنتيّ) وفعلا رح تتمتّعي معهم..
قالتْ وهي تضحك أكثر: إذا كنتُ سأنتظر حتى يكبروا، لن تبقى لديّ أيّة أسنان آكل بها في المطاعم!
ضحكنا كثيرا، وسألتُها عن (سمن)، فقالت إن علاماتها ممتازة في الصف الرابع وستدخل مدرسة المتفوّقين، فرحتُ لها، هنّأتُها من قلبي، وناداني زوجي، فودّعتها وخرجنا.
– طلعتِ بتعرفيها؟ وهو يبتسم..
* مين؟
– الأم اللي معها كومة أولاد..
* ها، لا ما بعرفها، بس رفيقتي سلمى قاعدة معها.
– مين سلمى؟
* الأفغانية اللي كانت معي بالكورس، أم (سمن)..
– إيه تذكرت، تذكرت زوجها.. هدول اولادها؟
* لا البنات بناتها، والصبيان اولاد اللي معها..
– ما شاء الله، الله يخليلن إياهم..
* و زوجها من النوع اللي خليكِ عم تجيبي ليجي الصبي!
– إي وأجا؟
* لا، صار عندن أربع بنات..
-ما شاء الله. يا ستيّ الله يبعتلن صبي إن شاء الله..
نظرتُ لزوجي بطرف عيني نظرةً (سوداءَ سامّة) من إيّاها، فقال بتردّد:
– إشفي؟ يعني مو بده صبي؟ إي.. الله يبعتلهم صبي..
رددتُ وأنا أتنهّد: * آمين!!

ومشينا.. وأنا أفكّر هل يحتاج الإنسان أن يقفز فوق خطّ الزمن لتغيير بعض العقليّات؟ فمن الواضح أنّ تغيير المكان/المجتمع/البيئة، لا يمكن أن يفعل شيئاً. كلّما غيّرنا الأماكن، لحِقنا مجتمعنا، بكلّ ما فيه، حتّى التخلّف والغباء!