Tag Archives: بكاء

الجمعة لا تأتي يوم أحد.

أشتاق أن أخرج من بيت أهلي وأعبر الشارع إلى الجهة المقابلة لأدقّ باب بيت خالي في ساعة متأخّرة من الليل، لتفتح لي ابنة الخال، ونتسلّل إلى غرفتها لتقصّ شعري بشكلٍ جديد. أشتاق لشهقتها وهي تعتقد أنّه صار قصيرا جدّاً، وأنّه: يا ويلنا من عميمة/أمّي. ونضحك ونحن نقول: يلا.. نانا بتقول الشعر بضاعة مخلوفة.
أشتاق إليها الآن وقد علّمتني كيف أقصّ شعري وحدي منذ أعوام، ولكنّي لم أتعلّم كيف أقصّ شعر غيري.. شعر بناتي مثلا! بدلا من هذه الفوضى التي أُحدثها في رأسيهما كلّما أمسكتُ المقصّ.
أشتاق أن آخذهما إليها وأقول لها: علميني موديل يزبط على شعرن السايح أمشي معه عشرين سنة لقدّام!
كلّ شيء في الحياة رِزق، وأنا أعتقد يقينًا أنّ هذا البال والمزاج وحبّ تجميل الشعر والوجه هو رِزق، وأنا لم أُرزقه.. فلا بال لي مطلقًا ولا صبر لي لأكثر من خمس دقائق على تجميل بناتي. أنتظر أن تكبرا لتتعلّما ذلك وتعفياني من هذه (المهمّة). Continue reading

في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.