أمّ البنات

جالسة في المطعم مع عائلتي، انتبه إليّ مجاهد وأنا أنظر إلى زاوية ِبعيدة خلفه وأبتسم. التفتَ إلى الوراء محاولا رؤية ما أرى، قلتُ له موضّحة:
يا الله.. هالأمّ القاعدة هناك بتحسّ الهمّ راكبها.. جاي عالمطعم في حضنها ولد، وجنبها بنت وولد أعمارهم متقاربة حوالي خمس سنوات، ولسه في ولدين عم يحيصوا أعمارهم شي سبع وثمان سنوات! وصرلها تقريبا ساعة صفنانة بهالصحون.. ما بلومها، أكيد فاقدة الشهية!
ابتسم زوجي، بينما علّقتْ صفية محتجّة على الضوضاء:
إي، وكتير الأولاد عبيعملوا اصوات، وكل شوي بيبكوا!
ابتسمنا لها معا، وقال أبوها:
حبيبتي لا تشوفي حالك هلق كبرتِ، كمان انتو كنتوا تعملوا كتير مشاكل واصوات وتبكوا وقت نطلع معكم لمكان عام أو مطعم..
تابعتُ أنا مازحة: وما زلتوا.. شوفي شلون كلنا محتاسين بطبق الأضلاع المشوية اللي إنتِ طلبتيه..
وضحكنا.
بعدما انتهينا وبانتظار الفاتورة، نهضتُ مع سمية إلى تلك الزاوية حيث الأمّ (المهمومة)، لأقترب من ماكينة اللعبة الموجودة هناك، وبينما أنا واقفة أتشاور مع سمية هل سنلعب أم لا، وأفتّش عن قطع معدنية في حقيبتي، وأبناء تلك الأمّ واقفون قربي يحدّقون في وجهي كأنّي مخلوق فضائيّ، فأبتسم لهم، سمعتُ من خلفي (هالو) عالية، التفتُّ فإذا صديقتي (سلمى) وابتسامتُها!

كانت سلمى تجلس مع تلك الأمّ (المهمومة) إلى نفس الطاولة، ولكني لم أعرفها لأنّ ظهرها كان مختفيّا خلف حاجز خشبيّ. وسلمى صديقة أفغانية هزارية، تعرّفت إليها في دورة اللغة الألمانية التي حضرتها أوّل وصولي لألمانيا! أي أعرفها من عشر سنوات وأكثر. ذكية، درستْ للصف التاسع في إيران، ثم منعها الأهل عن إتمام دراستها بحجّة أنّها تعلّمت كفاية، وتزوّجت في الثامنة عشرة من أفغاني مقيم هنا، يعمل سائق تاكسي. كانت لديها طموحات لمتابعة تعليمها، تلك الطموحات انتهت مع حملها بابنتها الأولى.
في دورة اللغة، كنا نتبادل إيضاح القواعد الألمانية لبعضنا البعض باللغة العربية والفارسية معا، إذ كان ذكاؤها وقُربها من عهد المدرسة كافيين لتميّز القواعد والأحرف العربية وتقرّبها إلى تلك الفارسية، ونتبادل الشرح والفهم.
بعد انتهاء دورة اللغة، ولدتُ أنا صفية، وولدت هي ابنتها (سمَن)، وذهبتا لنفس الروضة، ثمّ جاءتنا (سمية)، وجاءتهم (سارة)، وذهبتا مدّة لنفس الروضة أيضا، حتى انتقلوا لمنزل آخر، ولم نتوقّف عن رؤية بعضنا -بالصدفة غالبا- في منطقتنا ذات الأغلبية المسلمة. قبل ثلاث سنوات تقريبا رأيتُها مع عربة طفل رضيع، وعرفتُ أنها رزقت ببنت ثالثة. ثمّ بالبنت الرابعة منذ حوالي العام.

طيلة الأعوام التي عرفتُ فيها سلمى، كانتْ تضع شالا على رأسها، على عادة الأفغانيات المحافظات، اللواتي يعتبرن الرأس الحاسر عيباً وكبيرة، إلى عامٍ خلا، رأيتُها بلا شيءٍ على رأسها لأوّل مرّة. ومع أنّي لم أستغرب لكنّ وجهها تلوّن واحمرّ وهي تسلّم عليّ، وأنا تابعتُ كلامي معها بلا تعليق، لسببين بسيطين، ليس أحدهما اختلاف المذهب، بل: التوقيت، و هي. أمّا التوقيت.. فلأنّها توقّفتْ عن ارتدائه في نفس الوقت الذي كانتْ فيه (موجة) خلع الحجاب تسري في هامبورغ، وكانتْ هنالك شائعات ومخاوف بين المسلمات من التعرّض لحوادث اعتداء عنصرية سببها الحجاب. وأمّا هي، سلمى، فلأنّها لم تتغيّر.. ما زالتْ كما كانتْ، لم تغيّر شيئا من مظهرها أو سلوكها المحترم أو لباسها المحتشم.

وهكذا لمّا نادتْني والتفتُّ إليها، عرفتُها فورا، حاولتْ أن تنهض من خلف الطاولة وبحجرها ابنتُها فأشرتُ لها وأنا أضحك وأقول: اجلسي اجلسي.. لا سلام على طعام. أومأتُ لرفيقتها بالتحيّة، ولم تكن تملك طاقة تردّ بها تحيّتي سوى همسة من كلمة (هالو) بالكاد سمعتُها!
قلت: – صحّة وهنا، كيف حالك؟
* شكرا.. الحمد لله، كلنا بخير.. وأنتِ والبنات؟
رددتُ وأنا أضحك: – كنتُ أرى طاولتكم وأنا جالسة وأقول.. ما شاء الله..
فضحكت وهي تردّ وتشير إلى صحنها الذي لم تأكل سوى ربعه من ساعة كاملة:
* شايفة؟ مع الأولاد.. مستحيل..
– انتظري يكبروا شوي (وأشرتُ إلى ابنتيّ) وفعلا رح تتمتّعي معهم..
قالتْ وهي تضحك أكثر: إذا كنتُ سأنتظر حتى يكبروا، لن تبقى لديّ أيّة أسنان آكل بها في المطاعم!
ضحكنا كثيرا، وسألتُها عن (سمن)، فقالت إن علاماتها ممتازة في الصف الرابع وستدخل مدرسة المتفوّقين، فرحتُ لها، هنّأتُها من قلبي، وناداني زوجي، فودّعتها وخرجنا.
– طلعتِ بتعرفيها؟ وهو يبتسم..
* مين؟
– الأم اللي معها كومة أولاد..
* ها، لا ما بعرفها، بس رفيقتي سلمى قاعدة معها.
– مين سلمى؟
* الأفغانية اللي كانت معي بالكورس، أم (سمن)..
– إيه تذكرت، تذكرت زوجها.. هدول اولادها؟
* لا البنات بناتها، والصبيان اولاد اللي معها..
– ما شاء الله، الله يخليلن إياهم..
* و زوجها من النوع اللي خليكِ عم تجيبي ليجي الصبي!
– إي وأجا؟
* لا، صار عندن أربع بنات..
-ما شاء الله. يا ستيّ الله يبعتلن صبي إن شاء الله..
نظرتُ لزوجي بطرف عيني نظرةً (سوداءَ سامّة) من إيّاها، فقال بتردّد:
– إشفي؟ يعني مو بده صبي؟ إي.. الله يبعتلهم صبي..
رددتُ وأنا أتنهّد: * آمين!!

ومشينا.. وأنا أفكّر هل يحتاج الإنسان أن يقفز فوق خطّ الزمن لتغيير بعض العقليّات؟ فمن الواضح أنّ تغيير المكان/المجتمع/البيئة، لا يمكن أن يفعل شيئاً. كلّما غيّرنا الأماكن، لحِقنا مجتمعنا، بكلّ ما فيه، حتّى التخلّف والغباء!


كاد المعلّم أن

قبل رمضان بأسبوعين، كنّا نتناقش حول الحضور والغياب في المدرسة العربيّة، فسألتني إحدى بنات الصفّ: خالتي، أوّل أسبوع صيام عندي احتفال رياضة في المدرسة وأنا مشاركة فيه.. إذا تعبت معلش أفطر؟
فأجبتُها ببساطة: أنتِ تعلمين أنّ الصيام لمن هو قادر عليه صح؟
– صح.
* إذاً ابدئي يومكِ بنيّة الصيام ثم إذا تعبتِ فعلا أفطري واقضيه مع قضائك. ولكن انتبهي يا بنتي.. الصوم بالذات فريضة خفية، فهي بين العبد وربه.. يعني لو أنتِ أكلتِ أو شربت دون أن يراك أحد لما عرف أحد أنك صائمة أو مفطرة، بينما بقية العبادات (الصلاة، الزكاة، الحج) كلها يمكن أن يراها الناس ويلاحظونها. والله وحده يعلم قدراتك وهل أنتِ فعلا قادرة على تتمّة الصيام أم لا.

فهمتْ البنت كلامي كلّه، وما لم أفهمه أنا هو كيف صارتْ هذه العبادة (الخفيّة) المظهرَ الإسلاميّ الوحيدَ لكثير من المسلمين؟. فهذه البنت مثلا لا تصلّي (تهاونًا) ولا تلبس الحجاب ولا تعرف من تاريخ الإسلام سوى اسم نبيّنا محمّد.. حتى اسم أمه وأبيه لا تعرفهما ولا شيئا من سيرته. ولنترك هذا جانبا، ولننظر للأخلاق والمعاملات، فهي موجودة عندها بحكم القانون والضمير، وليست مرتبطة برضا الله ولا محاسبة النفس. ومع ذلك أتمنّى أن تستمرّ في الحضور وألا تنقطع، لأنّها (من كثرة الزنّ) تستجيب أحياناً.
مثلا عند تسميع القرآن، وفي اليوم الذي طلبتُ منهم أن يحفظوا من بداية سورة المطفّفين، احتجّتْ الصبيّة وقالتْ أنا لا أستطيع، فما كان من زميلها (الذي يحفظ عدّة أجزاء ويشارك في مسابقات حفظ القرآن على مستوى ألمانيا) إلا أن قال بتباهٍ: سهلة وأنا حافظها من قبل. وسخر منها ببضعة عبارات مستفزّة.
وكان من عادتي معهم في تدريس القرآن أنّي أتلو الآيات مرّة أولى عليهم، ثمّ أشرح الكلمات، ثمّ أفسّر المعنى الإجمالي بما يتناسب مع فهمهم. ثمّ أطلب من هذا الحافظ أن يقرأ لأنّ قراءته سلسة، وأعطيهم وقتا ليحفظوا عدداً من الآيات في الصف، وكلّما طلب أحدهم أن أعيد الآيات له أعدتُها. وتنجح هذه الطريقة معهم، فهم في البيت لا يفتحون كتب المدرسة العربية فضلا عن عدم قدرتهم على تلاوة الآيات وحدهم.
ولمّا رأيتُ نظرة التباهي في عين الشاب، ونظرة الانكسار في عين الصبيّة، أخذتُ نفَساً عميقًا وتوكّلتُ على الله وبدأتُ محاضرة أدبيّة، فشرحتُ له كيف أنّ أجر زميلته أعظم من أجري ومن أجره، فكلانا نقرأ بسلاسة ودون عناء. وقلتُ له: لو فتحتُ المصحف الآن من منتصفه وطلبتُ منكَ أن تقرأ آية لم تقرأها من قبل، هل ستكون قراءتك مثل هذه الآيات؟ فسكت ثمّ قال بخفوت: لا. قلت: ولكن أنا سأقرأُها دون خطأ وبالترتيل والتجويد.. ومع ذلك، فأجر زميلتك أكبر من أجري أتدري لماذا؟. هنا كانتْ الصبيّة مشدودة بكامل انتباهها إليّ، فأكملتُ: لعدّة أسباب: أوّلا، إجادتي في القراءة هي من فضل الله عليّ وليس لي فضل في ذلك.. بتوفيقه تدرّبت وتعلّمت. ثانيا أنا كنتُ مثلكَ يا (فلان)، وكنتُ أشارك بمسابقات الحفظ وكانتْ أصعب لأنّنا كنّا ملزمين بالتجويد وأنتَ تشارك بحفظك فقط.. ولمّا كنتُ قريبة من الفوز نسيتُ الآية ببساطة، وحين أتذكّر ذلك الموقف الآن بعد مرور سبعة عشر عاما تقريبا فإنّي أحمد الله أنّي لم أفُز لأنّ الشيطان كان سيجد من ذلك مدخلا عليّ للغرور والتباهي، وإجادتي للقراءة الآن هي عِلم عليّ زكاته بتعليمه لغيري. ثمّ وجّهتُ كلامي للصبيّة وأكملت: والسبب الثالث أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال إنّ الذي يتلعثم بالقرآن أجره مضاعف.. لأنّه يحاول مرّة بعد مرّة. ولنحسب أنّ كلّ حسنة بعشر أمثالها، هذا يعني لو أنا قرأت آية وأخذتُ 100 حسنة مثلا، فأنا قد قرأتُها مرّة واحدة.. بينما أنتِ تقرئينها مرّة أولى فتأخذين 100 ثمّ تعيدين فتأخذين 100 أخرى.. وهكذا. ولمّا تكرّرينها للحفظ لا يتوقّف عدّاد الحسنات.. فأنتِ رابحة بكلّ حال. وأنا لن أعطيكِ درجة على إتقان الحفظ، بل على المحاولة لأنّي أعرف أنه صعب عليك. (ولسان البنت ثقيل فعلا في مخارج العربية). ثمّ جلستُ قربها وقلت لها: وأجركِ ليس لكِ فقط.. بل هو لوالديكِ أيضاً، فأبوك يأتي بكِ كلّ سبتٍ لتحفظي القرآن، وأمّكِ تريد ذلك وتشجّعكِ. فحتّى لو لم يكونا ممّن يقرأ أو يحفظ.. أنتِ بقراءتكِ وحفظكِ ترفعين درجتهم في الجنّة إن شاء الله.
وما انتهتْ الساعة الدراسيّة إلا وقد حفظتْ الطالبة الآيات الستّ وهي تفهمها ولو فهما مجملا.

ولكن.. ما تنفعها تلك الساعة أو الساعتان أمام عمر تقضيه بعيداً عن التوجيه الأساسيّ؟. إنّ مصيبتنا في الجيل الذي ينشأ هنا كمصيبتنا في جيلنا الذي نشأ في البلاد العربيّة تماماً. فقد أخذوا الدين واللغة وراثة. وبينما يسعى المسلمون من غير العرب لتعليم أبنائهم اللغة العربية ليفهموا القرآن حصراً، أو حتّى يتقنوا قراءته، يتوجّه العرب لتعليم العربية من منظور قوميّ بحت، ولتعليم الدين من منظور وراثيّ. قشور بلا جوهر، ثمّ نجد الأبناء يعانون من أبسط مواقف تصادفهم. وبينما تعاني البنت أمام رغبة أهلها في أن ترتدي الحجاب بشكله الخارجيّ (مجرّد غطاء للشعر) وتمتنع عن الطلعات والسهرات خارج البيت، ورغبتها في أن تبقى مقبولة وسط مجتمعها الألمانيّ تماما، نجد أنّ مفهوم الحجاب والغرض من الامتناع ليس موجودا لا عندها ولا عند الأهل! مجرّد أمر.. افعلي لا تفعلي. وأما الشاب في هذا العمر فأصعب ما يواجهه قضيّة (الصاحبة أو الجيرل فريند)، تأتي بعدها قضيّة الشذوذ الجنسيّ! والأهل غير مهيَّئين للنقاش في هاتين القضيّتين، فالردّ على الأولى عندهم هو: حرامٌ في العلن.. وفي الخفاء افعل ما تشاء، وعلى الثانية: الكلام في هذا عيب!

إنّ التلقين في العِلم أساسٌ في السنوات السبع أو الثمان الأولى، بعد ذلك يبدأ الطفل بطبيعته بالإكثار من الأسئلة ومحاولة فهم تفاصيل كلّ شيء، وعندما يصل إلى العاشرة تقريبا تتكوّن لديه طريقته الخاصّة في الاستنتاج وربط الأفكار.وعندها لا بدّ أن يتوقّف التلقين، ويبدأ التحليل، وتنمية دروع الشخصية التي ستصمد أمام الضربات أيّا كانتْ. ومن المصيبة فعلا أنّ يستخدم معلّم اللغة العربية أو الدين في هذا البلد، أسلوب التقريع والتحطيم. وأن تبقى طريقة التدريس كما كانتْ منذ عصر الاستعمار الأوّل لبلادنا وحتّى الآن كما هي بل وأن ننقل هذه الثقافة معنا إلى بلاد أخرى. وأنا لا أمتدح طريقة المدارس الألمانية بمجملها، فلها مساوئها أيضا، يكفي أنّ السيّارة التي تختلف عن القالب يحيلونها إلى لجنة فحص ودراسة ليعرفوا كيف خرجتْ هذه السيّارة من نفس المصنع بمواصفات مختلفة. أعني بذلك الطالب والمدرسة. والمواصفات التي يطلبونها تتعلّق بالشخصية لا بالتحصيل الدراسيّ، وهذه هي الكارثة.

أليس بمقدرونا أن نصل إلى أسلوب من اختراعنا بلا تقليد؟ نضع فيه هدف (التربية) قبل (التعليم)؟. أن نتعامل مع هؤلاء الأولاد كأنّهم أبناؤنا حقًّا؟ وأن نجعل لديهم رصيداً كافياً من القناعات والعاطفة لحين خروجهم من هذه المدرسة وتعرّضهم لمواقف الحياة  المختلفة، يقيهم الأذى النفسيّ ويغنيهم عن التسوّل العاطفي؟.
إنّ التعليم عمليّة متبادلة كدورة الحياة تعود منافعها على الجميع، ومسكين هو المعلّم الذي يخرج طلابه من بين يديه بعد عناء تدريس عامٍ كامل ليقولوا عنه: نكرهه! وقد نسوا كلّ ما درسوه وانشغلوا بكراهيتهم له. مسكين هو المعلّم الذي لم يتغيّر بعد كلّ يوم تدريسيّ ولم يكتشف أين الخطأ الذي يجعله يتعب طيلة اليوم ويشعر باللاجدوى في النهاية. مسكين هو المعلّم الذي لا يرى في الإجابة الوحيدة في ورقة الطالب، رسالة سماويّة تقول له: ركّز هنا.. لتعرف كيف تحيل الورقة كلّها إلى إجابات سعيدة، وإن لم تكن توافق نموذجك. وما أدراكَ أنّ العلّة ليستْ منك؟


مثل جدّتي

حين أتأمّل جدّتي؛ أبكي بهدوءٍ وسلاسة. جدّتي هي كلّ شيء جميلٍ.. انطفأ فجأة.
اليوم سألتْني: أين أنا؟ لماذا أنا هنا؟
وسألتْني أيضًا: وينا أختك؟
عرفتُ أنّها تعتقدني إحدى خالاتي أو أمّي. فرحتُ أعدّ لها أسماء خالاتي وأنا أسألها أيّة واحدة تقصدين؟
لكنّي لم أذكر لها خالتاي كميلة ونبيلة المتوفّتان. ولم تجبني.. وذهب السؤال.

جلستُ بضع مرّات لأطعمها لتستطيع أمّي أن تقضي شأنًا من شؤونها. مرّةً كنتُ أطعمها من صحن (الشوفان بالحليب)، وكعادتها رغم غياب وعيها معظم الوقت.. ما زالتْ تميّز الأطفال. وراحتْ تنادي ابنتي سميّة التي لم تكن أتمّتْ عامها الثاني بعد: تاعي.. تاعي.. تاعي.. ثمّ التفتَتْ إليّ: از.. از.. ازعقيلا تاكل.
فما كان منّي إلا أن أطرقتُ وراح دمعي يسحّ على وجهي بصمت.. كان عسيرًا عليّ أن أسمع جدّتي القويّة تتلكّأ في الكلام وتفتّش عن المفردات.

الشيء الوحيد الذي كان يسرّي عنّي حين أراها في حالها تلك؛ أنّها صارتْ تحبّ البنات!
جدّتي التي كان عمرها قريب المئة عند وفاتها؛ نشأتْ كما غيرها من نساء عصرها على تقديس الرجل، واعتبار (همّ البنات للممات). ورغم أنّها تغيّرتْ كثيرًا على زمننا نحن الحفيدات، ورغم فرحها برؤيتنا نحصّل الدرجات العالية في المراحل الجامعيّة، إلا أنّ فرحتها كانتْ دائمًا أكثر ظهورًا وأكبر بتحصيل الأحفاد الذكور. ورغم علمي بأنّ هذا ما تربّت عليه وأنه ليس تصرّفًا مقصودًا، لكنّه لطالما حزّ في نفسي. حتى إنّني عندما رزقتُ بابنتي الأولى.. كان أوّل ما تمنّته لي أن أرزق بصبيّ بعدها.. فانكسرتْ الفرحة في قلبي، لم تكن تعلم كيف قضيتُ شهور حملي كلها أدعو كلّ ليلة أن يكون الجنين بنتًا. ببساطة.. كان الصبيّ بالنسبة لها عزًّا، والبنت همًّا.
كانتْ في كامل وعيها آنذاك.

في الصيف الأخير، بدا لي أنّها أدركتْ أخيرًا أنّ للبنات فائدة، وإن لم تكن في وقتها تعرف من أنا. لكنّها كانتْ تنادي أمّي بكلمة (يوم) بدل (بنتي). ربّما كان اللاوعي داخلها يعترف أنّ الابنة تكبر لتصير أمًّا لأمّها المتعَبة. وربّما كان ذلك النداء هو الأسهل على ذاكرة لم تعد تعثر على المفردات داخلها لأنّها مشغولة بالبحث عن درجات البيت، وعريشة الياسمين.. وجدّي.

مسكينٌ من لم يكن في حياته امرأةٌ مثل جدّتي.