أيّها العالم الناجح:طز فيك!

أكره هذا العالم الأحمق المتحيّز للناجحين، والمتفوّقين، والمثاليين، والرائعين!
أكرهه لأنّه كان متحيّزا لي أثناء نجاحي، بمقاييسه، وضدّي حين خالفتُها.
كنتُ الأولى في المدرسة، فكان هذا العالم يحبّني، ولكنّه أيضاً كان يكرهني في مرحلة لاحقة للسبب ذاته! حين كنتُ بنت المعلّمة في المدرسة الخاصة، والدافورة، والقادمة من بيئة اجتماعية متوسّطة مادّيّا. هكذا كنتُ في نظر بقيّة العالم داخل تلك المدرسة الصغيرة لثلاثة أعوام.
كان مفهوم النجاح في المدرسة الابتدائيةِ العلاماتُ التامّة، الأولى في الصفّ، المسالمة والهادئة، حفظ القرآن، المشاركة في الأنشطة الإضافية. أما في بيئة الإعدادية في تلك المدرسة، فكان مفهوم النجاح يُقاس بعدد الحفلات الغريبة التي قد أُدعى لها، وبعدد الشباب الذين لديّ علاقات هاتفية معهم، وبسعر الماركات التي أبتاع منها أغراضي الشخصية وأحذيتي، وطبعا لم أكن ضمن أي مجال من تلك المجالات، وبالتالي كنتُ أنا مقياس الفشل الذي يتمّ تحاشيه.
في المجتمع الحشّاش، تكون أنتَ الشخص الفاشل لأنّكَ الوحيد (الصاحي). المجتمع هو الذي يضع عيار النجاح والفشل، وأنتَ عليكَ الانصياع فقط.
اليوم وأنا أمشي في عامي الخامس والثلاثين، أشعر أنّي أكره هذا العالم أكثر، سابقاً كنتُ أكرهه ببراءة الطفولة، ونزق المراهقين، أمّا اليوم، فهي كراهية مخطّط لها، ناضجة، عن سبق إصرار وترصّد! لأنّ الأمر لم يعد يخصّني، بالعكس تماماً لم يعد شخصيّاً، لقد اجتزتُ كلّ ذلك ووضعتُ معاييري الخاصّة للنجاح وكانتْ قاعدتُها الأساسيّة (طز بالعالم)، وأعتقد أنّ كثيرين من جيلي فعلوا ذلك.
لكنها ابنتي.. حين أرى انكسارها والدمعة في عينها، وهي الكبرياء الذي لا يحبّ الانكسار للأشياء التافهة كالعلامات المدرسيّة، تمسك ورقة النتيجة وتقول لي: لم أفهم لماذا حصلتُ على ضعيف، لقد فعلتُ ما بوسعي.
ضعيف.. مرّة تلو الأخرى، ورقة بعد ورقة، وعلامة تلو علامة.. هكذا يراها هذا العالم الآن: ضعيفة فاشلة.
ولا أحد يتحدّث عن الأطفال الذين يحصلون على علامات سيئة في المدرسة بشكل طبيعي أو عاديّ، بل يكون الكلام عنهم دائما باعتبارهم مشكلةً تحتاج حلا، أو مرضاً يجب علاجه، أو عاراً لا بدّ من إخفائه،
حتّى يتلبّس الأهل هذه الفكرة، وتنقلب معاملتهم لابنهم الذي يحمل جيناتهم، إلى محاولات إصلاحه، وكأنّه جهاز راديو معطوب!
حين تركتُ التعليم في آخر مرّة، كنتُ قد وضعتُ علامات امتياز لطلابي الستّة، الأمر الذي فاجأ المدير لأنّه على علم بمستواهم، قلتُ له ببساطة إنّ ما ينقصهم في مهارة ما، أعطيهم فرصة جبره في مهارة أخرى. هكذا حصلوا جميعا على علامات متقاربة. وأقسمتُ إنّي لن أعود للتدريس لأنّي لا أقدر أن أحكم على الطلّاب بالأرقام. لكنّي كنتُ حرّة في غرفة الصفّ، أمّا المعلّمون في المدارس اليوم، فهم مقيّدون في عقولهم قبل مناهجهم، ويفتقرون إلى نزعة التمرّد. دجاجات في القنّ، أو عقول مغلقة في صناديق على الأرفف، لا أعرف أيّها أنسب، لكنّهم بأيّة حال لا يملكون في أرواحهم مجتمعة ربع الإعصار الذي يتحرّك داخل ابنتي، وأنا لا أسعى بأيّ شكل من الأشكال إلى ضبطه، أو تهدئته، في الحقيقة.. أريده أن يعصف ويزيحهم جميعا من طريقها.

لهذا حين تجلس مع أختها جلسة (غيبة) طفولية، تتبادلان فيها الآراء عن طاقم التعليم في المدرسة وأنا في الغرفة، أدّعي أنّي لا أسمع، وهما تصفان المعلّمات بأوصاف عجيبة تنمّ عن نفور واضح، وتخلصان إلى نتيجة مفادها: ألطف من يعمل في المدرسة هما الأخصّائية الاجتماعية، وعاملة النظافة! وأضحك في سرّي.. وآمل وأدعو أن تكون المراحل الدراسية التالية أفضل، لأنّهما ستكونان أقوى، وستفهمان أنّ هذا العالم غبيّ جدّاً، ولا يستحقّ أن نعبأ به، وعلينا أن نُخضعه لمقاييسنا، لا أن نخضع له.


التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.


عذاب الموهوبين

كنتُ أكتب كثيرًا في ما يسمّيه الناس (مذكّرات) وأسمّيها أنا (مزبلتي الفكريّة).
منذ خمسة أعوام مضت.. لم أعد أكتب فيها إلا لمامًا، اعتقدتُ أنّ السببَ متعلّقٌ بماهيّة كتاباتي السابقة، وكان هذا صحيحًا نوعًا ما.. فأنا كنتُ أكتب هناك حين أشعر بالضيق والانزعاج -وغالبًا- حين يتملّكني شعور سلبيّ. الآن صرتُ أصرّف مشاعري السلبيّة بطرق أخرى، نعم.. أحيانًا باللسان، وغالبًا باليد.. في تلميع واجهات خزائن المطبخ!.
واليوم تذكّرتُ آخر سطر ٍكتبتُه في الدفتر منذ شهرين تقريبًا:
الكتابة مهنة المترَفين، وعذاب المحتاجين الموهوبين. كتبتُها كي أتوقّف عن لوم نفسي لأنّي فشلتُ في (الاسترزاق) من وراء الكتابة. وتذكّرتُ بغيظٍ كم كتابًا قرأتُ وثمنُه المبلغَ الفلاني.. وحزنتُ على الشجرة التي قطعوها ليصنعوا منها ورقًا يمتلئ بالهراء وينتهي في حاوية الورق لإعادة التكرير، لعلّه إن صار مناديل مطبخٍ أو حمّامٍ بات أكثر نفعًا.
اليوم فكّرتُ وأنا أقرأ كتابًا لابنتي، قرأتُه لها عشر مرّات سابقًا على الأقلّ: هل كلّ القرّاء يقرؤون بانتقاديّة مثلي؟ أعني إنّي لم أقرأ لها نصّ الكتاب ولا مرّة كما هو، في كلّ مرّة أغيّر فيه. ترى لو علمتُ أنّ أحدًا غيري يفعل بكتاباتي ما أفعله بكتابات غيري من تغيير للنصوص بانتقاديّة.. هل سأتضايق أم سأشكره لأنّه عبّر عن رأيه؟ لا أعرف حقًّا. Continue reading