لماذا وضعوا الرصيف؟!

#صفية سألتْني فجأة في الطريق إلى المدرسة: ماما هاد ليش حطّوه هون؟
– إيش؟
* هاد الحجر..
وهي تشير بطرف إصبعها، نظرتُ لأفهم أيّ حجر فلم أعرف! لم أرَ أيّ حجر مميّز في الطريق. كرّرتُ سؤالي وأنا أتوقّف عن المشي: بنتي ما عرفت أي حجر..
أجابتْ بحدّة ونفاد صبر: هاااااد ، وهي ترفس الرصيف بقدمها!
ثوانٍ واستوعبت: قصدك هذا الرصيف الذي نمشي عليه؟
* إي..
الحقيقة إنّي بوغتُّ بالسؤال! وتلعثمتُ قليلا.. كنتُ أعتبر الرصيف أمرًا (بديهيًّا) في الشارع.
– حطّوه حتى يتميّز طريق المشاة عن طريق السيّارات، لو لم يكن هنا رصيف لصارتْ السيّارات تقف هنا ولما وجدنا طريقًا آمنًا نمشي عليه. هل أجبتُ سؤالكِ؟
ابتسمتْ وقالتْ: إي..
ابتسمتُ لها:- جيّد.
ولكنّي حين تابعتُ المشي كنتُ أفكّر: في حياتي كلّها لم أسمع طفلا يسأل عن الرصيف! عن الأشياء التي يعتبرها الأطفال (عاديّة) باعتبارها موجودة. لكن من قال إنّ #صفيّة عاديّة؟!.
إنّها ترى الدنيا وكأنّ في عينيها شيئان: مجهر، وتلسكوب. هي ترى أشياء صغيرة جدًّا، وأشياء بعيدة جدًّا، وكلّها مميّزة جدًّا، لكنّها غالبًا تغفل عن الأشياء الواضحة جدًّا، ربّما لأنّها أشياء (عاديّة) و(مملّة) جدًّا!

ما زلتُ أحارب نفسي، وأحارب المدرسة.. كي لا نحوّلها طفلا (عاديًّا).

* أعمالها الفنية من الشهر الفائت. طبعا هذه رسوماتها في البيت، تذهب وتجلس إلى المكتب وتعمل وحدها ثم تأتي إليّ وتريني.

20160119_121844 20160119_121848 20160119_121858 20160119_121903 IMG_20151211_163531


ستّة أعوام..

20150604_204032-kdcollage
صوت حفيف أوراق الشجر إذ تتهادى نسماتٌ باردةٌ في ضوء الشمس.
في هذا الوقت من ستّة أعوام خلَتْ، كنتُ أمشي في غرفة المَخاض في المشفى، منهَكةً جدًّا، أشتهي أن أنام فقط. وكنتُ أتّكئ على الجدار فأغفو ثوانٍ وأنا واقفة.
في اليوم السابق له كنتُ عند الطبيبة، وحين عدتُ قلتُ لأبيكِ: ليتني ألِد غدًا..
وعند الرابعة فجْرًا أيقظتُه، نهض مذعورًا لا يصدّق لأيّة درجةٍ تتحقّق أمنياتي سريعًا. ومن الرابعة فجرًا حتى التاسعة وأربعين دقيقة مساءً؛كان يومًا طويلًا حقًّا. وحين سحبَتْكِ القابلة أخيرًا وتهامستْ بشيء ما،لم أنظُر. أيًّا يكُن الأمر، ستصلين إلى ذراعيّ أخيرًا وأراه بنفسي. كان لونكِ مُزرقًّا جدًّا، ولكنّكِ بكيتِ بصوتٍ كجرس الإنذار. استمرّ بكاؤكِ بهذه الطريقة حتى إتمامكِ عامكِ الخامس. دائمًا يذكّرني بصافرة الإنذار أيّام حرب الخليج؛ ما قبل بدء نوبة الغضب، أثناء نوبة الغضب، بعد نوبة الغضب.
لكن تغيّر كلّ شيءٍ في العام الأخير: لقد انطلق لسانُكِ بالكلام! ولم تعودي تغضبين لعجزكِ عن التعبير. صرتِ تجيبينني الكلمة بالكلمة، النّدَّ بالنّدّ. بالعربيّة عامّية وفصحى، وبالألمانية، وحتى بلغة الإشارة والنظَرات شزرًا أو امتنانًا!
ذكيّة أنتِ ودقيقة الملاحظة وخيالكُ أوسع من العالم، شديدة الاعتداد بنفسكِ، متقِنةٌ جدًّا لأيّ عمل تقومين به، مرتّبة تكرهين الفوضى، وتكرهين ضعفكِ. وحين تشتاقين لي؛ تضربينني بدلًا من العناق.. فأشدّكِ وأضمّكِ غصبًا لتستكيني، حتّى صرتِ تأتين إليّ من نفسكِ تطلبين القُبلة.
تدركين أنّكِ مختلفة؛ وأنّ هذا العالم يحاول وسيحاول دائمًا تغييركِ إلى نسخةٍ أخرى، ولكنّكِ تقاومين. وأنا تعلّمتُ منكِ أن أقاوم هذا التغيير نحو الاستنساخ. يقولون إنّكِ غير طبيعيّة لأنّكِ خياليّة جدًّا، فأنظر إليكِ وإليهم.. ولاأفهم كيف لا يَرَوْنَ (لون) الهواء كما ترَينه، ولا (يتذوّقون) رائحة نور الشمس المنسكِب صباحًا!
اليوم بالذات؛ يوم ذكرى مولدكِ حيث احتفلتْ لكِ المدرّسة به كما جرتْ العادة هنا، كان عندي موعدٌ مع أخصّائي جلس معكِ لمرّتين فقط. ليأتي اليوم ويقول لي إنّكِ سليمة جسديًّا ولستِ معاقة! كثّر الله خيركَ يا رجل. ولكنّه أكّد لي أنّكِ تعانين مشكلةً ما، وهو لا يستطيع تشخيصها هنا، وإنّما يقترحون عليّ اصطحابكِ إلى المركز المختصّ. وكلّ هذا لماذا؟ لأنّكِ لستِ (منفتحة) على بقيّة الأطفال كأقرانك. دائمًا عندكَ عالمٌ خاص، قوقعة تندسّين داخلها عند اقتراب ما هو خطر برأيك. أنا أعرف المشكلة يا سيّدي لا داعي للمركز ولا لتشخصيكَ. ومشكلتها أنّ عالمكم أضيق من أفقها.. وهي ترفض أن تقصّ جناحيها كما تطلبون. وتلميحكَ اليوم إلى أصلي (الأجنبيّ) لم يكن بريئًا. ما ضرّتني ثلاث وعشرون عامًا قضيتُها تحت العنصريّة؛ إنّي أجيد التعامل معها أكثر ممّا تتخيّل. ولن تضرّكِ يا ابنتي، فأنتِ تدركين تمامًا منذ الآن معناها؛ إذ تمشين قرب أمّكِ المحجّبة، وتتكلّمين معها باللغة العربيّة الأمّ.
تنظرين إلى الذرّاتِ المتطايرة في انكسارة الضوء، وتهتفين لي: مامااااا.. شوفي هدوووول. وأنا..كبرتُ ونسيتُ كم كنتُ أجلس قُبَيل الغروب عند الشبّاك أرقب تلك الذرّات وأنفخها. أتذكّر الآن وأنتِ تنفخينها، فأبتسم وأقول لكِ: اسمها ذرّات. وأراقبك تضحكين بدهشة وأنتِ تحرّكين كفّكِ لتزيحيها فتعود.تضحكين حتى تظهر غمّازتكِ الوحيدة.
تضحكين.. هذه الكلمة السحريّة التي كانتْ تعذّبني. أبدًا لم تكوني عابسة، لكنّي عجزتُ عن تعليمكِ الفرح. الفرح البسيط اللطيف الذي يضحك له كلّ الأطفال. أخيرًا اكتشفتِه بنفسك. وصرتُ أبتسم لكِ ابتسامةً كاريكاتوريّة كلّما رأيتُكِ ساهمة لتضحكي.
لا توجد طريقة واحدة للأمومة يمكن اتباعها. ولذا؛ كان لزامًا أن نجرّب، ونتعلّم معًا. وأنا تعلّمتُ كثيرًا، تعلّمتُ كيف أدافع عنكِ، عن حقّكِ في الاختلاف، أن أفهم أنّ عنادكَ يعني قوّة ثباتكِ على الفكرة..فعليّ أن أزرع الفكرة السليمة الآن. أنّ غضبكِ مرآة غضبي، وحقّ لكِ أن تغضبي من هذه الدنيا. تعلّمتُ أن أتقبّل حقيقة أنّي كبرتُ وأنّ الزحليقة الصغيرة لم تعد تسعني بحال من الأحوال! وتعلّمتُ أنّ الصبر يأتي بالخير دائمًا.
عامًا جميلا كان يا حبيبتي، قُدنا فيه درّاجتَينا معًا، وتشاكسنا كأختين معًا، وخبزنا الكعك والحلوى معًا. ومازلتِ عندما تأوين إلى فراشكِ، تهمسين لي أن أندسّ قربكِ، وتمسُدين وجهي بكفّكِ وترتّبين خصلات شعري وكأنّي أنا الطفلة.. فألصق أنفي بأنفك ونغفو معًا وتتعانق كفّانا.. تمامًا كما كنّا نفعل وأنتِ صغيرة. بعض الأشياء لا تتغيّر أبدًا، ومنها الحبّ الذي بيننا.

* في ذكرى ميلاد ابنتي صفيّة. :heart5: 
4.6