Tag Archives: جدة

نانا

(نانا)؛ بحثتُ منذ عام عن مصدر هذه الكلمة الموجودة في لهجتنا، حتّى وجدتُها في القاموس الإنجليزيّ، يقول: نانا هي الجدّة أو من تقوم مقامها كمربيّة.
هكذا باختصار يقول القاموس عنكِ: مصدر التربية التي يختلط فيها الحزم بالحنان والمحبّة والعطف. لا تُقال للأمّ لأنّ الأمّ لا تمتلك هدوء وحكمة الجدّة، ولا تُقال للمعلّمة لأنّها لا تملك محبّة وحنان الجدّة، هي لكِ أنتِ فقط. كلمة خفيفة لطيفة عذبة سريعة تلخّص كلّ مشاعرنا:
نانا.. نهرب إليكِ من عقوبة ماما، نانا.. تعطينا الحلوى بدون حدود، نانا.. تجعل المبيت الجماعيّ في دارها مسموحًا بل وواجبًا، نانا.. آخر من يجلس إلى مائدة الطعام لأنّها تريد أن تتأكّد بنفسها من وجود كلّ شيءٍ واكتمال السفرة.
نانا من المستحيل أن تطلب من أحدنا أن ينهض ويحضر لها الملح أو كوب الماء المليء بالثلج.. تنهض بصمت لتحضره بنفسها.
نانا هي التي تتولّى شواء اللحم مهما كانت درجة الحرارة، ولو حدث وتنازلتْ عن العمليّة لا بدّ أن تجلس للمراقبة والملاحظة.
نانا لا تقبل أن يسيء البشر لأيّ كائن حيّ: لا تقبل ترويع طائر، ولا طرد قطّة، ولا قطع نبتة. Continue reading

مثل جدّتي

حين أتأمّل جدّتي؛ أبكي بهدوءٍ وسلاسة. جدّتي هي كلّ شيء جميلٍ.. انطفأ فجأة.
اليوم سألتْني: أين أنا؟ لماذا أنا هنا؟
وسألتْني أيضًا: وينا أختك؟
عرفتُ أنّها تعتقدني إحدى خالاتي أو أمّي. فرحتُ أعدّ لها أسماء خالاتي وأنا أسألها أيّة واحدة تقصدين؟
لكنّي لم أذكر لها خالتاي كميلة ونبيلة المتوفّتان. ولم تجبني.. وذهب السؤال.

جلستُ بضع مرّات لأطعمها لتستطيع أمّي أن تقضي شأنًا من شؤونها. مرّةً كنتُ أطعمها من صحن (الشوفان بالحليب)، وكعادتها رغم غياب وعيها معظم الوقت.. ما زالتْ تميّز الأطفال. وراحتْ تنادي ابنتي سميّة التي لم تكن أتمّتْ عامها الثاني بعد: تاعي.. تاعي.. تاعي.. ثمّ التفتَتْ إليّ: از.. از.. ازعقيلا تاكل.
فما كان منّي إلا أن أطرقتُ وراح دمعي يسحّ على وجهي بصمت.. كان عسيرًا عليّ أن أسمع جدّتي القويّة تتلكّأ في الكلام وتفتّش عن المفردات.

الشيء الوحيد الذي كان يسرّي عنّي حين أراها في حالها تلك؛ أنّها صارتْ تحبّ البنات!
جدّتي التي كان عمرها قريب المئة عند وفاتها؛ نشأتْ كما غيرها من نساء عصرها على تقديس الرجل، واعتبار (همّ البنات للممات). ورغم أنّها تغيّرتْ كثيرًا على زمننا نحن الحفيدات، ورغم فرحها برؤيتنا نحصّل الدرجات العالية في المراحل الجامعيّة، إلا أنّ فرحتها كانتْ دائمًا أكثر ظهورًا وأكبر بتحصيل الأحفاد الذكور. ورغم علمي بأنّ هذا ما تربّت عليه وأنه ليس تصرّفًا مقصودًا، لكنّه لطالما حزّ في نفسي. حتى إنّني عندما رزقتُ بابنتي الأولى.. كان أوّل ما تمنّته لي أن أرزق بصبيّ بعدها.. فانكسرتْ الفرحة في قلبي، لم تكن تعلم كيف قضيتُ شهور حملي كلها أدعو كلّ ليلة أن يكون الجنين بنتًا. ببساطة.. كان الصبيّ بالنسبة لها عزًّا، والبنت همًّا.
كانتْ في كامل وعيها آنذاك.

في الصيف الأخير، بدا لي أنّها أدركتْ أخيرًا أنّ للبنات فائدة، وإن لم تكن في وقتها تعرف من أنا. لكنّها كانتْ تنادي أمّي بكلمة (يوم) بدل (بنتي). ربّما كان اللاوعي داخلها يعترف أنّ الابنة تكبر لتصير أمًّا لأمّها المتعَبة. وربّما كان ذلك النداء هو الأسهل على ذاكرة لم تعد تعثر على المفردات داخلها لأنّها مشغولة بالبحث عن درجات البيت، وعريشة الياسمين.. وجدّي.

مسكينٌ من لم يكن في حياته امرأةٌ مثل جدّتي.

الصلاة، بين جدّة وهامبورغ.

أذكر الأيام التي كنّا نسافر فيها إلى بيت خالتي في (جدّة) منذ طفولتي المبكّرة.. وحتّى الآن بعد زواجي، ما زالتْ تستقبلنا هي وزوجها بصدر رحب واحتفاء لا حدود له. وأكثر ما أفكّر فيه حين أتذكّر مواقف (زوج خالتي) معنا، توجيهه التربويّ رغم أنه لا يملك سلطة تربوية مباشرة علينا، فنحن أبناء بنات حميه. ومع ذلك فقد كان نظامه التربويّ يمشي بالعدل على كلّ من يدخل البيت حتى لو كان ضيفاً.. رغم إكرامه وتدليله لنا. فمثلا؛ كنّا ننام في بيت أهلي في العاشرة، وحين كنا نذهب لزيارتهم كان لا بد أن نأوي لفراشنا في الثامنة (طبعا لم نكن ننام وكان يعرف ذلك ويمرّ يدقّ على الباب المغلق وهو ينبّهنا كي لا نزيد في السهر)، لكنّ سعرنا بسعر أبنائه وبناته في الثواب والعقاب على السواء.
وأكثر ما أذكر هو موضوع الصلاة، فحتى حين كنّا دون سنّ التكليف، كان يذكّرنا دائماً ويتابعنا في الصلاة، الشباب إلى المسجد لصلاة الجماعة، والبنات في البيت، وحتى صلاة الفجر. بالتأكيد كنّا (نزوّغ) ونراوغ ونفوّت من الأوقات ما الله به عليم، وكنّا نتضجّر ونتأفّف وخصوصًا حين نصحو من نومة العصر وتكون أخلاقنا ونفسيّاتنا (عظيمة!). ومع أنّ أمّهاتنا معنا؛ وأهلنا أصلا يتابعوننا في الصلاة في البيت، أي أنهم ليسوا مقصّرين.. فلا أذكر أنّ أمًّا من الأمّهات انزعجت مرة من زوج الأخت وتخاصمت مع أختها لمتابعته الأبناء في هذا الموضوع، أو طلبت منه ألا يتدخّل كونهم (ضيوفًا) مثلا. ربّما حدث ذلك ولم أعلم به، لكنه لم يحدث أمامي ولا مرّة.
أكتب هذه الذكريات ليس فقط لأقول لزوج خالتي جزاه الله خيرًا عن كلّ لحظة كان فيها ناصحًا ومربيًّا (وما زال حتى بعد أن تزوّجنا يعاملنا كبناته ويدلّل أبناءنا كأحفاده)، بل لأشير إلى المفارقة العجيبة التي أعيشها الآن. Continue reading