Tag Archives: جدي

مثل جدّتي

حين أتأمّل جدّتي؛ أبكي بهدوءٍ وسلاسة. جدّتي هي كلّ شيء جميلٍ.. انطفأ فجأة.
اليوم سألتْني: أين أنا؟ لماذا أنا هنا؟
وسألتْني أيضًا: وينا أختك؟
عرفتُ أنّها تعتقدني إحدى خالاتي أو أمّي. فرحتُ أعدّ لها أسماء خالاتي وأنا أسألها أيّة واحدة تقصدين؟
لكنّي لم أذكر لها خالتاي كميلة ونبيلة المتوفّتان. ولم تجبني.. وذهب السؤال.

جلستُ بضع مرّات لأطعمها لتستطيع أمّي أن تقضي شأنًا من شؤونها. مرّةً كنتُ أطعمها من صحن (الشوفان بالحليب)، وكعادتها رغم غياب وعيها معظم الوقت.. ما زالتْ تميّز الأطفال. وراحتْ تنادي ابنتي سميّة التي لم تكن أتمّتْ عامها الثاني بعد: تاعي.. تاعي.. تاعي.. ثمّ التفتَتْ إليّ: از.. از.. ازعقيلا تاكل.
فما كان منّي إلا أن أطرقتُ وراح دمعي يسحّ على وجهي بصمت.. كان عسيرًا عليّ أن أسمع جدّتي القويّة تتلكّأ في الكلام وتفتّش عن المفردات.

الشيء الوحيد الذي كان يسرّي عنّي حين أراها في حالها تلك؛ أنّها صارتْ تحبّ البنات!
جدّتي التي كان عمرها قريب المئة عند وفاتها؛ نشأتْ كما غيرها من نساء عصرها على تقديس الرجل، واعتبار (همّ البنات للممات). ورغم أنّها تغيّرتْ كثيرًا على زمننا نحن الحفيدات، ورغم فرحها برؤيتنا نحصّل الدرجات العالية في المراحل الجامعيّة، إلا أنّ فرحتها كانتْ دائمًا أكثر ظهورًا وأكبر بتحصيل الأحفاد الذكور. ورغم علمي بأنّ هذا ما تربّت عليه وأنه ليس تصرّفًا مقصودًا، لكنّه لطالما حزّ في نفسي. حتى إنّني عندما رزقتُ بابنتي الأولى.. كان أوّل ما تمنّته لي أن أرزق بصبيّ بعدها.. فانكسرتْ الفرحة في قلبي، لم تكن تعلم كيف قضيتُ شهور حملي كلها أدعو كلّ ليلة أن يكون الجنين بنتًا. ببساطة.. كان الصبيّ بالنسبة لها عزًّا، والبنت همًّا.
كانتْ في كامل وعيها آنذاك.

في الصيف الأخير، بدا لي أنّها أدركتْ أخيرًا أنّ للبنات فائدة، وإن لم تكن في وقتها تعرف من أنا. لكنّها كانتْ تنادي أمّي بكلمة (يوم) بدل (بنتي). ربّما كان اللاوعي داخلها يعترف أنّ الابنة تكبر لتصير أمًّا لأمّها المتعَبة. وربّما كان ذلك النداء هو الأسهل على ذاكرة لم تعد تعثر على المفردات داخلها لأنّها مشغولة بالبحث عن درجات البيت، وعريشة الياسمين.. وجدّي.

مسكينٌ من لم يكن في حياته امرأةٌ مثل جدّتي.

نام القمر.. ونامت النجومْ

هذه مقتطفات من التغريدة 1 بصوت (صفيّة).

[audio:http://www.littletinythings.net/safia/wp-content/uploads/2012/02/nam.mp3|titles=nam]
.
نامَ القمرْ
ونامت النُّجومْ
ونامتْ شمسُ النهارْ
ونامت الغيومْ
والآنَ حانَ دوري
أنا لكي أنامْ
يا صُحبتي الصِّغارْ
لعِبنا في النهارْ
تعِبنا في النهارْ
والآن حان دوري
أنا؛ لكي أنامْ
.
أجسامُنا الصّغيرة
تُريدُ أن ترتاحْ
لتصحو في الصباحْ
مع دِيكنا الصَّيّاحْ
ونسمعُ الأذانْ:
(حيَّ على الفلاحْ.. حيّ على الفلاح)
.
نامتْ جَدّتي
ونامَ جدّي الغالي
ونامت السناجبْ
وأغصانُ الشجرْ
ونامت الزنابقْ
على ضِفافِ النّهرْ
ونامت المراكبْ
وكائناتُ البحرْ
والآن حانَ دوري
أنا لكي أنامْ
يا صُحبتي الصّغارْ
هيّا بنا ننامْ
هــ ـــيّـــا بــ ـــنـــا نــ ــنــــــــــــامْ.

Notes:

  1. كالعادة، تغريدة (مرتجلة) في السرير وقت نوم (صفيّة)، وصلتْ إلى هذه الصورة النهائيّة بعد ثلاثة أيّام من الترداد والزيادة والإنقاص. وكانتْ البداية بعبارة (هيا إلى النـــــــــــوم) التي يرددها أخي (مؤمن) للأطفال بطريقة تجعلهم يغرقون في النوم بعد دقائق (إما طريقتي لم تكن ناجحة أو أن بنتي غير بقية الأطفال! لأن عبارته السحرية لم تعمل معها)، ثمّ صرنا نعدّد كلّ (الكائنات) التي تحبّها صفية ونقول إنها ذهبت للنوم. ثمّ كانت هذه التغريدة. وصارت كلما أوَينا إلى الفراش، تقرأ (باسمك ربّي) ثمّ (الفاتحة) ثم ننشد هذه التغريدة معًا.

أخبرني يا جدّي عن الجنّة

أخبرني يا جدّي.. كيف تبدو الجنّة؟
أخبرني بلغتكَ الشعريّة التي ورثتُها عنك، وإن كانتْ ستقصر عن وصفها، لكن علّ شيئا من رائحة/نكهة/لون سحريّ/ بعض راحةٍ لا محدودة.. يصلني.

هل تَرانا روحكَ يا جدّي؟ هل ترى هؤلاء الأحفاد والحفيدات الذين صاروا شعراء مثلك؟
يفكّرون: لو كان (جدّي) هنا، هل سيعجبه هذا أم هذا أكثر؟

أخبرني يا جدّي، كيف وصلتَ إلى الجنّة.. أخبرني كم كانتْ الطريق طويلة وصعبة.. لأعرف كم عليّ أن أجتاز بعد.