Tag Archives: جدّتي

نانا

(نانا)؛ بحثتُ منذ عام عن مصدر هذه الكلمة الموجودة في لهجتنا، حتّى وجدتُها في القاموس الإنجليزيّ، يقول: نانا هي الجدّة أو من تقوم مقامها كمربيّة.
هكذا باختصار يقول القاموس عنكِ: مصدر التربية التي يختلط فيها الحزم بالحنان والمحبّة والعطف. لا تُقال للأمّ لأنّ الأمّ لا تمتلك هدوء وحكمة الجدّة، ولا تُقال للمعلّمة لأنّها لا تملك محبّة وحنان الجدّة، هي لكِ أنتِ فقط. كلمة خفيفة لطيفة عذبة سريعة تلخّص كلّ مشاعرنا:
نانا.. نهرب إليكِ من عقوبة ماما، نانا.. تعطينا الحلوى بدون حدود، نانا.. تجعل المبيت الجماعيّ في دارها مسموحًا بل وواجبًا، نانا.. آخر من يجلس إلى مائدة الطعام لأنّها تريد أن تتأكّد بنفسها من وجود كلّ شيءٍ واكتمال السفرة.
نانا من المستحيل أن تطلب من أحدنا أن ينهض ويحضر لها الملح أو كوب الماء المليء بالثلج.. تنهض بصمت لتحضره بنفسها.
نانا هي التي تتولّى شواء اللحم مهما كانت درجة الحرارة، ولو حدث وتنازلتْ عن العمليّة لا بدّ أن تجلس للمراقبة والملاحظة.
نانا لا تقبل أن يسيء البشر لأيّ كائن حيّ: لا تقبل ترويع طائر، ولا طرد قطّة، ولا قطع نبتة. Continue reading

قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ..
وسمعتُ صوت ضحكٍ وسعالٍ وأحاديث من الشارع، أشخاصٌ يمشون.. ألقيتُ نظرةً على الغرفة المعتمة إلا من ضوء الشارع الأبيض البعيد، الخزانة الخشبيّة، نور الساعة الإلكترونيّة، صوتُ حفيفِ الشجر ونفخُ الريح كلُهاثٍ ضجِر، كلّ شيءٍ في مكانه تمامًا.. أنا فقط؛ لستُ هنا.

العتمة الجزئيّة قالتْ لي إنّ مصراع النافذة خشبيٌّ مطليٌّ باللون البنّي، وإنّ الأصوات التي سمعتُها تأتي من الطابق السفليّ حيث يجتمعون، وإنّ هذا هو أيلول الذي لا يُمطر ولذلك أحسّ الرطوبةَ الثقيلةَ المنعشةَ معًا، وإنّ الشجر الذي أسمع حفيفه هو السّرْوُ في الحديقة الشرقيّة، وإنّي لو التفتُّ قليلا تجاه النافذة على مهلٍ فسأرى البومة التي تقف هنالك بعينيها الكبيرتين.
قالتْ العتمة أيضًا إنّ هذه فرصتي كي أنهض وأفتح مصراع الشرفة التي لا يجلس فيها أحدٌ إلا نادرًا، وآخذ نفَسًا عميقًا من الوحدة والهدوء والسكينة، وأنا أنظر إلى شرفة منزل أهلي في البناية المقابلة، منزلهم الذي لا أعرفه لأنّ عُصبة السُّرّاق التي سرقتْ الوطن كلّه؛ اغتصبتْ بالجُملة حقّ ملكيّته من قبل أن أُوجد في الحياة.
قالتْ العتمة إنّي لو أغمضتُ عينيّ أكثر قليلا سأكون هنالك زمنًا أطول، وسأحفظ تفاصيل أكثر، قد أتذكّر مثلا عدد الأدراج في الخزانة الخشبيّة عند باب الغرفة، تلك الخزانة التي كنتُ أفتح دُرجها الأوّلَ خِلسةً من جدّتي وأتفرّج على أمشاط الشعر.. لعلّني أنتقي مرّة أخرى مشطًا مزهّرًا كذاكَ الذي أعطتنْي إيّاه.
قالتْ لي العتمة أشياءَ كثيرة؛ ولم تنتبه إلى دمعي الذي راح يقطر تِباعًا بصمتٍ كصنبورٍ ينقُط على منشفة. ولم ترَ السؤال الذي ارتسم في الفضاء:
“ما هي الحقيقة التي كانتْ؟ وما هي الحقيقة التي ستأتي؟ أيّهما أفضل لي: أن أتذكّر أو أنسى؟ من يقرّر ذلك إذا كنتُ لا أعرف كيف أقرِّرُه؟ ولماذا.. لماذا نصرّ على استِجْلاب ما يُثير أحزانَنا الكامدة؟”

أغلقتُ النافذة، وأغلقتُ المِصراع الكهربائيّ مانعةً آخرَ بصيصِ نورٍ من التسلّل، قلبتُ وسادتي وجعلتُ المبتلّ منها بعيدًا عن وجهي، تشرنقتُ بلحافي.. وتلوتُ أذكاري، وتأكّدتُ من إغلاق عينيّ جيّدًا.

الآن أنام.. أنام كجنينٍ في رحم أمّه.. يرفس بقدمه متعجّلا الخروج، يريد أن يعرف ما وراء العتمة، ولا يدرك أنّ تلك المعرفة ستأخذ منه حياةً كاملة!

مثل جدّتي

حين أتأمّل جدّتي؛ أبكي بهدوءٍ وسلاسة. جدّتي هي كلّ شيء جميلٍ.. انطفأ فجأة.
اليوم سألتْني: أين أنا؟ لماذا أنا هنا؟
وسألتْني أيضًا: وينا أختك؟
عرفتُ أنّها تعتقدني إحدى خالاتي أو أمّي. فرحتُ أعدّ لها أسماء خالاتي وأنا أسألها أيّة واحدة تقصدين؟
لكنّي لم أذكر لها خالتاي كميلة ونبيلة المتوفّتان. ولم تجبني.. وذهب السؤال.

جلستُ بضع مرّات لأطعمها لتستطيع أمّي أن تقضي شأنًا من شؤونها. مرّةً كنتُ أطعمها من صحن (الشوفان بالحليب)، وكعادتها رغم غياب وعيها معظم الوقت.. ما زالتْ تميّز الأطفال. وراحتْ تنادي ابنتي سميّة التي لم تكن أتمّتْ عامها الثاني بعد: تاعي.. تاعي.. تاعي.. ثمّ التفتَتْ إليّ: از.. از.. ازعقيلا تاكل.
فما كان منّي إلا أن أطرقتُ وراح دمعي يسحّ على وجهي بصمت.. كان عسيرًا عليّ أن أسمع جدّتي القويّة تتلكّأ في الكلام وتفتّش عن المفردات.

الشيء الوحيد الذي كان يسرّي عنّي حين أراها في حالها تلك؛ أنّها صارتْ تحبّ البنات!
جدّتي التي كان عمرها قريب المئة عند وفاتها؛ نشأتْ كما غيرها من نساء عصرها على تقديس الرجل، واعتبار (همّ البنات للممات). ورغم أنّها تغيّرتْ كثيرًا على زمننا نحن الحفيدات، ورغم فرحها برؤيتنا نحصّل الدرجات العالية في المراحل الجامعيّة، إلا أنّ فرحتها كانتْ دائمًا أكثر ظهورًا وأكبر بتحصيل الأحفاد الذكور. ورغم علمي بأنّ هذا ما تربّت عليه وأنه ليس تصرّفًا مقصودًا، لكنّه لطالما حزّ في نفسي. حتى إنّني عندما رزقتُ بابنتي الأولى.. كان أوّل ما تمنّته لي أن أرزق بصبيّ بعدها.. فانكسرتْ الفرحة في قلبي، لم تكن تعلم كيف قضيتُ شهور حملي كلها أدعو كلّ ليلة أن يكون الجنين بنتًا. ببساطة.. كان الصبيّ بالنسبة لها عزًّا، والبنت همًّا.
كانتْ في كامل وعيها آنذاك.

في الصيف الأخير، بدا لي أنّها أدركتْ أخيرًا أنّ للبنات فائدة، وإن لم تكن في وقتها تعرف من أنا. لكنّها كانتْ تنادي أمّي بكلمة (يوم) بدل (بنتي). ربّما كان اللاوعي داخلها يعترف أنّ الابنة تكبر لتصير أمًّا لأمّها المتعَبة. وربّما كان ذلك النداء هو الأسهل على ذاكرة لم تعد تعثر على المفردات داخلها لأنّها مشغولة بالبحث عن درجات البيت، وعريشة الياسمين.. وجدّي.

مسكينٌ من لم يكن في حياته امرأةٌ مثل جدّتي.