Tag Archives: جنون

ليس الآن.

“وأنتَ ما زلتَ تتكلّم. والآن بدأ النزق يكسو ملامحكَ متّهمًا إيّاي بأنّي لا أنصت. كيف سأقول لكَ أن تسكت.. لطفًا؟. هل ستقبل ذلك لو طلبتُه منك؟! كيف أقول لكَ إنّ حديثكَ ممتع ولكن ليس الآن؟ وكيف سأخبركَ عن أولئك الذين (يتكلّمون) داخل رأسي ولا يريدون أن (يخرسوا) قليلا، دون أن تظنّ بي جنونًا؟!!
أو عن (هُم) الذين قضوا عدّة ليالٍ سابقةٍ (يتمشّون) في أحلامي ويسهرون وتعلو أصواتهم، حتى أنهض قُبيل الفجر برأسٍ مليءٍ بالخطوات، والكلمات، والمشاكل والنزاعات؟!
لن تصدّقني. أعني إنّكَ لن تصدّق ألا علاقة لي بوجودهم في رأسي، وأنّي لا أملك إخراجهم منه، وألا سلطة لي عليهم وهم داخله! Continue reading

أريد ألملمَني

أريد أن ألملم نفسي وأضع شتات (أنا)يَ في صندوقٍ واحدٍ أغلقه بعض الوقت. صندوقٍ عاديّ جدًّا لا يقف في طريق أحد، ولا يتعثّر به أحد، ولا يستثقل وجودَه أحد، والأهمّ.. ألا يحتاجَه أحد.
أحتاج أن تبقى مفاصلَه ساكنةً لفترة. ألا يتهشّم مزلاجه من كثرة الفتح والغلق. ألا يعتبرَه أحدٌ كرسيًّا لِمَدّ الساقَين! أو طاولةً لصينيّة الشاي! ألا يغطّيه أحدٌ بمفرشٍ ملوّنٍ كثير النقوش. ألا يتعرّض للطلاء أو التشميع أو التزييت. وألا يكون له قفل مُحكَم، ولا مفتاح. إنّ الأقفال والمفاتيح لا تحبّني، ولا أحبّها. أثق بأنّ الآخرين يجيدون الاستئذان. أريد أن أضعـ(ني) في مجرّد صندوقٍ عاديٍّ مهمَل.

أريد أن أحزن بعض الوقت بلا بهرجة ولا مشاركة، ولا تعليقات ولا تعقيبات ولا مناقشات ولا مهاترات. لقد جُنّ العالم تمامًا. جُنّ العالم.. إنّه لا يسكت ولا لحظة واحدة، ويجبرنا على الكلام حين نختار الصمت.
ماذا حلّ بـ: السكوت من ذهب؟!

أريد لحظةً أتعب فيها.. وحدي. وأشتكي لي، وأتّكئ عليّ، دون هاجس.
أريد أن أهوي دون تفكير في الاصطدام، لا أن أحلّق.. لا. ولا أريد الهبوط بمظلّة، حينها عليّ أن أحسب المسافة اللازمة لفتحها.
أريد لتلك الثواني المعدودة القصيرة من لحظة القفز وحتى ملامسة الماء؛ أن تطول..كفِلم بطيء. ولا أريد أن أهوي في الماء، حينها عليّ أن أفكّر في الطفو سريعًا والتقاط أنفاسي.
ولا أريد أن أهوي على سطحٍ مطّاطي، لا أريد أن أرتدّ كالطابة المجنونة!

أريد تلك اللحظة التي وقعتْ فيها (أليس) في جحر الأرنب، وصارتْ تهوي في الفراغ، وترى أشياء لا علاقة لها بها.. ولا تشعر بشيء تجاهها.. تهوي ولا تحسب الزمن اللازم للوصول، ولا الكتلة، ولا مقدار الدفع، ولا السرعة المطلوبة.. كانتْ تشعر بالفراغ وحسب، وكانتْ هادئةً جدًّا.. جدًّا.. أكثر بكثيرٍ ممّا يحتمله الموقف. كانتْ هادئةً تمامًا.. كشيءٍ معبّأٍ في صندوق.
تقريبًا؛ كانتْ ميّتة. وهكذا.. كان يحقّ لها أن تصمت، وألا يطالبها أحدٌ بالكلام، وألا تربت كتفَ أحد، وألا ترفُوَ جرحَ أحد، وألا يتعلّق بأطرافها أحد.. وألا تفكّر في أحد.
وللحظاتٍ كانتْ زمن غفوها وحلُمَها وقصّتَها كلّها..
للحظاتٍ، لم يفكّر فيها أحد، ولم يكن عليها أن تسمع ضجيج الحياة.

هدوء.