كبّ الزبالة وانت طالع

منذ شهرين تقريبا، أرى جارتي الألمانيةّ الستّينيّة التي تكبر زوجها ببضعة أعوام، تصحبه لجلسة العلاج الفيزيائي بشكل يوميّ وقت الظهيرة. متزوّجان منذ عقدين ربّما، ولم ينجبا.
بدأت الحكاية في أكتوبر العام الماضي عندما فوجئنا بسيارة إسعاف تقف أمام المنزل، وعرفنا أنّ الجار أصيب بأزمة قلبية. بمرور الأيام، انتبهتُ أنّي لم أعد أراه صباحا وقت خروجه للعمل الذي يصادف خروجي مع البنات إلى المدرسة، وبعدها رأيتُ زوجته وهي تمشي قرب البيت فاستوقفتُها وسألتُها، وعرفتُ منها أنّها الأزمة القلبية الثانية التي يتعرّض لها، وأنّ الأولى كانت قبل عام مضى، وأنّه باق في المشفى الآن تحت المراقبة لإجراء عملية تبديل صمّام القلب له. سالتُها عن موعد عودته المتوقّع فقالتْ: آمل أن يكون في عطلة رأس السنة. تمنّيتُ له الشفاء العاجل، وقلتُ لها ألا تتردّد في طلب أيّ شيء إن احتاجتْ إلى مساعدة أو حتى رفقة مسلية. بالطبع كان هذا أقصى عرض يمكن أن أقدّمه، فالألمان عموما رسميّون جدا في تعاملاتهم، والودّ الزائد من الجارة المحجّبة مخيف. مرّ رأس السنة ولم يعد الجار للبيت، سألتُها مرّة أخرى عن أخباره، فقالتْ ربّما يعود عند إجازة الفصح. أخبرتُ زوجي أن يسأل عنه أيضا بالتفصيل إذا صادفها، وبالفعل.. عرف منها أنّ العملية نجحت ولكن من مضاعفاتها أنّه تعرّض لجلطة أثّرتْ على وظائف الدماغ، بالتالي تأثّر نظره وحركة أطرافه وكلامه، ويحتاج تأهيلا ليغادر المصحّة. مرّت الأسابيع وفي الصيف عاد الزوج إلى البيت، يمشي مستنداً إلى تلك العربة ذات العجلات، ويتحرّك ببطء شديد، لكنّه كان بكامل وعيه، وكان يتكلّم بمنطق سليم، حتّى إنه استلم مرّة طرداً بريدياً لي أثناء غيابي عن البيت، وحين ذهبتُ لأخذ الطرد، كانتْ فرصة لأراه وأسلّم عليه، وأعرف أنّه تحسّن كثيرا.

نأتي الآن للمفيد: كانت للزوج وظيفة ممتازة وللزوجة كذلك، وكلّ منهما لديه سيّارته الخاصّة. عندما طالتْ غيبة الزوج في المشفى، باعتْ الزوجة سيّارتها لأنّها أدركتْ أنّه لن يعود للوظيفة ولا القيادة لفترة طويلة -ربما بقية حياته-، وأبقتْ على سيّارته رغم أنها أكبر وصعبة القيادة بالنسبة لها. ثمّ تكلّمت مع إدارة العمل وسمحوا لها بالعمل من البيت لترعى زوجها. خلال أيام الأسبوع، لا أراها تخرج إلا لأخذه لجلسة العلاج اليومية، وليس لديهم زوّار. تبقى معه طيلة الوقت في البيت، وكذلك الأمر لا يتغيّر في نهاية الأسبوع. خرجتْ مرّة أو مرّتين لتكنس ورق الخريف وتجمعه، وبعد ذلك، كنّا نتناوب أنا وجارتنا في الطرف الآخر على كنس الممرّ أمام بيتها.
حتى حديقة البيت الخلفية، صارتْ مهملة تماما، لأنّها كانتْ تعتمد على زوجها لتنظيفها والعمل فيها. النوافذ معظم الوقت مغلقة، ورغم ذلك، حين أراهما صدفة خارجين، وأسلّم، تكون ابتسامتهما مشعّة. أعتقد أنّها تحلق له لحيته كلّ يوم، لأنّه لا يستطيع ذلك الآن بسبب ارتجاف يديه. شعره وهندامه دائماً مرتّبين، وحين يخرج من البيت ليركب السيّارة، قد يستغرق الأمر أحيانا عشر دقائق كاملة، لكن لم أرَ أو أسمع منها أيّ شيء يدلّ على العصبية أو نفاد الصبر. باختصار.. أرى زوجين سعيدين، يتصرّفان بتلقائيّة وصبر مع الوضع الذي فُرِض عليهما، ولا يهتمّان لشيء طالما هما معاً. هذه الجارة ليستْ متديّنة بأيّ دين، ولا أعرف إن كانتْ تؤمن بالإله.

خلصتْ النسخة الأجنبية؟ نقلب القناة الآن إلى البرنامج العربي.. تفضّلوا!

نموذج أعرفه عن قرب، أكثر مما أعرف جارتي، الزوج صار في الثمانين، والزوجة في أوّل السبعين، مسلمين، ومظاهر الالتزام واضحة. ورغم طول معرفتي بهما، لم أسمع الزوجة قالت يوما كلمة طيبة عن زوجها، لا بحضوره ولا غيبته، ولا يهمّها من الذي يسمع، وكيف يفهم. تعيش دور الضحيّة طيلة الوقت، حتّى عندما يكون هو المصاب! فمثلا، لو وقع له حادث، تأتي لتطمئنّ عليه وهي تلومه بأنّه محبّ للمشاكل ويتصرّف كالمراهقين، وتبدأ في تقريعه حتى يوبّخها ويسمعها كلاما جارحا فتبدأ في ندب حظها الذي أوقعها مع زوج مثله! أو يمرض، ويذهب للمشفى، فتقضي وقتها وهي تحاول التملّص من زيارته، ولا تحتمل الجلوس جواره أكثر من عشر دقائق، ولو استنكر أحدهم ذلك عليها، بدأتْ في التعلّل: تصيبني الدوخة من رائحة المشافي، أكره جو المرض.. إلخ. فإن قيل لها: وهل مرض بكيفه؟ اجلسي معه سلّيه وسرّي عنه. فتصيح: هو أصلا لا يتكلم معي وليس بحاجتي، يضع الهاتف في أذنه وفي يده ويتكلم طيلة الوقت.
مهما حاولتَ معها، فإنها تملك حجّة تردّ بها. لكنّ العكس لا يحدث. هو يقلق عليها طيلة الوقت، ويتّصل بأبنائه ليقول لهم هاتوا لأمكم كذا، أو اتصلوا بها لأنها مريضة اليوم. وهي لا تفعل ذلك أبدا! المهم هي فقط، إنها مركز كونه، وهو سبب مأساة حياتها التي لا أعرف ما هي! فهي لا تعاني من أيّ مرض خطير ولا مستديم، بينما هو لديه بضع إصابات جسدية يفترض بها أن تعيق حركته، لكنه يقاومها. لم تكوِ له قميصا، ولم تعدّ له طبقاً بالطريقة التي يحبّها، ولم تشترِ له شيئا لأنها تذكّرت أنّه يشتهيه. أبدا، لم تقل له يوما: الله يرزقك! الله يسلّم إيديك! والحجّة الحاضرة دائماً: أنّه عدوّ الكلمة الطيبة وعدوّ الجمال.

هذا نموذج، وذلك نموذج. وبينهما يحضرني الحديث الشريف: “يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ” رواه البخاري.
والحقّ يُقال، لم أكن أقف عند فكرة (كفر العشير) هذه كثيرا، حتى استجدّتْ أشياء قبل بضعة أشهر، جعلتْني أعيد النظر والتفكير: علاقة جارتي بزوجها، علاقة هذه المرأة بزوجها، وعلاقة بعض الأقارب الذين مررتُ بهم في الصيف بأزواجهم. كلّ هذه مجتمعة جعلتْني أقف وأفكّر: كيف يحدث هذا الكفر؟، ” لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطّ”، ولكنّها ليستْ الطريقة الوحيدة، فالكثيرات لا يقلن هذا، ولكن..
أليس التشنيع على الزوج من كفر العِشرة؟ أليس البخل بالشكر، والدعاء له من كفر العشرة؟، لا علاقة لهذا للنقاش في قضيّة معيّنة، أو حالة من الزعل أو شعور عابر بالإرهاق أو الضيق، أو التنازل عن الحقوق أو أداء الواجبات، هذه ليستْ (العِشرة). تصليح الباب المكسور منذ عام، والجوارب الوسخة التي تجلس في أفضل مكان في غرفة الجلوس، والطعام الذي يبقى على المائدة لليوم التالي لو كنتِ متعبة وذهبتِ للنوم قبله، والغسيل الذي يتراكم ولا يفكّر يوماً أن يغسله بدلا منكِ لو كنتِ متعبة، والقمامة التي بقيتْ وراء الباب ولم يُخرجها، هذا ليس سوء عِشرة منه، بل هو سوء تصرّف منكِ لأنّكِ لم تطلبي ذلك بوضوح وأسلوب جيّد.
عشرته لك أنّه يذهب لتحصيل المال كلّ يوم، قلتُ لزوجي: لا أعرف فعلا كيف تطيق عملك، لو أنّي سأرى نفس الأشخاص لثماني ساعات يوميّا طيلة أعوام، لجننت! لو أنّي سأجلس على الكرسي أربع ساعات متواصلة أتحادث مع الحاسوب لطقّ عقلي حرفيا!. اليس هذا مجهودا يستحقّ الشكر عليه؟ يستحقّ أن يجد لو مرّة في الأسبوع، وجبة يحبّها دون أن يطلبها؟ قمصانا مكويّة لأنّك لا تقبلين أن يخرج بمظهر رديء؟ حذاءً نظيفاً؟ معطفاً معطّرا بدلا من الروائح المختلفة التي تفوح منه؟. ألا يستحقّ كلمة: يعطيك العافية، عند رجوعكم من مشوار ولو كان هذا مشوار تسوّق أغراض البيت؟ أنا أقود السيارة منذ عام ونصف، وأعرف أنّ القيادة أمر مزعج وخالٍ من المتعة، خصوصا إن كان مشوارا ضروريا، سأحبّ أن يشكرني أبنائي على توصيلهم، ولن يتعلّموا ذلك إذا لم أفعل ذلك مع أبيهم.
ألا يستحق هذا الرجل تذكّره بكلمة، أو صورة، أو تسجيلٍ صوتيّ على الواتس أب، تسألينه فيه عن أخباره مع (الملل) أثناء الدوام؟ نكتة ما؟ سؤال عن صداعه هل زال أم لا؟
لا شيء من هذه الأعمال يذهب بلا معنى، لأنّ الرجل الحقيقيّ، يردّ لكِ الجميل فورا. تتذكّرينه بمكالمة، فيأتي في اليوم نفسه وقد أحضر لكِ شيئا يعرف أنّكِ تحبّينه. لا علاقة لهذا بالباب المكسور منذ عام، فلا تخلطي الأمور ببعضها.

قبل أن تلوميه وتشنّعي عليه، تذكّري:
أوّلا، هذا الرجل الذي تصنعينه أنتِ بتعاملكِ اليوم، هو الذي سيبقى معكِ ثلاثين أو أربعين عاماً قادمة.
ثانيا، الحقوق والواجبات معروفة ويمكن التفاهم عليها بوضوح، ولا علاقة لها بأفعال الوِدّ والبرّ والمحبّة.
ثالثا، وأخيرا.. إذا كانت الابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، على الغرباء، ولم نسمع عن إحسان وُضع لكريم فردّه بإساءة، فكيف بأجر هذه الصدقة على زوجك؟ وهل تزوّجتِ لئيماً؟


قراءة في رواية: ظلّ الريح.


ظل الريح: كارلوس زافون.
حسنا،من الرائع أن كانت عودتي للقراءة الطويلة الثقيلة مع هذه الرواية. سأحاول تلخيص عرضي لها في نقاط:
أولا:الترجمة الرائعة. وكلمة رائعة لا تفي هذا المترجم الشاب حقه.تجدون سيرته الذاتية في نهاية الرواية. أتمنى أنه تلقى أجرا ماديا كافيا على هذا الجهد. أسعدني خلوّ الترجمة التي فاقت الخمسمئة صفحة من أخطاء النحو واللغة اللهم إلا بضعةً لم تصل إلى العشرة وأظنّها نتيجة السرعة. ما أصعب الترجمة الأدبية خصوصا حين تحوي الرواية كلمات شعبية ونكاتا وحسّ فكاهة ورمزية..وكانت هذه الرواية تحوي هذا كله. فشكرا عميقا للمترجم (معاوية عبد المجيد).
ثانيا: كانت الحبكة متوقعة وخالية من المفاجآت بالنسبة لي: ففي الصفحة مئة وعشرين تقريبا عرفت أن الشخص الذي يقوم بحرق الكتب هو الكاتب نفسه وإن كان السبب في ظني بداية يعود إلى عدم شهرتها فحقد على موهبته. ترابط الشخصيات بعد ذلك كانت متوقعا في كثير من مراحله أيضا.فإما إنني شخص فقد قدرته على التفاجؤ من كثرة ما شاهد في الحقيقة،وإما إنني صرت ملولا فعلا ولا أطيق التكرار. وأظنني كليهما معا.
ثالثا: العالم مكان قذر ومخيف وبغيض وظالم في كل بقعة منه: هذه خلاصة الرواية، وهي حقيقة فعلا.
رابعا: (من أفكار الرواية) يلجأ الناس للتدين الصوفي الزائف عندما تهجم عليهم المادية البحتة ويقعون في الذلّ بسبب ذلك النوع من التديّن الذي يجسّد المثل الشعبيّ (بمشي الحيط الحيط وبقول يا ربّي السترة) بدلا من إيجاد القوة على قول الحق والدفاع عن أنفسهم. أو يتحولون إلى وحوش: الرواية تمتد بأحداثها من أيام انتهاء الحكم الملكي في أسبانيا مرورا بالحرب الأهلية وانتهاء بالجمهورية. الأفكار الاشتراكية نفسها..أكاد أشم رائحة حزب البعث وسجن تدمر وصوت المساعد جميل بين الصفحات! لو اختلفت الأسماء فالعار واحد والقذارة واحدة والحقارة واحدة والذلّ واحد وطرق التعذيب واحدة ومصطلحات الكفر بالربّ واحدة وكأنها أنماطٌ شخصية يقومون باستنساخها في كلّ مكان وزمان!
خامسا: (من أفكار الرواية) الحب الحقيقي ينتهي بالزواج وتكوين أسرة: عرض الكاتب هذه الحقيقة على طول الصفحات. لا يوجد حبّ بلا التزام. والالتزام الحقيقي هو الزواج، وحبّ الآباء لأبنائهم هو أعظم حب. أشكره كثيرا على تأكيد هذه الحقيقة. أبكاني تذكّر دانيال ليتمه من جهة الأم في أكثر من موضع.لكن أبكاني أكثر عجزه عن التعبير لأبيه عن حبّه وكسر الحاجز إلا نادرا.
سادسا: (من أفكار الرواية) الخطيئة يغفرها الرب ولا يغفرها البشر بعقولهم القاصرة: البشر يحقدون ولهذا لا يغفرون. والله جلّ جلاله يغفر ويعلّمهم طريقة الغفران لإكمال الحياة بطريق طبيعيّ وسعيد ولكنّهم يرفضون، وكأنّهم ينصّبون أنفسهم آلهة فوق حكم الإله!
سابعا: (من أفكار الرواية) إن كنتَ تعتقد أنّك مكتئب أو تعِبٌ أن تعِس فهنالك دومًا من هو أشقى منك: وهذا الأشقى هو في الغالب شخصٌ لم يعرف كيف يستخدم عقله وضميره معًا. الدين درعٌ نفسيٌّ عظيم نسيء استخدامه في حياتنا طيلة الوقت. من وجد طريقه إلى الله كان أسعد الناس.
ثامنا: (من أفكار الرواية) أولئك الذين تحتقرهم لأنهم يسكرون ويرتادون أماكن مشبوهة، لديهم أسباب لذلك لا علاقة لها بالشرّ والطغيان، الطغاة هم الذين يحملون الأسلحة ويقتلون. أمّا من تقول عنهم (فاسقين) ومعربدين فأولئك ضائعون اشمئزّ منهم أمثالك (الفضلاء) فازداد ضياعهم وازداد إصرارهم على الفسوق. لا تتكبّر عليهم، فأنت لا تعرف ما الذي قد يفقدك عقلك أو إيمانك أو كليهما.
تاسعا: (من أفكار الرواية) اتبع أحلامك حتى لو بدتْ لك مستحيلة، طالما هي أحلام شريفة سامية. و… نعم، الروايات والكتابة الأدبية لا تطعم خبزا :) وقد تقتلك بمعنى الكلمة! صحيح أنّ الكتابة قد تفعل ذلك بك، لكنّ كلماتك ستعيش في روح شخص واحد آخر على الأقل، فأحسِن انتقاءها ولا تهدرها، وربّما فكّر أن تحرقها، وأن تبقي نسخة واحدة منها.
عاشرًا: الرواية مليئة بكلمات مخلّة بالأدب، مع أنّ المترجم قام مشكورا بوضع نقاط بدل بعض المفردات، لكنّ الرواية تتحدّث عن بيئة إسبانية في عام 1950 تقريبا، لكنّها موجودة في سورية مذ عرفتُها وحتى الآن. لذلك هذا تنويه فقط لمن تزعجه مثل هذه المفردات: إذا كنتَ قد قرأتَ نهاية رجل شجاع فيمكنك قراءة هذه.

اقتباسات من الرواية:
ص 39: قالتْ كلارا الكفيفة لدانيال:”لقد علّمني ذلك الكتاب أنّ القراءة تمنحني فرصة العيش بكثافة أكبر وأنني قادرة على الإبصار بفضلها”
ص 43: دانيال الطفل متحدّثا عن قلم فكتور هوغو:”وكنتُ في سرّي واثقا من أن تلك المعجزة قادرة على كتابة أيّ شيء، من رواية إلى موسوعة ورسائل ليست في حاجة إلى ساعي بريد. كنتُ بريئا إلى درجة الاعتقاد بأنّ أية رسالة تُكتب بذلك القلم سوف تصل إلى وجهتها لا محالة حتّى لو كانت الوجهة ذلك المكان البعيد حيث توجد أمّي مثلما يزعم والدي”.
ص46: حوار بين دانيال وأبيه عن أمّه المتوفّاة، يدلّ على إيمان أبيه الفطريّ رغم عدم مارسته لأيّ نوع من العبادات: * أنا أريد أن أكتب رسالة لأمّي كي لا تشعر بالوحدة!
يردّ والدي هادئ الأعصاب: “أمّك ليست وحدها يا دانيال، إنها برفقة الله وتعلم بأننا قريبان منها حتى لو لم نكن نراها”.
ص 63: “بمعنى آخر، كنتُ أكرهه بكلّ احترام، وكان شعور الاحتقار متبادلا”.
ص106: “لا رجل يفقه شيئا في النساء، بما فيهم فرويد. حتى النساء يجهلن أنفسهنّ. لكن الأمر يشبه الدارة الكهربائية: ما من داع لتصعقك حتى تفهم كيف تعمل!”
ص180: المعلّم يتكلّم:”يا إلهي إنّهم قردة! في الصف ليس عندي سوى القردة. داروين كان متوهّما، صدّقني، أيّ تطوّر وارتقاء يا رجل! لو استخدم المرء دماغه لكان عليه أن يحارب جيشا من القردة بمفرده.”
ص212: متحدّثا عن الحبّ: “انظر يا دانيال، إنّ الأمر يشبه اضطراب المعدة قليلا. يعطي تنبيها بالإعياء هنا، على رأس المعدة. هل كان شعورك أنكَ ابتلعت قرميدة أم بارتفاع الحرارة فقط؟”
“أميل إلى القرميدة!” :box:
“فالمسألة جدّيّة إذن! أعانك الله”.
ص257: متحدّثا عن نزاهة الكنيسة: ” إن لم يخنّي فرويد فهذا يعني أنّ الأب فرناندو أدخل هدفا في مرمانا”
* لكنّه بدا لي شخصا نزيها.
“ولي أيضا. لكنهم يوفدون الرهبان الصادقين في مهمات بعيدة حيث ينهشهم البعوض وأسماك البارانيا. لكن.. لو كان دجّالا لترقّى في الأسقفية، بدل أن يعطي دروس الحساب واللاتينية، ولكان له مكتب يليق بالكرادلة ومليء بسكاكر اللون لتحلية القهوة”.
ص336: وجدتُ والدي غافيا على الأريكة وكتابه المفضّل في حضنه، نظرتُ إليه: كان يتقدّم في السنّ وجلد وجنتيه يرتخي. في الماضي كان يبدو ذا عزم لا يلين، أما الآن فيبدو رجلا محطّما دون أن يعي ذلك. غطّيتُه بلحاف وقبّلتُ جبينه كي أحميه من الأفكار السيّئة التي تحاول إبعاده عنّي وعن ذكرياتي. كنتُ أودّ أن تخدع تلك القبلة الزمن وتجبره على التوقّف والعودة بنا إلى يوم آخر وإلى حياة أخرى.
ص 360: عندما حكى فيرمين لدانيال كيف عذّبه المحقّق بالأسيد الحارق وهو معلّق من قدميه ليدلي بأسماء رفاقه الضبّاط.
ص480: الأسطر الأخيرة من مذكّرة نوريا:نحن نستمرّ في الحياة في ذاكرة من يحبّنا. أشعر بأنّني أعرفك وأنّني أثق فيك، اذكرني دوما يا دانيال حتى لو في سرّك.. في إحدى زوايا قلبك. حافظ عليّ في قلبك إلى الأبد.

أتمنّى لكم وقتا ممتعا في صحبة الرواية.


المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف!

فجأة، جاءتْ إليّ سميّة بسرعة ووقفتْ وسألتني بجدّيّة:
ماما.. آآ.. ليش هيك هداك الـ Herz (القلب) الـ.. اللي الله ما بحبّه، لونه Dunkel (داكن)؟
– أي قلب؟!
بشيء من العصبية لأنّي لم أفهم فورًا:
يعني هداااك القلب المكسور!
توقّفتُ لحظات ثمّ تذكّرت:
– آهااا قصدك قلب الكافر في البطاقات؟ Continue reading