ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ

أنهيتُها منذ شهر، وأجّلتُ نشرها لعلّ شيئا يزيد|ينقص.. لكنّ القصائد تكتب نفسها، وتستخدمنا فقط للتدوين.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
وأنا أخطو
بحذاءٍ صيفيٍّ واطئْ
وعلى غيرِ العادةِ أحملُ (شمسيّة)
إنّي..
في درب ذهابي،
لا أرغب أن أبتلّْ..
لكنّي حينَ العودةِ أغرقُ دومًا
في دمعي.

في دربِ ذهابي لا أبكي
أدري أنّي عائدةٌ،
وإذا لم أرجِعْ
يكفيني أن أقضيَ في مسقط رأسي.

أحيانًا أبكي ليَقيني
أنّ العودةَ أصعبُ ما في الرحلة.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
تأخذني لشتاءِ (رياضٍ)
في يومٍ (سحًّا غدَقا)؛
رائحةُ ترابٍ مبلولٍ تلفحهُ
رائحةُ (الفِتْنة)،
من عشرةِ أعوامٍ أوْ
خمسةَ عشْرة
لا أدري..
أشعر أنّي أسقط من ذاكرتي.

رائحةُ الطينِ الأحمر في (حلبٍ)،
رائحةُ الليلِ الأوّلِ من بعدِ غيابْ
رائحةُ الدربِ الْمُمتدِّ بقربِ الجامعْ
بيّاعُ السّوسْ
رائحةُ الصّابونِ المُنعشِ بالدُرّاقْ
رائحةُ (دْرِيرة)
تنبعثُ من الأغراضِ المصْفُوفةِ في (سحّابة نانا).

ضوضاءُ الشارع والمطرُ
تأخذُني للدربِ المظلمِ في رأس الحارة
شجرٌ من جَنْبيهِ
وأعمدةُ النورِ المكسورة
تُعطي للمشهدِ.. رائحةً!

للعتمةِ في بلدي؛
رائحةٌ
لا تُنسى.

في درب ذهابي؛ لا أرغب أن أبتلّْ.
لكنّي في دربِ العودةِ أغرقُ دمعًا..
أبكي وكأنّي لم أبكِ دُهورًا
أبكي أكثرَ من غيمةِ يومٍ هامبورغيٍّ معتادٍ
من كلّ خريفْ
أبكي أكثرَ من شلالٍ لم ينضبْ
منذُ عقودْ

أبكي؛ كلَّ الأشياءِ الـْ ما قلتُ ولم أفعلْ
كلَّ القبلاتِ الـْ لمْ أمنحها
أمّي..
كلَّ اللحظاتِ الـْ مرّتْ؛
لم أُلقِ بِرأسي
في حِضن أخي.

كلَّ ثوانٍ كانتْ تُخبِرُني أن أقفَ هناكْ
كي أتخلّصَ من حِمْل الذّكرى
كي أصحبَ قلبي الطفلَ الباقيَ يلعبُ في الطينْ
أبكي أنّي أتركهُ
في كلِّ الأحلام وحيدًا
يرجوني كي آخذهُ وأنسى
لكنّي أرفضْ!
محبوسًا أُبقيهِ هُناكْ
كي أعرفَ نفسي إذ أرجعْ..

كي لا أنساني.

ساق البنطال ابتلّتْ
وأنا من تحتِ (الشمسيّةِ) أرمقُ تلكَ الغيمة
ما أثقلها..

يا غيمة..
من لِبلادي يغسِلُها من حُزنِ سنينْ؟

أحملُ شمسي في قلبي،
تحميني من بردِ المطرِ
من دمعِ الغيمِ المسفوحِ بلا موعدْ
من قسوةِ يومٍ هامبورغيٍّ مُعتادٍ
في كلّ خريفْ

لا أحدٌ يُبكي الغيمةَ إذ تبكي
وأنا..
ما أكثرُ ما يُبكيني لكنّي..
أُخفي دمعي
حتّى عن دمعِ الغيم.

للدهشة
حين وصلتُ إلى بيتي؛
(كُلّي) مبتلٌّ جدًّا
إلا قدمايْ
بحذائي الصيفيّ الواطئِ
لم تبتلّا.


شعبي الحزينُ بلا بُكاءْ

ذاك الحزينْ..
ذاك الذي قد كان كِبرُهُ يمنعُهْ
أن يذرف الدمعَ السخيَّ
وثَمَّ عينٌ ترقبُهْ
عندَ القبورِ شهدتُهُ
جاثٍ.. يُردّدُ في خشوعْ:
( الشعب يبغي 1.. رأسَهُ!)
ويُرامِقُ السُّحبَ الثقالَ لعلَّها
تهوي إليه؛ فتمطرُهْ
تبكي معَهْ
تتعانق الدمعاتُ يُخفي بعضُها بعضاً
فتسترُ حزنهُ
والكبرياءَ.. ستحفظُهْ.

ذاكَ الحزينْ..
ما كدتُ ألمح وجهَهُ
حتى تذكّرتُ الملامحْ
وعرفتُ أين رأيتُه في المرةِ الأولى:
بدربٍ سائراً،
يمشي ويغمضُ عينَهُ
عن حفرة تتلقّفُهْ!
فصرختُ أرجوهُ التّيقّظَ قبل أنْ
تهوي به قدَمُ المنامِ، وسهوتُهْ..
لكنّه لم يستمعْ..
ومضى إلى جُرفٍ سحيقٍ
لا يُرى ما آخرُهْ.

اليومَ يجثو ها هنا!
ما كنتُ أحسبُ أنَّ شيئاً يوقظُهْ
من جُرفِهِ قد يُخرجُهْ!
كم كان يبدو هانئاً في قبرهِ
مستمتعاً بالموتِ لا يرجو نشوراً أو حياةً بعدهُ
ورأيتُ بعضَ رفاقهِ، فسألتُهمْ
وعرفتُ سرَّ سكوتهِ:
قطعَ الجنودُ لسانَهُ
لمّا أبى في مرّةٍ
أن يشكرَ (الملعونَ نسْلاً)
للنعائمِ والفضائلِ والجمائلْ
فتعلّم (العبدُ) الحزينُ دروسهُ
ومضى يعلّق رسمَ (ربّ الدارِ) في كلّ الأماكنْ
فتخبّئُ اللوحاتُ سجّاناً، وقضباناً،
وتعذيباً، وآلاماً وأحزاناً
ودمعاً مالحاً يكفي لغسل بلادهِ
حزناً على كلّ الذين
-برغمِ كلّ الحبِّ بين ضلوعهم-
قد هاجروا..
وتشعّبتْ بهمُ الدروبْ.

ذاكَ الحزينُ واسمهُ شعبي؛
شعبٌ له أغصانُ في كلِّ الدُّنا
كلُّ الديارِ استقبلتْهُ، وأرضهُ..
ضاقتْ بهِ!

شعبي الحزينُ؛ بلا بكاءْ
يرنو -فأرنو مثلهُ- نحوَ السماءْ
يرجو ويُلحف بالدّعاءْ
يبغي المطرْ
إذْ ليس يرضى للدموعِ بأن تُرى في عينهِ
من قبل أن يحظى بمقلة قاتلِه،
ومعذّبِهْ، ومشرّدِهْ.

شعبي الذي
ما كنتُ أحسب أن أَرى
يوماً بعُمري صحوتَهْ
فإذا بهِ
يَحيى.. ويُحيي أُمّتَهْ.

شعبي الذي لا تنحني جبهاتُهُ
إلا لمن سوّى وجَلّْ
شعبي الذي ما عاد يقبلُ
أن يُذَلّْ
والكبرياءُ بطفلهِ، وبشيخهِ،
ونسائهِ، وشبابهِ
وبطلّهِ وبوردهِ
ترجو الحياةَ كرامةً؛
أو دُونها.. يُقضى الأجلْ.

Notes:

  1. ورد في مقاييس اللغة: بغى:أحدهما طَلَب الشيء، والثاني جنسٌ من الفَساد. والمقصود هنا الطلب.

زُهيرة عاديّة جدا، ذكرتـْني ما أعجز عن نسيانه.
—–
نعم، لا أنكر ذلك، أنّ لكلّ شيء رونقه وبهجته.
أيّ أمر قد يكون كتذوّق النجاح، حلاوة ً تلو أخرى، وبهاءً تلو آخر؟
صعبٌ أن يكون له مثيل، وربما يستحيل.

لكن.. تعالي أخبركِ ما الذي يأكل قلبي قلقا،
ويملأ روحي ثقوبا ويتركها مذعورة،
تعالي إن أردتِ أن تـُصغي لصوتٍ مرتجف..
……
أرقبكِ، تكبرين، تتألقين، لكنكِ وحدكِ، وبعيدة.

نعم، تدركين أن لا أحد ولا شيء يشبهكِ، فتزدادين زهوا، لكن ..

أخاف أن تهبّ رياحٌ باردة، فتُـثلج بتلاتكِ النضِرة، أو تسلبها لونها..
أخاف يوما، إن تعبتِ، فأملتِ رأسكِ، أن لا تجدي كتفا تتلقـّاه، تسنده، تطمئنه.
……
أخبريني، وثقي أني لن أملّ تكرار السؤال:
هل يستحقّ؟ هل أنتِ مقتنعة أنه يستحقّ؟

المكان المميّز، الملحوظ، الذي يتطلع إليه الجميع بغيرة وحسدٍ ربّما.
لكنّ الحقّ يقال، زهرة واحدة لا يمكنها أن تلوّن بستانا، ولا حتى حوضا صغيرا،
قد تستوقف العابرين وتلهمهم، لكن ألن يتساءلوا كيف نمَتْ وحدها هكذا؟
أتراه تساؤلهم هذا ما يجعله مكانا مميّزا؟
……
هل يستحقّ أن تكوني أقرب إلى سمائكِ التي ترينها،
منه إلى الأرض التي تمسك جذوركِ؟

هل يستحقّ أن نفقد واحدة منا، ليس لأنّ عمرها انتهى،
بل لأنها أفضل، ولم تطق صبرا انتظارَنا،
ونحن ننمو ونتعثـّر بالبطء وبالزمن؟
……
يا تـُرى، كيف تكبر زُهيرة في الحوض دون باقي الزُهيرات؟
ألا يعني هذا أنّ شيئا ما قد دُفع منهنّ إليها..؟
ألا يعني هذا أنهنّ أحببنها، وأعطينها،
وبحاجة لأن تلتفت إليهنّ بين حين وآخر؟
……
هل يستحقّ أن تغادري أدفأ الأماكن -مكانكِ الذي في القلب-،
رغم أنه كان ليحتويكِ مهما كبرتِ؟

هل يستحقّ أن تلوّني رسومكِ بالرماديّ والأزرق الكالح والسواد،
وتنسي نكهة الأشياء، ويصير الكون حولكِ صمتا؟
……
إن كان لي أن أرجو، فأنا أرجوكِ أن تـُقسمي.. أنكِ سعيدة، وأنّ هذا ما تريدين،
وأنكِ إن احتجتِ أن تكوني بيننا أيّ وقتٍ تشائين، فستأتين ..
وأنّ هنالك من سيضْمُدُ جراحكِ لو جُرحتِ، ولو لم أكن أنا.

ففي ذلك عزاءٌ لي، أيّما عزاء..

علّ دمعي الذي يكـِفُ الآن، يجفّ ويقف،
عله لا يعود فيفجؤني كلما مررتُ بكِ،
ومضيتُ دون أن يكون أكثر من ثلاث كلمات بيننا.
……
هل ألوم؟ كلا يا حُلوتي،
فأنتِ قلتِ مرّة أن اللوم شأنٌ لا يحقّ لي، وهو مثلما قلتِ.

هل أعتب؟ وعلام العتب إن كنتِ تدركينه قبل أن أنطقه؟
……
أنا فقط أسألكِ أن تغفري لي ذنبا لا أعرفه،
ويكفيني منه أنه ما يزال يُفرغ عليّ حُزنا وسكونا.

أنا فقط أخبركِ، كم أتحسّر على قلبي الطفل ِ المرهف،
الذي يرفض أن يدرك ويصدّق، أنّ الحياة تتغيّـر،
وكلّ ما فيها يتغيّر،
حتى أنا.. حتى أنتِ.

13-1-1426
22-2-2005