ما برد الشاي

لا قيمة للساعات ولا التواريخ هنا، نحن في ذلك الجزء من العالم الذي نحسب فيه الزمن بالقذائف والصواريخ، وعدد المرّات التي نندفع فيها لنلبّي صافرة النجدة.
الرزنامة عبارة عن جداريّة موت: يوم الهجوم، يوم قصفٍ لم يتوقّف، يوم بناياتٍ عدّة سقطت دفعة واحدة، يوم أخرجتُ هذا الصغير بعد أربع ساعات من المحاولة، يوم انتشلنا خمسةً وعشرين شهيداً.. ولا ينتهي الإحصاء القاتل.

وصلتُ البيتَ أخيراً، دخلتُ، سلّمتُ، توضّأت، صلّيت، وجلست. ركضتْ إليّ الصغيرة وقد أطلقتْ أمّها سراحها أخيراً: شوي شوي على بابا.
حاولتُ أن أحضنها وهي تحاول أن تتسلّقني، مرّة من خلف ظهري فتنقلب في حجري وهي تضحك وتكركر، ومرّة تتعلّق بقميصي من أمامٍ وتدوس بقدمها الصغيرة في صدري، فتزلق وتقع على رجلي وتكرّ بالضحك مرّة أخرى حتى أضحك: اللهم صلّ عالنبي..
تردّ أمّها من المطبخ الصغير:
* هلكتني كلّ النهار الله يحميها، ما في غير تركض وتنكش خواتها، ما قدرنا نقرأ ولا حرف اليوم.
– لسّه عم تحاولي معهم؟ الله يعطيك العافية..
* إي طبعاً، بيلتهوا عن الأصوات والرعبات، وبيرجعوا شوي للوضع الطبيعي.

يرجعوا للوضع الطبيعي؟ وهل عرفنَه قبلا ليرجعن إليه؟! لقد وُلدن ثلاثتهنّ في هذا الوضع، في زمنٍ يُكتب بالدمّ على رزنامة الموت.

“باباااااا”
اندفعتْ الوسطى ترمي بنفسها عليّ: أثقل من ريشة (أختها الأصغر) ، وأخفّ من فراشة (أختها الأكبر). هكذا كنتُ أصفها دائماً.
تسأل بلهفة: – اليوم كم مرّة طلعتوا؟ لا تقول.. أنا.. أنا بقول..
تعدّ على أصابعها الصغيرة، كم مرّة سمعتْ صافرة النجدة، وكم مرّة حلّقت طائرة القصف، لتعرف كم مرّة خرجتُ اليوم لأنقذ أطفالا مثلها!
يا الله كيف تبسّط براءةُ الأطفالِ كلّ الأشياء المعقّدة، إلى بُعدين فقط: سعادة أو حزن، خسارة أو ربح. بالنسبة لها، وبميزانها الطفولي البسيط، إذا زاد العدد فهو ربح! هذا يعني أنّي (بطل)، لأنّي عملتُ كثيراً في هذا اليوم. ولكنّ هذا النوع من العمل ربحهُ خسارة! هي فقط لا تعرف.. ولا أريدها أن تعرف.

* إي يلا انتِ عدّي.. وأبتسم لها.

تجلس الكبيرة قربي بهدوئها، أضمّها إليّ وأقبّلها، تبتسم ولا تنطق. لم تنطق منذ عامين، توقّفت فجأة عن الكلام ذات يوم، صارتْ تحادثنا بالابتسامة والدمع فقط.

حضرتْ المائدة البسيطة، باسم الله. كنتُ آكل منتبهاً إلى كلّ واحدة: زوجتي التي لم ترفع إلى فمها سوى لقمتين، وهي تحاول إطعام الصغيرتين، بينما الكبرى ما زالتْ قربي تضع اللقمة وتسرح فيها زمناً.
همستُ لها: – مالك جوعانة؟ ليكون أكلتِ قبل ما أجي..
تبتسم، أدغدغها من خاصرتها فتضحك بلا صوت، تحتجّ أمّها: هلأ بتتشردق..
أنظر إليها: وانتِ ليش ما عبتاكلي؟
تنظر إليّ بطرف عينها بدلال:
عم بشوف رح تحسّ ولا لا!
أبتسم لها وأضحك في سرّي، معجزةٌ هي قدرتُها على استدعاء (دلال النساء) في وقتٍ كهذا! ولكنّي أدرك أنّه الوقت الوحيد الذي لدينا، وهذا هو عمرنا حقّاً، فمتى ستفعل هذا إن لم يكن الآن؟!

أتعمّد لفّ قطعة كبيرة من الخبز أعرف أنّ فمها لن يسعها، وأنتظر أن تفتحه فأدسّها على عجل، ترمقني بنظرة غضبى وقد انتفخ خدّاها، تضحك البنات حتى تدمع عيونهنّ. تبتلع اللقمة أخيراً وتتنهّد:
العشا كلّه بلقمة واحدة! هي اسمها اللقمة الخارقة!

أخيراً وصلتْ البنات للفراش، تغمزني أمّهن باتجاه الكبرى: روح احكي معها، صرلها فترة عم تتأخّر كتير بالنوم، وبتقوم بتدوّر عليك.
أذهب إلى فراشهنّ الممدود على الأرض وسط الغرفة قرب الباب بعيداً عن النوافذ والجدران، أستلقي قربها على جنبي، تستدير إليّ، أنظر في عينيها وأنا أفكّر ماذا سأقول لها؟! أجد أنّ التفكير يزيد الأمر صعوبة، فأقرّر أن أتكلّم: – قال ماما صايرة عم تسهري..
لا ردّ.
– ليكون عم تشربيلي شاياتي..
تبتسم وترفع حاجبيها أنْ (لا).
– ما عم تقدري تنامي؟
تومي أن (نعم).
– بتعرفي، أنا كمان بجي تعبان كتير، بس ما بقدر أنام، بتعرفي اش بعمل؟
تفتح عينيها بفضول.
– بتذكّر كل شي عملتُه معكن بالنهار، كلّ الألعاب اللي لعبناهن سوا، وبفكّر أي لعبة عجبتكن أكتر مشان ألعبها معكن أكتر.
نظرتْ إليّ غير مقتنعة، ولم أعرف ما أقول زيادة. فتنهّدتُ ومسحتُ على رأسها وقبّلتُها، فتعلّقتْ بقميصي. ضممتُها حتّى غفتْ.

* تشرب شاي؟
– يعني ما بدّك تخلّيني نام؟
تبتسم: * التعبان بنام اش ما شرب.
وتُحضِر الشاي وتجلس قربي.
– عاملتيه وبعدين عبتسألي؟
تضحك: * المنيحة ما بدها مشورة.
أصبّ لها ولي.
تسألني: * بدّك سكّر؟
– ليش في سكّر؟
تغمزني: * في إصبعتي.
أضحك: – إي حطّيها لكان..
تضحك: * بس يبرد بحطها.

تقلب رزنامة الموت صفحاتها.
وتنطلق الصافرات ونركض من جديد.

– شيله شيله..
هون لسه في واحد..

تتعالى الصيحات وصرخات الاستنجاد، ونحن نهرع من مكان لآخر، لنفاجأ بالدويّ الهائل من خلفنا، قرب مركز انطلاقنا!
ليس غريباً علينا استهداف المسعفين المباشر، رجع فريقٌ منّا باتّجاه المركز، لكنّنا وكلّما اقتربنا، بدأتُ أدرك أنّ القذيفة لم تكن إلا قرب بيتي.

تذكّرتُ تلك الليلة، لمّا فكّرتُ ما أقول لابنتي فتعقّد الكلام في عقلي، وقلتُ ما خطر ببالي. قفزتُ من السيّارة، وقرّرتُ الا أفكّر، واندفعتُ لأقوم بواجبي الذي كنتُ أقوم به على مدى سنوات، فتلّقاني زميلي يرجعني:
*مالك شغل هون خيي..
– شلون يعني؟
* يعني ارجع لورا..
أجمد لحظة ثم أدفعه فيمسكني محاولا جرّي للوراء، يتحوّل كلّ ما بي إلى طاقة غضبٍ هائلة، أنتزع نفسي من بين يديه، يصيح ببقيّة الرفاق: * لا تخلّوه يقرّب!
ينتبهون لي، ويقفون متأهّبين، الآن صار الأمر أكيداً.. أتوقّف عن مدافعتهم. وأنتحي جانباً، أراقبهم..
يا الله.. ما أسرع ما خرجن! وكأنّهنْ كنّ على عتبة البيت، راكضاتٍ إلى السماء!

انتبهتُ للعدد حين اكتمل ثلاثٍ صغيرات، صحتُ بهم: ارجعوا لورا! ما بطالعها غيري!
نظروا لي ولبعضهم ثوانٍ لم تطل، وتراجعوا.. لن يجرؤوا على مسّها وأنا هنا.

أراهم من خلفي بعين عقلي، يفرشون ملاءة، ويحملون كلّ واحدةٍ منهنّ، يرقدونها بعناية، يمسحون على رأسها، ويغطّونها مع أخواتها بملاءة أخرى، في فراشٍ واحدٍ نمنَ طيلة أعوام، ولم يحتملن الفراق في الفراش الأخير!
أحمل قطع القرميد، أرميها، دمعي يسحّ دون توقّف، ويداي تنبشان الخراب.. حتّى وجدتُها.
صحتُ بهم، فناولوني ملاءة كبيرة،

“- ليش في سكّر؟
تغمزني: * في اصبعتي.”

الآن بدأتُ أبكي وأنا أسحبها وأغطّي ما انكشف منها،

“- إي حطّيها لكان..”

ألفّها وأحملها، يبتعدون، والعالم كلّه صامت من حولي، إلا من بكاءٍ أظنّه بكائي، لكنّهم جميعا يبكون!
أرقدها على الأرض جوارهنّ..

” تضحك: * بس يبرد بحطها.”

وما برد الشاي، ولا برد قلبي!

– إلى بطل الدفاع المدني الذي استشهدت زوجته وبناته الثلاث، في القصف الأخير على ريف إدلب/سورية.
4.1.2020


من كوكب إلى آخر

اليوم كانت أوّل مرة منذ خمسة عشر عاما أو أكثر، أخرج من البيت بالحجاب بدون (القطعة القطنيّة) تحته. طول الطريق في السيارة كنت أتحسس رأسي وحجابي وأشعر أني حاسرة الرأس تماما. ربما يبدو الأمر للبعض سخيفا.. لكنّ الشعور (بالعريّ) لازمني رغم قصر المسافة التي كانت كلّها بالسيارة (من الباب للباب).
لماذا أقصّ هذا؟ لأنّ هنالك شعوراً أو قانوناً غير مكتوب يسري بين النساء، أنّ التي نزعت الحجاب بعد فترة طويلة من الالتزام به، فعلتْ ذلك والموضوع عندها (عادي). لو كان عاديّاً لما قامت بقطع كلّ صلاتها السابقة بـ (كوكب) المحجّبات. هي ما نامت وصَحَت فجأة وقرّرت تطلع للشارع بلا حجاب. قرار كهذا يحتاج وقتاً لـ (يختمر) في نفس صاحبته، فأين كانتْ بقيّة الصاحبات عنها وهي تفكّر فيه؟. وفِعل كهذا يحتاج شجاعة كبيرة لتنفيذه، فلماذا لم تُستغلّ هذه الشجاعة في موضع آخر من الصحبة الصالحة؟. Continue reading


قراءة في رواية: ظلّ الريح.


ظل الريح: كارلوس زافون.
حسنا،من الرائع أن كانت عودتي للقراءة الطويلة الثقيلة مع هذه الرواية. سأحاول تلخيص عرضي لها في نقاط:
أولا:الترجمة الرائعة. وكلمة رائعة لا تفي هذا المترجم الشاب حقه.تجدون سيرته الذاتية في نهاية الرواية. أتمنى أنه تلقى أجرا ماديا كافيا على هذا الجهد. أسعدني خلوّ الترجمة التي فاقت الخمسمئة صفحة من أخطاء النحو واللغة اللهم إلا بضعةً لم تصل إلى العشرة وأظنّها نتيجة السرعة. ما أصعب الترجمة الأدبية خصوصا حين تحوي الرواية كلمات شعبية ونكاتا وحسّ فكاهة ورمزية..وكانت هذه الرواية تحوي هذا كله. فشكرا عميقا للمترجم (معاوية عبد المجيد).
ثانيا: كانت الحبكة متوقعة وخالية من المفاجآت بالنسبة لي: ففي الصفحة مئة وعشرين تقريبا عرفت أن الشخص الذي يقوم بحرق الكتب هو الكاتب نفسه وإن كان السبب في ظني بداية يعود إلى عدم شهرتها فحقد على موهبته. ترابط الشخصيات بعد ذلك كانت متوقعا في كثير من مراحله أيضا.فإما إنني شخص فقد قدرته على التفاجؤ من كثرة ما شاهد في الحقيقة،وإما إنني صرت ملولا فعلا ولا أطيق التكرار. وأظنني كليهما معا.
ثالثا: العالم مكان قذر ومخيف وبغيض وظالم في كل بقعة منه: هذه خلاصة الرواية، وهي حقيقة فعلا.
رابعا: (من أفكار الرواية) يلجأ الناس للتدين الصوفي الزائف عندما تهجم عليهم المادية البحتة ويقعون في الذلّ بسبب ذلك النوع من التديّن الذي يجسّد المثل الشعبيّ (بمشي الحيط الحيط وبقول يا ربّي السترة) بدلا من إيجاد القوة على قول الحق والدفاع عن أنفسهم. أو يتحولون إلى وحوش: الرواية تمتد بأحداثها من أيام انتهاء الحكم الملكي في أسبانيا مرورا بالحرب الأهلية وانتهاء بالجمهورية. الأفكار الاشتراكية نفسها..أكاد أشم رائحة حزب البعث وسجن تدمر وصوت المساعد جميل بين الصفحات! لو اختلفت الأسماء فالعار واحد والقذارة واحدة والحقارة واحدة والذلّ واحد وطرق التعذيب واحدة ومصطلحات الكفر بالربّ واحدة وكأنها أنماطٌ شخصية يقومون باستنساخها في كلّ مكان وزمان!
خامسا: (من أفكار الرواية) الحب الحقيقي ينتهي بالزواج وتكوين أسرة: عرض الكاتب هذه الحقيقة على طول الصفحات. لا يوجد حبّ بلا التزام. والالتزام الحقيقي هو الزواج، وحبّ الآباء لأبنائهم هو أعظم حب. أشكره كثيرا على تأكيد هذه الحقيقة. أبكاني تذكّر دانيال ليتمه من جهة الأم في أكثر من موضع.لكن أبكاني أكثر عجزه عن التعبير لأبيه عن حبّه وكسر الحاجز إلا نادرا.
سادسا: (من أفكار الرواية) الخطيئة يغفرها الرب ولا يغفرها البشر بعقولهم القاصرة: البشر يحقدون ولهذا لا يغفرون. والله جلّ جلاله يغفر ويعلّمهم طريقة الغفران لإكمال الحياة بطريق طبيعيّ وسعيد ولكنّهم يرفضون، وكأنّهم ينصّبون أنفسهم آلهة فوق حكم الإله!
سابعا: (من أفكار الرواية) إن كنتَ تعتقد أنّك مكتئب أو تعِبٌ أن تعِس فهنالك دومًا من هو أشقى منك: وهذا الأشقى هو في الغالب شخصٌ لم يعرف كيف يستخدم عقله وضميره معًا. الدين درعٌ نفسيٌّ عظيم نسيء استخدامه في حياتنا طيلة الوقت. من وجد طريقه إلى الله كان أسعد الناس.
ثامنا: (من أفكار الرواية) أولئك الذين تحتقرهم لأنهم يسكرون ويرتادون أماكن مشبوهة، لديهم أسباب لذلك لا علاقة لها بالشرّ والطغيان، الطغاة هم الذين يحملون الأسلحة ويقتلون. أمّا من تقول عنهم (فاسقين) ومعربدين فأولئك ضائعون اشمئزّ منهم أمثالك (الفضلاء) فازداد ضياعهم وازداد إصرارهم على الفسوق. لا تتكبّر عليهم، فأنت لا تعرف ما الذي قد يفقدك عقلك أو إيمانك أو كليهما.
تاسعا: (من أفكار الرواية) اتبع أحلامك حتى لو بدتْ لك مستحيلة، طالما هي أحلام شريفة سامية. و… نعم، الروايات والكتابة الأدبية لا تطعم خبزا :) وقد تقتلك بمعنى الكلمة! صحيح أنّ الكتابة قد تفعل ذلك بك، لكنّ كلماتك ستعيش في روح شخص واحد آخر على الأقل، فأحسِن انتقاءها ولا تهدرها، وربّما فكّر أن تحرقها، وأن تبقي نسخة واحدة منها.
عاشرًا: الرواية مليئة بكلمات مخلّة بالأدب، مع أنّ المترجم قام مشكورا بوضع نقاط بدل بعض المفردات، لكنّ الرواية تتحدّث عن بيئة إسبانية في عام 1950 تقريبا، لكنّها موجودة في سورية مذ عرفتُها وحتى الآن. لذلك هذا تنويه فقط لمن تزعجه مثل هذه المفردات: إذا كنتَ قد قرأتَ نهاية رجل شجاع فيمكنك قراءة هذه.

اقتباسات من الرواية:
ص 39: قالتْ كلارا الكفيفة لدانيال:”لقد علّمني ذلك الكتاب أنّ القراءة تمنحني فرصة العيش بكثافة أكبر وأنني قادرة على الإبصار بفضلها”
ص 43: دانيال الطفل متحدّثا عن قلم فكتور هوغو:”وكنتُ في سرّي واثقا من أن تلك المعجزة قادرة على كتابة أيّ شيء، من رواية إلى موسوعة ورسائل ليست في حاجة إلى ساعي بريد. كنتُ بريئا إلى درجة الاعتقاد بأنّ أية رسالة تُكتب بذلك القلم سوف تصل إلى وجهتها لا محالة حتّى لو كانت الوجهة ذلك المكان البعيد حيث توجد أمّي مثلما يزعم والدي”.
ص46: حوار بين دانيال وأبيه عن أمّه المتوفّاة، يدلّ على إيمان أبيه الفطريّ رغم عدم مارسته لأيّ نوع من العبادات: * أنا أريد أن أكتب رسالة لأمّي كي لا تشعر بالوحدة!
يردّ والدي هادئ الأعصاب: “أمّك ليست وحدها يا دانيال، إنها برفقة الله وتعلم بأننا قريبان منها حتى لو لم نكن نراها”.
ص 63: “بمعنى آخر، كنتُ أكرهه بكلّ احترام، وكان شعور الاحتقار متبادلا”.
ص106: “لا رجل يفقه شيئا في النساء، بما فيهم فرويد. حتى النساء يجهلن أنفسهنّ. لكن الأمر يشبه الدارة الكهربائية: ما من داع لتصعقك حتى تفهم كيف تعمل!”
ص180: المعلّم يتكلّم:”يا إلهي إنّهم قردة! في الصف ليس عندي سوى القردة. داروين كان متوهّما، صدّقني، أيّ تطوّر وارتقاء يا رجل! لو استخدم المرء دماغه لكان عليه أن يحارب جيشا من القردة بمفرده.”
ص212: متحدّثا عن الحبّ: “انظر يا دانيال، إنّ الأمر يشبه اضطراب المعدة قليلا. يعطي تنبيها بالإعياء هنا، على رأس المعدة. هل كان شعورك أنكَ ابتلعت قرميدة أم بارتفاع الحرارة فقط؟”
“أميل إلى القرميدة!” :box:
“فالمسألة جدّيّة إذن! أعانك الله”.
ص257: متحدّثا عن نزاهة الكنيسة: ” إن لم يخنّي فرويد فهذا يعني أنّ الأب فرناندو أدخل هدفا في مرمانا”
* لكنّه بدا لي شخصا نزيها.
“ولي أيضا. لكنهم يوفدون الرهبان الصادقين في مهمات بعيدة حيث ينهشهم البعوض وأسماك البارانيا. لكن.. لو كان دجّالا لترقّى في الأسقفية، بدل أن يعطي دروس الحساب واللاتينية، ولكان له مكتب يليق بالكرادلة ومليء بسكاكر اللون لتحلية القهوة”.
ص336: وجدتُ والدي غافيا على الأريكة وكتابه المفضّل في حضنه، نظرتُ إليه: كان يتقدّم في السنّ وجلد وجنتيه يرتخي. في الماضي كان يبدو ذا عزم لا يلين، أما الآن فيبدو رجلا محطّما دون أن يعي ذلك. غطّيتُه بلحاف وقبّلتُ جبينه كي أحميه من الأفكار السيّئة التي تحاول إبعاده عنّي وعن ذكرياتي. كنتُ أودّ أن تخدع تلك القبلة الزمن وتجبره على التوقّف والعودة بنا إلى يوم آخر وإلى حياة أخرى.
ص 360: عندما حكى فيرمين لدانيال كيف عذّبه المحقّق بالأسيد الحارق وهو معلّق من قدميه ليدلي بأسماء رفاقه الضبّاط.
ص480: الأسطر الأخيرة من مذكّرة نوريا:نحن نستمرّ في الحياة في ذاكرة من يحبّنا. أشعر بأنّني أعرفك وأنّني أثق فيك، اذكرني دوما يا دانيال حتى لو في سرّك.. في إحدى زوايا قلبك. حافظ عليّ في قلبك إلى الأبد.

أتمنّى لكم وقتا ممتعا في صحبة الرواية.