فليت الغضا يا غالية

تقول نفسي: لن تتمكني من الهروب إلى الأبد.
لكني لا أهرب، أنا أريد أن أكتب، أن ألقي بهذا الحِمل من على كاهلي، وأرمي به على كاهل كلماتي. لكنها تأتي في أوقاتٍ أكون فيها مشغولة اليدين.. عاجزة عن ترك الحاضر والركض لبكاء الماضي.

الماضي؟ هل حقا صرتِ من الماضي؟ كيف اختفت كلّ أفعال المضارعة والمستقبل هكذا من الحديث عنكِ؟
بعض الأحزان أكبر من استيعابنا، بعضها أكبر من البكاء ذاته. لستُ أهرب منه، لكنّي -فقط- عاجزة عنه.

( أَقولُ لأَصحابي اِرفَعوني فَإِنَّهُ::يَقَرُّ بِعَيني أَن سُهَيلٌ بَدا لِيا
فليت الغضا..)
ما أذكره من كلام أمّي، أنّكِ من اقترحتِ عليها اسمي. ربّما كانت هذه هي البداية.
أذكر ما كانوا يقولونه عن شبهي بكِ، أذكر في عرس ابنة خالتي أنّي جلستُ معكِ ومع ابنتيكِ بينما ذهبتْ أمّي مع خالتي تسلّم على بعض المعارف. كانت النساء يسلّمن عليك، ويلتفتن إليّ قائلات: بنتك الكبيرة ما هيك؟
تبتسمين ابتسامتك الجميلة وتردّين: لا، هي بنت اختي ثناء. وتشيرين إلى بناتك.
بعد سنوات طويلة، وأنا هنا في غربتي، كتبتْ لي صديقةُ طفولة لم تعرفكِ من قبل، تقول: مو معقول بنت خالتك أدّيش بتشبهك. وراحتْ تتذكّر الاسم، رحتُ أفكّر وأسألها: فلانة؟ لا.. فلانة؟ لا.. ثم تذكّرتْه فقالتْه، وفاجأتْني، قلتُ بسعادة: حقّا؟ قالتْ: بشكل مو طبيعي، كأنها أختك!

(فَيا صاحِبي رَحلي دَنا المَوتُ فَاِنزِلا::بِرابِيَةٍ إِنّي مُقيمٌ لَيالِيا
فليت الغضا..)
أذكر نانا، في آخر عام لقيتُها، لم تكن تناديني باسمي أبدا، إما أن تناديني باسمك، أو تحاول تذكّر من أنا، أو تقول لي: فينا أختك؟ مشيرة إلى أمّي.. تحسبني أنتِ.
أمّا ماما، فمذ صرتُ أمّاً لبنتين، كانتْ تكلّمني أحيانا على أنها تكلّمكِ، فتقول لي أخوكِ وهي تقصد خالي.. واعتدتُ كلّ هذا، وأحببتُه.

(لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا::مزارٌ ولكنّ الغضا ليس دانيا
فليت الغضا..)
أكثر ما أحببتُه أنّكِ كنتِ معلّمتي في المدرسة لعامين متتالين، درستُ الأدب والشعر معكِ فأحببتُه وتعلّمتُ كيف أقاسم الشاعر إحساسه وأنا أراكِ تحلّلين الأبيات كطبيب نفسيّ. علّمتِني أن النحو كالمعادلات الرياضية، كنتُ أتسلّى بالإعراب كلعب الألغاز، حتى صرتُ أصحّح لمعلّمتي التي خلَفتْكِ.

وبالأمس القريب، صادف أن سمعتُ إلقاءً مؤثّراً لقصيدة مالك بن الرّيب، وإذ راحت الأبيات تتوالى، كانتْ صورتكِ واقفة، أنيقة، جميلة، مضيئة الوجه، واثقة، قد حضرتْ، يوم شرحتِ لنا في قاعة الدرس الأبيات ذاتها.
لا تخطئين في حركة أبدا، ولا تغضبين أبدا، نظرة واحدة من عينيكِ تكفي ليسكت الكلّ ويصغي. خطّ يدكِ الدقيق الواضح الجميل على لوح الكتابة. كلّ شيء مرّت عليه عشرون سنة وأكثر.. أذكره تماماً.

ذكرتُكِ واقفة في قاعة الدرس، تضبطين نفسكِ عن البكاء تأثّراً بالأبيات إذ تقرئينها،
حتى وصلتِ:
(وبالرمل منّا نسوة لو شَهِدْنَني :: بكَينَ وفَدَّين الطبيبَ المُداويا
فمنهنّ أمّي وابنتايَ وخالتي :: وباكيةٌ أخرى تَهيجُ البواكيا)
فالتمعتْ عيناكِ، وارتجف صوتكِ، وسألتِنا: من هي برأيكم تلك الباكية؟
وكانتْ يدي -كالعادة في درسكِ- هي الأسبق، وكنتِ -كالعادة- تؤخّرين إجابتي لتكون الأخيرة إذ تثقين بصوابها في كلّ مرة.
وأجابت الزميلات: زوجته.

لم تكن تلك قصيدة عادية، ولم يكن درس خالتي يوماً عاديّاً في حصص الأدب. كانتْ تحبّ ما تقرأ، وتحبّ ما تُلقي وتحبّ ما تعطي ومن تعطي. لكنّي لا أذكرها تأثّرتْ بقصيدة مثل هذه.

(أقيما عَلَيَّ اليَومَ أَو بَعضَ لَيلَةٍ::وَلا تُعجلاني قَد تَبَيَّنَ شانِيا
فليت الغضا..)
لم أستوعب كيف رحلتِ وأنا لم أركِ منذ سنوات طويلة؟ كيف مرّتْ كلها دون أن نلتقي؟
مرضتِ أوّلا، وكنتُ أراكِ وأكلّمكِ عبر الأثير، وتقول أمّي إنك بخير تتعافين.
ثمّ سافرتما، وأرسلتْ لي صورة جديدة. أقول لها: خالتي تبدو متعبة جدّاً وشاحبة. فتقول: لقد تعافتْ توّاً، لكنّ العلاج لم يكن سهلا، تحتاج وقتاً لتستردّ قوّتها.. لا تقلقي.
لم يكن أحد يعلم، حتى أنتِ لم تعلمي يقيناً.
ثمّ مرّ كلّ شيء سريعاً سريعاً عليّ وأنا في البُعد، حدث تلو الآخر، حتى عرفنا أنّ ما بقي مجرّد أيام.. أو ساعات.
أردتُ أن أتّصل بابنتيكِ.. فكّرت: ماذا قد يقول المرء في مثل هذا الموقف؟ لم أعرف.
أنتِ كنتِ تعرفين، وأظنّكِ قلتِه لهما.

(وَقوما إِذا ما اِستُلَّ روحي فَهَيِّئا::لِيَ السّدرَ وَالأَكفانَ عِندَ فَنائِيا
فليت الغضا..)
كيف يرثي المرء نفسه؟ كيف يقف أمام حقيقة الموت ليقول لمن يحبّ:
إنّي راحلٌ عنكم، فتجلّدوا؟
إنّي سأدفن بعيداً، فلا تجزعوا!
إنّ المرض قد فتك بجسدي، وأخذ بقوّتي، والطبّ عاجز، فتقبّلوا الخبر حين يصلكم.

ماتتْ في أرضٍ ربّما عدّتها وطناً لها، لكنّ تلك الأرض حرمتنا أن نكون قربها في مرضها كما كنّا قبل في عافيتها. منعتنا أن نسند ابنتيها، وأن نمشي في جنازتها، ونبكي معهما. أن نزور قبرها.
هكذا.. كابن الريب، رحلتْ بشجاعة رغم الألم.

(فليت الغضا لم يقطع الركب عَرضه::وليت الغضا ماشى الركاب لياليا)

الآن فقط أكمل هذا البيت الذي أحببتُه يوم تعلّمتُ القصيدة معكِ. تذكرين شرحكِ له؟
يتمنّى مالك لو أنّ قافلته لم تغادر وادي الغضا، ولم يرحل عن أهل بيته وعن موطنه.. لو أنّ الوادي مشى مع الركْب، كيف؟ أن تتباطأ القافة فتتأخّر ولا تجتاز الوادي إلا بعد ليالٍ طويلة.

فليتني وليتكِ وليتنا لم نغادر، ولم نفترق قبل أن نتودّع.. ولكنّها لا تنفع ليت.

رحمك الله، وآنس وحشتك، وأوسع لكِ في قبرك وِسع هذه الأرض، وجعله جنّة من جنان الشهداء والصالحين.. حتى نلقاكِ في جنّتِه الآخرة.

3.10.2022


مشكلة مع الحزن

برمتْ شفتها وامتلأتْ عيناها بالدموع بينما نحن نضحك على إحدى حلقات (ماشا والدبّ)! هذه ابنتي (سمية)، وكانت في الرابعة من عمرها عندما أدركتُ أنّنا سنعاني مشكلة مع هذا الأمر.

نحن نكره الأنانيّة، ونحاول قدر المستطاع أن ننتبه للطفل الذي تظهر لديه هذه النوازع، ولكن هل هذا لأنّنا نخشى عليه؟ لا أظنّ. في الواقع، فإنّ العالم يخدم الشخص الأنانيّ حتى آخر يوم في حياته. ولا يمنع أن يكون الشخص أنانيّاً وحسّاسا في نفس الوقت، فإحساسه العالي بالآخرين يكشف في كثير من الأحايين عن تفكيره في نفسه فقط، لأنّه يأخذ المعلومات منهم، ويعالجها في ذهنه ويتساءل عن نفسه: هل يحدث معي مثل هذا؟

لكنّ الأمر يمكن معالجته عند الطفل، المشكلة هي الاتجاه المعاكس: الإحساس الزائد بالآخرين، إلى حدّ الشعور بالتعب النفسي من كثرة التفكير فيهم. Continue reading


أبعد مِلحك عن جراحي !

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة. Continue reading