كبّ الزبالة وانت طالع

منذ شهرين تقريبا، أرى جارتي الألمانيةّ الستّينيّة التي تكبر زوجها ببضعة أعوام، تصحبه لجلسة العلاج الفيزيائي بشكل يوميّ وقت الظهيرة. متزوّجان منذ عقدين ربّما، ولم ينجبا.
بدأت الحكاية في أكتوبر العام الماضي عندما فوجئنا بسيارة إسعاف تقف أمام المنزل، وعرفنا أنّ الجار أصيب بأزمة قلبية. بمرور الأيام، انتبهتُ أنّي لم أعد أراه صباحا وقت خروجه للعمل الذي يصادف خروجي مع البنات إلى المدرسة، وبعدها رأيتُ زوجته وهي تمشي قرب البيت فاستوقفتُها وسألتُها، وعرفتُ منها أنّها الأزمة القلبية الثانية التي يتعرّض لها، وأنّ الأولى كانت قبل عام مضى، وأنّه باق في المشفى الآن تحت المراقبة لإجراء عملية تبديل صمّام القلب له. سالتُها عن موعد عودته المتوقّع فقالتْ: آمل أن يكون في عطلة رأس السنة. تمنّيتُ له الشفاء العاجل، وقلتُ لها ألا تتردّد في طلب أيّ شيء إن احتاجتْ إلى مساعدة أو حتى رفقة مسلية. بالطبع كان هذا أقصى عرض يمكن أن أقدّمه، فالألمان عموما رسميّون جدا في تعاملاتهم، والودّ الزائد من الجارة المحجّبة مخيف. مرّ رأس السنة ولم يعد الجار للبيت، سألتُها مرّة أخرى عن أخباره، فقالتْ ربّما يعود عند إجازة الفصح. أخبرتُ زوجي أن يسأل عنه أيضا بالتفصيل إذا صادفها، وبالفعل.. عرف منها أنّ العملية نجحت ولكن من مضاعفاتها أنّه تعرّض لجلطة أثّرتْ على وظائف الدماغ، بالتالي تأثّر نظره وحركة أطرافه وكلامه، ويحتاج تأهيلا ليغادر المصحّة. مرّت الأسابيع وفي الصيف عاد الزوج إلى البيت، يمشي مستنداً إلى تلك العربة ذات العجلات، ويتحرّك ببطء شديد، لكنّه كان بكامل وعيه، وكان يتكلّم بمنطق سليم، حتّى إنه استلم مرّة طرداً بريدياً لي أثناء غيابي عن البيت، وحين ذهبتُ لأخذ الطرد، كانتْ فرصة لأراه وأسلّم عليه، وأعرف أنّه تحسّن كثيرا.

نأتي الآن للمفيد: كانت للزوج وظيفة ممتازة وللزوجة كذلك، وكلّ منهما لديه سيّارته الخاصّة. عندما طالتْ غيبة الزوج في المشفى، باعتْ الزوجة سيّارتها لأنّها أدركتْ أنّه لن يعود للوظيفة ولا القيادة لفترة طويلة -ربما بقية حياته-، وأبقتْ على سيّارته رغم أنها أكبر وصعبة القيادة بالنسبة لها. ثمّ تكلّمت مع إدارة العمل وسمحوا لها بالعمل من البيت لترعى زوجها. خلال أيام الأسبوع، لا أراها تخرج إلا لأخذه لجلسة العلاج اليومية، وليس لديهم زوّار. تبقى معه طيلة الوقت في البيت، وكذلك الأمر لا يتغيّر في نهاية الأسبوع. خرجتْ مرّة أو مرّتين لتكنس ورق الخريف وتجمعه، وبعد ذلك، كنّا نتناوب أنا وجارتنا في الطرف الآخر على كنس الممرّ أمام بيتها.
حتى حديقة البيت الخلفية، صارتْ مهملة تماما، لأنّها كانتْ تعتمد على زوجها لتنظيفها والعمل فيها. النوافذ معظم الوقت مغلقة، ورغم ذلك، حين أراهما صدفة خارجين، وأسلّم، تكون ابتسامتهما مشعّة. أعتقد أنّها تحلق له لحيته كلّ يوم، لأنّه لا يستطيع ذلك الآن بسبب ارتجاف يديه. شعره وهندامه دائماً مرتّبين، وحين يخرج من البيت ليركب السيّارة، قد يستغرق الأمر أحيانا عشر دقائق كاملة، لكن لم أرَ أو أسمع منها أيّ شيء يدلّ على العصبية أو نفاد الصبر. باختصار.. أرى زوجين سعيدين، يتصرّفان بتلقائيّة وصبر مع الوضع الذي فُرِض عليهما، ولا يهتمّان لشيء طالما هما معاً. هذه الجارة ليستْ متديّنة بأيّ دين، ولا أعرف إن كانتْ تؤمن بالإله.

خلصتْ النسخة الأجنبية؟ نقلب القناة الآن إلى البرنامج العربي.. تفضّلوا!

نموذج أعرفه عن قرب، أكثر مما أعرف جارتي، الزوج صار في الثمانين، والزوجة في أوّل السبعين، مسلمين، ومظاهر الالتزام واضحة. ورغم طول معرفتي بهما، لم أسمع الزوجة قالت يوما كلمة طيبة عن زوجها، لا بحضوره ولا غيبته، ولا يهمّها من الذي يسمع، وكيف يفهم. تعيش دور الضحيّة طيلة الوقت، حتّى عندما يكون هو المصاب! فمثلا، لو وقع له حادث، تأتي لتطمئنّ عليه وهي تلومه بأنّه محبّ للمشاكل ويتصرّف كالمراهقين، وتبدأ في تقريعه حتى يوبّخها ويسمعها كلاما جارحا فتبدأ في ندب حظها الذي أوقعها مع زوج مثله! أو يمرض، ويذهب للمشفى، فتقضي وقتها وهي تحاول التملّص من زيارته، ولا تحتمل الجلوس جواره أكثر من عشر دقائق، ولو استنكر أحدهم ذلك عليها، بدأتْ في التعلّل: تصيبني الدوخة من رائحة المشافي، أكره جو المرض.. إلخ. فإن قيل لها: وهل مرض بكيفه؟ اجلسي معه سلّيه وسرّي عنه. فتصيح: هو أصلا لا يتكلم معي وليس بحاجتي، يضع الهاتف في أذنه وفي يده ويتكلم طيلة الوقت.
مهما حاولتَ معها، فإنها تملك حجّة تردّ بها. لكنّ العكس لا يحدث. هو يقلق عليها طيلة الوقت، ويتّصل بأبنائه ليقول لهم هاتوا لأمكم كذا، أو اتصلوا بها لأنها مريضة اليوم. وهي لا تفعل ذلك أبدا! المهم هي فقط، إنها مركز كونه، وهو سبب مأساة حياتها التي لا أعرف ما هي! فهي لا تعاني من أيّ مرض خطير ولا مستديم، بينما هو لديه بضع إصابات جسدية يفترض بها أن تعيق حركته، لكنه يقاومها. لم تكوِ له قميصا، ولم تعدّ له طبقاً بالطريقة التي يحبّها، ولم تشترِ له شيئا لأنها تذكّرت أنّه يشتهيه. أبدا، لم تقل له يوما: الله يرزقك! الله يسلّم إيديك! والحجّة الحاضرة دائماً: أنّه عدوّ الكلمة الطيبة وعدوّ الجمال.

هذا نموذج، وذلك نموذج. وبينهما يحضرني الحديث الشريف: “يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ” رواه البخاري.
والحقّ يُقال، لم أكن أقف عند فكرة (كفر العشير) هذه كثيرا، حتى استجدّتْ أشياء قبل بضعة أشهر، جعلتْني أعيد النظر والتفكير: علاقة جارتي بزوجها، علاقة هذه المرأة بزوجها، وعلاقة بعض الأقارب الذين مررتُ بهم في الصيف بأزواجهم. كلّ هذه مجتمعة جعلتْني أقف وأفكّر: كيف يحدث هذا الكفر؟، ” لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطّ”، ولكنّها ليستْ الطريقة الوحيدة، فالكثيرات لا يقلن هذا، ولكن..
أليس التشنيع على الزوج من كفر العِشرة؟ أليس البخل بالشكر، والدعاء له من كفر العشرة؟، لا علاقة لهذا للنقاش في قضيّة معيّنة، أو حالة من الزعل أو شعور عابر بالإرهاق أو الضيق، أو التنازل عن الحقوق أو أداء الواجبات، هذه ليستْ (العِشرة). تصليح الباب المكسور منذ عام، والجوارب الوسخة التي تجلس في أفضل مكان في غرفة الجلوس، والطعام الذي يبقى على المائدة لليوم التالي لو كنتِ متعبة وذهبتِ للنوم قبله، والغسيل الذي يتراكم ولا يفكّر يوماً أن يغسله بدلا منكِ لو كنتِ متعبة، والقمامة التي بقيتْ وراء الباب ولم يُخرجها، هذا ليس سوء عِشرة منه، بل هو سوء تصرّف منكِ لأنّكِ لم تطلبي ذلك بوضوح وأسلوب جيّد.
عشرته لك أنّه يذهب لتحصيل المال كلّ يوم، قلتُ لزوجي: لا أعرف فعلا كيف تطيق عملك، لو أنّي سأرى نفس الأشخاص لثماني ساعات يوميّا طيلة أعوام، لجننت! لو أنّي سأجلس على الكرسي أربع ساعات متواصلة أتحادث مع الحاسوب لطقّ عقلي حرفيا!. اليس هذا مجهودا يستحقّ الشكر عليه؟ يستحقّ أن يجد لو مرّة في الأسبوع، وجبة يحبّها دون أن يطلبها؟ قمصانا مكويّة لأنّك لا تقبلين أن يخرج بمظهر رديء؟ حذاءً نظيفاً؟ معطفاً معطّرا بدلا من الروائح المختلفة التي تفوح منه؟. ألا يستحقّ كلمة: يعطيك العافية، عند رجوعكم من مشوار ولو كان هذا مشوار تسوّق أغراض البيت؟ أنا أقود السيارة منذ عام ونصف، وأعرف أنّ القيادة أمر مزعج وخالٍ من المتعة، خصوصا إن كان مشوارا ضروريا، سأحبّ أن يشكرني أبنائي على توصيلهم، ولن يتعلّموا ذلك إذا لم أفعل ذلك مع أبيهم.
ألا يستحق هذا الرجل تذكّره بكلمة، أو صورة، أو تسجيلٍ صوتيّ على الواتس أب، تسألينه فيه عن أخباره مع (الملل) أثناء الدوام؟ نكتة ما؟ سؤال عن صداعه هل زال أم لا؟
لا شيء من هذه الأعمال يذهب بلا معنى، لأنّ الرجل الحقيقيّ، يردّ لكِ الجميل فورا. تتذكّرينه بمكالمة، فيأتي في اليوم نفسه وقد أحضر لكِ شيئا يعرف أنّكِ تحبّينه. لا علاقة لهذا بالباب المكسور منذ عام، فلا تخلطي الأمور ببعضها.

قبل أن تلوميه وتشنّعي عليه، تذكّري:
أوّلا، هذا الرجل الذي تصنعينه أنتِ بتعاملكِ اليوم، هو الذي سيبقى معكِ ثلاثين أو أربعين عاماً قادمة.
ثانيا، الحقوق والواجبات معروفة ويمكن التفاهم عليها بوضوح، ولا علاقة لها بأفعال الوِدّ والبرّ والمحبّة.
ثالثا، وأخيرا.. إذا كانت الابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، على الغرباء، ولم نسمع عن إحسان وُضع لكريم فردّه بإساءة، فكيف بأجر هذه الصدقة على زوجك؟ وهل تزوّجتِ لئيماً؟


أنتِ بطلة

لا أحد يكتب عنكِ، عنّي، عن جيلنا نحن.

الذين يقولون والذين يكتبون والذين يحكمون هم الرجال. كنتُ وما زلتُ دائمًا أتساءل: لماذا قليلة هي الكتابات النسائيّة التفصيليّة عن نفسيّة الرجل أو عمره أو حياته، بينما تمتلئ المقالات والدراسات والكتابات بأقلام ذكوريّة تتحدّث عن النساء في: الحمل والإنجاب والسنّ المناسب للزواج وعمر الإنجاز وخريف العمر وسنّ اليأس والشيخوخة و…..
ربّما لأنّ المرأة تستطيع أن تعيش مستقلّة نفسيًّا وعاطفيًّا، أمّا الرجل فيبقى بحاجة للمرأة ومتعلّقًا بها، أيًّا كانتْ مرتبتها الاجتماعيّة بالنسبة له؟.

ولكنّي مستاءة من النساء اللواتي يرضين أن يتكلّم الرجل باسم مشاعرهنّ الشخصيّة، ويلُمْنه لأنّه لا يفهم شيئًا من الذي يتحدّث عنه. إذًا؛ لماذا لا تكتبن أنتنّ عن أنفسكنّ؟

ورجعتُ أقرأ وأبحث في ذاكرتي عن أغلب المقالات والمعلومات التي تتناول مراحل المرأة العمريّة، فوجدتُ:
1998_P_1346378847325
– الكثير من الكلام عن المرحلة العشرينيّة؛ باعتبارها سنّ الدراسة الجامعيّة والتفكير في الارتباط الزوجيّ وتأسيس أسرة. سنّ الانفتاح على الحياة والثقة بالنفس واتّخاذ القرارات وتحمّل نتائجها. سن التعلّم، الكثير منه، لأنّ العقل ما زال في أوج نشاطه واندفاعه وقوّته.
1998_P_1346378847199
– الكثير الكثير من الكلام عن مرحلة الأربعين والخمسين، وأنّها (خريف العمر) وسنّ اليأس. عن اكتئاب النساء في هذا العمر. عن خطر الإنجاب فيه. عن شعورهنّ بالخواء والانهيار والحاجة لوجود الرفيق (الرجل) في حياتهنّ.
7 6
– الكلام عن سنّ الستّين والسبعين على أنّها أعوام الشيخوخة والتهيّؤ للموت! و: اِلحق برَّ أمّكَ قبل فقْدِها، واختصار ذلك في أن تجعلها جالسةً مستريحة فقط.
– وأخيرًا؛ يقولون: عمر الثلاثين هو العمر الذهبيّ للمرأة. نقطة.. انتهى السطر. لا يزيدون شيئًا على هذا.

هنالك أشياء صحيحة فيما قالوا، لكنّي -باعتباري محسوبة على عالم النساء- أسمح لنفسي اليوم أن أتحدّث عن بعض ما لا يعرفه الرجال ليتكلّموا عنه. عن أشياء لا تقولها النساء غالبًا لعدّة أسباب:
– الشعور بأنّها بديهيّة وافتراض أنّ الرجل يدرك ذلك (أيًّا كانتْ مرتبته الاجتماعيّة في حياتهنّ).
– الشعور بعدم الجدوى من قولها لأنّ أحدًا لا يسمع ولا يفهم.
– افتقاد القدرة على صياغتها والتعبير عنها لأسباب مختلفة.

Fast-fifty-number-20
إذا كنتِ في العشرين من عمركِ وتعتقدين أنّ هذه أجمل مراحل حياتكِ؛ فاحتفظي بهذا الشعور ما استطعتِ لتتمكّني من مواجهة: تعسّر أمور الدراسة لأيّ ظروف في حياتك، تأخّر ارتباطكِ برجل أو ارتباطكِ المبكّر دون رغبتكِ، الشعور بنوعٍ من الضياع وعدم القدرة على تحديد الخيارات لمستقبل واضح. مرحلتكِ العشرينيّة هي فرصة رائعة للتعلّم، تذكّري هذا دائمًا: عقلكِ ما زال قادرًا على التركيز والاستيعاب والهضم والتحليل، مشاغلكِ أقلّ لو لم تكوني أمًّا، أو كنتِ أمًّا لأطفالٍ صغار. ما زال لديكِ الوقت لاختيار مهنة تحبّينها، ودراسة عددٍ من اللغات أو الدورات. ما زال هنالك من يتكفّل بالصرف المادّيّ تجاهكِ فاستغلّي هذا في التفرّغ للتعلّم والتدريب. استمتاعكِ بالإجازات والسفر يكون أفضل. هذا عمر رائع، لا تضيّعيه في الكآبة وصحبةٍ سوداويّة والتفاهات.

40 50-jaar-getrouwd-gouden-bruiloft
إذا كنتِ في الأربعين والخمسين، أصمّي أذنيكِ عن تسمية (سنّ اليأس) هذه، لقد تطوّر الطبّ كثيرًا كثيرًا. فإن كنتِ تسعين للإنجاب؛ فقط ابحثي عن طبيبةٍ تثقين بها وأكثري من الدعاء. إن كنتِ تعانين من أيّ مرضٍ فاتّجهي للطبيب وخذي علاجكِ وتابعي حياتكِ وكأنّ شيئًا لم يكن. إن كان أبناؤكِ كبروا فاستمتعي بتأمّلهم وقد صاروا أطول وأعرض من باب غرفتكِ، واتركي عن ذهنكِ بقيّة سلبيّاتهم لأنّهم صاروا بالغين مكلّفين محاسَبين، وأكثري من مديحهم. أكملي تعليمكِ لو كنتِ لم تحصلي على شهادة عليا، أو اتّجهي لتعلّم مهنة تحبّينها. انتظمي في دورة حاسوب، فقد صار ضرورة. أنتِ الخريف؟ إذًا أمطري وانفخي الأوراق الجافّة واغسلي الأشجار لتبدو أجمل في الربيع. لو كنتِ تعيشين في بلدٍ يسمح لكِ بالمشي في الشارع، فاخرجي وامشي كلّ يوم. ولو كنتِ مضطرّة للبقاء في البيت فاصنعي حديقة داخليّة من النباتات الخضراء، وأعدّي كوب قهوتكِ وضعيه على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس، ثم اعرضي على اليوتيوب مشهدًا لموج البحر مع صوته، وامشي ربع ساعة داخل الغرفة، ثمّ اجلسي واشربي قهوتك. هذا عمرٌ رائع، لا تخسريه في الاستماع لمن يتكلّم عن ذبول الشباب. وتذكّري أنّ السيدة خديجة كانتْ في قمّة عطائها وحبّها وجمالها في هذا العمر.

60 image 240_F_26945411_DhoGK1ZKVmHSFqcVl0ENMnHqwOf9SytV
إذا كنتِ في الستّين أو السبعين أو الثمانين؛ اسمحي لي أن أقبّل يديكِ لأنّكِ قادرةٌ على التعامل مع التكنلوجيا وقراءة هذه الكلمات. هذا أنسب عمر لبدء (مشروع حياتكِ) الذي لم تتمكّني من إنجازه سابقًا. فالوقت لديكِ والمسؤوليّات قلّت، والمال متوفّر بإذن الله. طالما ما زلتِ تحتفظين بعقلكِ فهذا أهمّ كنز. وإن خاطبكِ من هو قريبٌ من عمركِ بكلمة: يا جدّتي بدلا من: يا أمّي، أو يا خالة.. فلا تغضبي أبدًا، بل ابتسمي للوقار الذي يبدو عليكِ ويمنحكِ الاحترام والتقدير ممّن حولك. فهذه الكلمة (الجدّة والأمّ والخالة) لا تُهدى لأيٍّ كانتْ. لا تنسي أن تلتزمي بأدويتكِ والغذاء الصحّي، والمشي. فالحركة بركة.

أمّا وأنتِ صديقتي ومن جيلي الثلاثيني، العمر الذهبيّ الذي لا يتكلّم عنه أحد سوى: بالروعة والمديح المبهَم، والانبهار، ولا يقتربون من تفاصيله أبدًا.. تعالي نتحدّث معًا عن (مطبّ) الثلاثين، عن (حفرة) الثلاثين، عن (صدمة) الثلاثين.
لا يعرفون أنّ المرأة في الثلاثين تعبر مرحلة فاصلة كلّ ما فيها يتغيّر ويطحنها طحنًا:
– الهرمونات تجنّ وتتصرّف بفوضى، لا تخضع لمنطقٍ ولا لنظام. كلّ ما يحدث قبل الثلاثين من أمور النساء جملة وتفصيلا يختلف تمامًا بعد الثلاثين.
– إذا لم تكوني متزوّجة؛ فسيجعلكِ المجتمع همّه وحديثه. وإن كنتِ متزوّجة لم تنجبي فسينصحونكِ بألف طبيب، وإن كنتِ أنجبتِ فعلا.. سيلحّون عليكِ بإنجاب المزيد قبل بلوغ الأربعين باعتبارها خطّ نهاية صلاحيّتكِ كأنثى!
– يرتفع احتمال إصابتكِ بالأمراض التالية (إن لم تكوني مصابة بها من قبل): السكّر، الشقيقة (الصداع النصفي)، الصداع الهرموني (صداع يستمرّ خمسة أيام إلى أسبوع قبل موعد الدورة الشهرية)، الديسك (انضغاط فقرات الظهر)، الاكتئاب (وهو مرض حقيقيّ ومن مظاهره العديدة العصبيّة)، أمراض ومشاكل المبايض، أمراض الغدد، الخمول والإرهاق المفاجئ، فقدان الذاكرة الجزئيّ (تشعرين بها كحالات من الغيبوبة وكأنّ أجزاء من ذاكرتكِ سقطت).
– تكتسبين الوزن بشكل مفاجئ ومخيف، وتفشل جميع أنظمة الحمية التي تحاولين الالتزام بها، بالإضافة إلى تغيير في عاداتكِ الغذائيّة لا تستطيعين السيطرة عليه.
– تشعرين أنّ كلّ ما بكِ/لكِ/حولكِ لا يلائمكِ وليس في مكانه الصحيح: بدءًا من وضع جسمكِ، وجهك، شعرك، وزنك، مرورًا بملابسكِ وأغراضكِ الشخصية، بيتكِ وأثاثه، انتهاءً بالناس الذين يحيطون بك!
– تميلين إلى الوِحدة والابتعاد عن الضوضاء، وتنتظرين الفرصة لتجلسي دون عملٍ أو هدف محدّد، وتعلّلين ذلك بأنّه (مجرّد قسط من الراحة يحقّ لك).
– تفكّرين في الاتفصال عن شريك الحياة إذا كنتِ متزوّجة في عمر العشرينيّات أو ما قبلها. وتتردّدين كثيرًا بشأن الارتباط إن لم تكوني متزوّجة.
– تنزَعين إلى الالتزام الدينيّ وتفتّشين عن مصدرٍ روحانيّ موثوق، أو العكس.
– تنظرين بحسرة إلى عمر العشرينات الذي غادرتِه، وشيءٍ من الغيظ من بنات جيله لأنّهنّ -بنظرك- مستهترات متهوّرات لا يعرفن قيمة عمرهنّ و(حرّيتهنّ).
– تميلين إلى التخلّي عن صديقات الطفولة وتشعرين أنّ (هنالك علاقات لها مدّة صلاحيّة وقد انتهتْ).
– تروادكِ فكرة التخلّي عن الحياة والهروب وبدء حياةٍ جديدة من الصفر، لوحدك.

ربّما شعرتِ بكلّ ذلك، بنصفه، أو بربعه.. أو لا شيء منه. إن كنتِ تشعرين به؛ فتابعي القراءة:
30th-sparklers
– أنتِ رغم تلك الهرمونات المجنونة التي سيستمرّ جنونها لسنواتٍ قادمة؛ تضبطين أعصابكِ وتصرّفاتكِ، وتبحثين عن الوسائل المساعدة في ذلك.
– أنتِ غير متزوّجة، متزوّجة ولستِ أمًّا، مطلّقة، متزوّجة وأمّ، وضعكِ الاجتماعي في أيّة خانةٍ كان؛ لا يعدو كونه جزءًا من شخصيّتكِ وهكذا تتصرّفين، وتتجاوبين مع تعليقات المجتمع المستفزّة بدعابة.
– أنتِ مصابةٌ فعلا بمرضٍ دائم؛ لكنّك لا تشكين من أعراضه طيلة الوقت لأنّكِ قادرةٌ -بشيءٍ من الهمّة- أن تتأقلمي معه وتكملي حياتكِ بشكلٍ طبيعيّ.
– تتقرّبين من الله بمختلف الوسائل والطرق، دون ضغطٍ أو سلطة من أحد.. وتكتشفين روعة ذلك.
– تشعرين بالسعادة والبهجة حين تخاطبكِ من هي أصغر منكِ كما تخاطب الشيوخ، وتعتبرينه دليل احترام. وتشعرين بالفخر حين تستشيرك من هي أكبر منكِ اعترافًا منها بخبرتكِ.
– رغم كلّ المسافات المكانيّة والزمانيّة الفاصلة؛ تسألين باستمرار عن أحوال الصديقات، وتطردين كلّ هواجس سوء الظنّ بتقصيرهنّ، وتطيرين فرحًا بإنجازاتهنّ حتى لو كانتْ منافسة لإنجازاتكِ أو متفوّقة عليها.
– تهربين بأفكاركِ إلى المستقبل؛ وتتخيّلين مكانكِ بعد عشرة أعوام. تخطّطين أيّة خبرات تريدين اكتسابها، وأيّة عادات تريدين تركها، وأيّة تجاعيد ستبتسمين لظهورها.
– تتقبّلين التغيّرات الجديدة في شكلكِ، وتكفّين عن (هوس المراهقات) في الاحتفاظ بالقوام الفاتن، والشعر الرائع. وتستبدلين بذلك كلّه: الصحّة والعافية والأناقة.
– تركضين طيلة النهار، وحين تجلسين لترتاحي وتجدين الأعمال المتراكمة، تبتسمين لها وتقولين: أعلم أنّكِ لن تهربي، وأنا سارتاح الآن.. ثمّ نتفاهم.

أنتِ فعلا في العمر الذهبيّ؛ العمر الذي يسمّيه الجميع (سنّ الكمال). لأنّكِ تقعين في الوسط، في المنطقة الفاصلة بين جيلين يعتمدان عليكِ؛ بين الابنة والأمّ، بين المعلّم والمتعلّم، بين المربّي والمتربّي. العالم ينظر إليكِ في كلّ موقعٍ فيراكِ قادرةً، ومسيطرةً، وعلى أهبة الاستعداد. وأنتِ لستِ وحدكِ، كلنا مثلكِ، جيلك.
أنتِ البطلة، إذا كنتِ: تملكين خطّة واضحة وهدفًا في الحياة مرتبطًا بالآخرة تعملين على تحقيقه؛ يوميًّا، ولو بخطوات بسيطة. فقط، لا تتوقّفي.


عِند إشارة..

traffic-light-art-1
بِضعُ ثوانٍ عِند إشارة
تحكي قِصّةَ عُمُرٍ كاملْ..

عند إشارَة؛
لوّحَ حمزةُ لرفيقَيْهْ
هتف لأُمّهْ:
ماما شوفي،
ذاك حسامٌ معه يمانْ
سبَقاني في المَشْوِ اليومْ
هيّا نُسرع!
قالتْ أمّهْ:
معنا وقتٌ
وسَتلقاهم في المدرسةِ..
لا تعجلْ
فالشرُّ عجولْ
وأناتُكَ تأتي بالخيرِ
وتُلاقي في الناسِ قَبولْ. Continue reading