في رواية (البلد)..

وكالعادة.. يخبرك بن جلّون في نهاية كلّ رواية؛ أنّك إنسانٌ حقا، وتحترم إنسانيّتك، لأنكَ بكيتَ حين انتهيت من الكتاب وأغلقته.
بكيتَ الأحلام المتكسّرة التي كنتَ تنسجها لتنقذ بها شخوص الرواية. بكيتَ آمالك بتغيير مجرى الأحداث لصالح سعادتهم. وصلتَ إلى النهاية، ولم يحدث شيء يغيّر تلك الكآبة القاتلة والحزن العميق اللذان يخنقان روحك! Continue reading


ستّة أعوام..

20150604_204032-kdcollage
صوت حفيف أوراق الشجر إذ تتهادى نسماتٌ باردةٌ في ضوء الشمس.
في هذا الوقت من ستّة أعوام خلَتْ، كنتُ أمشي في غرفة المَخاض في المشفى، منهَكةً جدًّا، أشتهي أن أنام فقط. وكنتُ أتّكئ على الجدار فأغفو ثوانٍ وأنا واقفة.
في اليوم السابق له كنتُ عند الطبيبة، وحين عدتُ قلتُ لأبيكِ: ليتني ألِد غدًا..
وعند الرابعة فجْرًا أيقظتُه، نهض مذعورًا لا يصدّق لأيّة درجةٍ تتحقّق أمنياتي سريعًا. ومن الرابعة فجرًا حتى التاسعة وأربعين دقيقة مساءً؛كان يومًا طويلًا حقًّا. وحين سحبَتْكِ القابلة أخيرًا وتهامستْ بشيء ما،لم أنظُر. أيًّا يكُن الأمر، ستصلين إلى ذراعيّ أخيرًا وأراه بنفسي. كان لونكِ مُزرقًّا جدًّا، ولكنّكِ بكيتِ بصوتٍ كجرس الإنذار. استمرّ بكاؤكِ بهذه الطريقة حتى إتمامكِ عامكِ الخامس. دائمًا يذكّرني بصافرة الإنذار أيّام حرب الخليج؛ ما قبل بدء نوبة الغضب، أثناء نوبة الغضب، بعد نوبة الغضب.
لكن تغيّر كلّ شيءٍ في العام الأخير: لقد انطلق لسانُكِ بالكلام! ولم تعودي تغضبين لعجزكِ عن التعبير. صرتِ تجيبينني الكلمة بالكلمة، النّدَّ بالنّدّ. بالعربيّة عامّية وفصحى، وبالألمانية، وحتى بلغة الإشارة والنظَرات شزرًا أو امتنانًا!
ذكيّة أنتِ ودقيقة الملاحظة وخيالكُ أوسع من العالم، شديدة الاعتداد بنفسكِ، متقِنةٌ جدًّا لأيّ عمل تقومين به، مرتّبة تكرهين الفوضى، وتكرهين ضعفكِ. وحين تشتاقين لي؛ تضربينني بدلًا من العناق.. فأشدّكِ وأضمّكِ غصبًا لتستكيني، حتّى صرتِ تأتين إليّ من نفسكِ تطلبين القُبلة.
تدركين أنّكِ مختلفة؛ وأنّ هذا العالم يحاول وسيحاول دائمًا تغييركِ إلى نسخةٍ أخرى، ولكنّكِ تقاومين. وأنا تعلّمتُ منكِ أن أقاوم هذا التغيير نحو الاستنساخ. يقولون إنّكِ غير طبيعيّة لأنّكِ خياليّة جدًّا، فأنظر إليكِ وإليهم.. ولاأفهم كيف لا يَرَوْنَ (لون) الهواء كما ترَينه، ولا (يتذوّقون) رائحة نور الشمس المنسكِب صباحًا!
اليوم بالذات؛ يوم ذكرى مولدكِ حيث احتفلتْ لكِ المدرّسة به كما جرتْ العادة هنا، كان عندي موعدٌ مع أخصّائي جلس معكِ لمرّتين فقط. ليأتي اليوم ويقول لي إنّكِ سليمة جسديًّا ولستِ معاقة! كثّر الله خيركَ يا رجل. ولكنّه أكّد لي أنّكِ تعانين مشكلةً ما، وهو لا يستطيع تشخيصها هنا، وإنّما يقترحون عليّ اصطحابكِ إلى المركز المختصّ. وكلّ هذا لماذا؟ لأنّكِ لستِ (منفتحة) على بقيّة الأطفال كأقرانك. دائمًا عندكَ عالمٌ خاص، قوقعة تندسّين داخلها عند اقتراب ما هو خطر برأيك. أنا أعرف المشكلة يا سيّدي لا داعي للمركز ولا لتشخصيكَ. ومشكلتها أنّ عالمكم أضيق من أفقها.. وهي ترفض أن تقصّ جناحيها كما تطلبون. وتلميحكَ اليوم إلى أصلي (الأجنبيّ) لم يكن بريئًا. ما ضرّتني ثلاث وعشرون عامًا قضيتُها تحت العنصريّة؛ إنّي أجيد التعامل معها أكثر ممّا تتخيّل. ولن تضرّكِ يا ابنتي، فأنتِ تدركين تمامًا منذ الآن معناها؛ إذ تمشين قرب أمّكِ المحجّبة، وتتكلّمين معها باللغة العربيّة الأمّ.
تنظرين إلى الذرّاتِ المتطايرة في انكسارة الضوء، وتهتفين لي: مامااااا.. شوفي هدوووول. وأنا..كبرتُ ونسيتُ كم كنتُ أجلس قُبَيل الغروب عند الشبّاك أرقب تلك الذرّات وأنفخها. أتذكّر الآن وأنتِ تنفخينها، فأبتسم وأقول لكِ: اسمها ذرّات. وأراقبك تضحكين بدهشة وأنتِ تحرّكين كفّكِ لتزيحيها فتعود.تضحكين حتى تظهر غمّازتكِ الوحيدة.
تضحكين.. هذه الكلمة السحريّة التي كانتْ تعذّبني. أبدًا لم تكوني عابسة، لكنّي عجزتُ عن تعليمكِ الفرح. الفرح البسيط اللطيف الذي يضحك له كلّ الأطفال. أخيرًا اكتشفتِه بنفسك. وصرتُ أبتسم لكِ ابتسامةً كاريكاتوريّة كلّما رأيتُكِ ساهمة لتضحكي.
لا توجد طريقة واحدة للأمومة يمكن اتباعها. ولذا؛ كان لزامًا أن نجرّب، ونتعلّم معًا. وأنا تعلّمتُ كثيرًا، تعلّمتُ كيف أدافع عنكِ، عن حقّكِ في الاختلاف، أن أفهم أنّ عنادكَ يعني قوّة ثباتكِ على الفكرة..فعليّ أن أزرع الفكرة السليمة الآن. أنّ غضبكِ مرآة غضبي، وحقّ لكِ أن تغضبي من هذه الدنيا. تعلّمتُ أن أتقبّل حقيقة أنّي كبرتُ وأنّ الزحليقة الصغيرة لم تعد تسعني بحال من الأحوال! وتعلّمتُ أنّ الصبر يأتي بالخير دائمًا.
عامًا جميلا كان يا حبيبتي، قُدنا فيه درّاجتَينا معًا، وتشاكسنا كأختين معًا، وخبزنا الكعك والحلوى معًا. ومازلتِ عندما تأوين إلى فراشكِ، تهمسين لي أن أندسّ قربكِ، وتمسُدين وجهي بكفّكِ وترتّبين خصلات شعري وكأنّي أنا الطفلة.. فألصق أنفي بأنفك ونغفو معًا وتتعانق كفّانا.. تمامًا كما كنّا نفعل وأنتِ صغيرة. بعض الأشياء لا تتغيّر أبدًا، ومنها الحبّ الذي بيننا.

* في ذكرى ميلاد ابنتي صفيّة. :heart5: 
4.6


النفسيّات الحامضة، والبلاليع المسدودة!

بعض النساء يعتقدن أن الرجل يذهب كلّ يومٍ إلى عمله ويقضي وقتًا أطول بكثير من المقابل المادّيّ الذي يستحقّه، ويقابل وجوهًا عابسة، ويتعامل مع نفسيّاتٍ (حامضة)، ويحمل معه همّ المال والعيال ويعود به..يقوم بكلّ ذلك من باب الترويح عن النفس!

وبعض الرجال؛ يعتقد أنّ المرأة تستمتع بالحمل والإنجاب ونقّ أطفالها وقفزهم على الكنب ومشيهم على الحيطان، ويعاملها على أنّها هي التي اختارتْ الحصول على الأطفال. وكأنّها ذهبتْ لشرائهم من البقالة وهو كان متواجدًا بالصدفة، وقال لها وهي تطالعهم على الرفّ: إي ما اشبن شي.. اذا عاجبينك خديهم! وتكرّم بدفع قيمة الشراء فقط، ثمّ نفض يديه من الموضوع باعتباره قام بدوره.

وبعض النساء؛ تعتقد أنّ زوجها يذهب إلى عمله هروبًا من مسؤوليّاته في البيت. وفي الحقيقة هو يهرب فعلا.. كالمستجير من الرمضاء بالنار. هو هاربٌ من وجهها العبوس الذي يجعله يشتهي الراحة الأبديّة (الموت) كلّما رآه. وحين يتواجد في أيّام الإجازة؛ تعامله كمعاملة السيّاف لمرتدٍّ عن الإسلام!

وبعض الرجال؛ لسببٍ ما.. يبدو متأكّدًا جدًّا أنّ كل النساء يعشقن التفكير في الطبخ وممارسته، وجمع الغسيل وفرزه وغسله ونشره وطيّه وكيّه وإعادة ترتيبه في الخزانات. وهو يبصم بالعشرة أنّ موضوع تسليك البلاليع المسدودة في المنزل مهمّتها هي لا مهمّته، وأنّها تقوم بذلك مبتسمةً على سبيل التريّض!

المشكلة الوحيدة عند هؤلاء البعض من الجنسين، هو التعامل مع العلاقة الدائمة على أنّها شراكةٌ مقرفةٌ وقتيّةٌ ستنتهي يومًا ما. ويعيش كلّ من الطرفين على (أمل) اختفاء الطرف الآخر فجأةً ليحظى بحرّيته المزعومة.

لا أذكر متى سألتْني إحداهنّ عن كيفيّة معرفة الشريك المناسب. طبعًا سألتْني من باب الرأي الشخصيّ وليس الخبرة العظيمة. وقلتُ لها: شيئان، تخيّلي نفسكِ مع هذا الشخص بعد خمسين عامًا، فكّري أنّ هذا هو الوجه الذي سترينه كلّ صباحٍ وكلّ مساءٍ، وكلّ نزقٍ وكلّ نكدٍ وكل غضبٍ وكلّ مرضٍ، وكلّ لحظةِ صمتٍ لا يوجد ما يكسرها، هذا مشروع حياة.. قد يقصُر (لحُسن حظّك) وقد يطول (الله يعينك)، كوني جاهزةً لكلّ الاحتمالات . والأمر الثاني.. لا تتزوّجي من يقول إنّه يحبّك أو من تقولين إنّك تحبّينه، بل تزوّجي الشخص الذي يقدر أن يضحككِ مهما كنتِ غاضبة.
وهذه الإجابة تنفع للجنسين. طبعًا ما عدا أولئك الرجال الذين يذهبون لخطبة الأولى وهم يفكّرون في الثانية.. فهؤلاء لا يحتاجون نصيحة، بل (تنكة) بنزين وكبريتة وشخصًا (يولّع) فيهم.

حين أتكلّم مع بعض المتزوّجات؛ ألحظ أنّ هؤلاء يرفضن التمتّع بحياتهنّ ويرفضن التعلّم. يرفضن كلّ شيءٍ على أمل أن تحدث معجزةٌ ما؛ تغيّر الناس من حولهنّ، ولا تغيّرهنّ.
مفهوم التغيير عندنا مرتبطٌ بالصواب والخطأ فقط، وحين نقترب أكثر لندقّق على ماذا يعتمد قولنا إنّ هذا صواب وهذا خطأ؛ نجد المسألة عائمةً، ومزاجيّاتنا تتدخّل. وغالبًا؛ هو اختلاف المعايير التربويّة من بيئةٍ لأخرى. أشياء لا علاقة لها بالدين مطلقًا، وأحيانًا وبطريقة لَيّ الذراع تصبح مسائل دينيّة. وتكون المشكلة في أساسها مشكلة نقص عاطفة، أو نقص جرأة على اتخاذ القرار.

حسنًا؛ الآن صار بعض الرجال يدركون أنّ كثيرًا من النساء يمقتن الطبخ مع إجادته وبذل الجهد فيه، إنّ هذا يشبه تمامًا أن يدرس هو مجالا لا يحبّه أو يعمل في وظيفة يمقتها لأنّها الوسيلة الوحيدة لكسب رزقٍ محترم. هذا تقسيمٌ عادل. ولذا عليها أن تدرك أن قرفه من عمله وتشكّيه لا يعني كسله، طالما النتيجة النهائيّة حصلتْ.. تمامًا، كقرفها هي.
في النهاية.. أكل الجميع طعامًا شهيًّا بمال حلال.

مبدأ (تدفيش) الحياة صار قاعدة رئيسةً في أكثر العلاقات الزوجيّة التي أراها.
أمّا الأسوأ؛ فهو الإصرار على عدم الانفصال بتراضٍ؛ فإمّا انفصالٌ بصيغة الانتقام، أو بقاءٌ مع حربٍ مشتعلة بحججَ مختلفة؛ أبرزها وجود الأطفال الذين لا ناقة لهم ولا جملًا في صراع الديَكة هذا.

لم يعد أحدٌ راغبًا في التعلّم، ولا تطبيق ما يتعلّم.