ولنبدأ بطريقة مختلفة

الخامس عشر من يناير، 2020:
أتذكر كيف التقينا أوّل مرّة قبل سنوات؟
إنّي أقول مجازاً (التقينا)، لو كان اللقاء بالصوت والكتابة يعتبر لقاءً. كنتَ متوجّساً تتحسّس كلماتكَ جيّداً قبل النطق بها. خمّنتُ أنّكَ تضغط على نفسك كثيراً لتتكلّم معي بهذا الهدوء وهذه الجدّيّة، وكنتُ أضحك في (عبّي)، كنتَ تتصرّف وكأنّكَ تروّض حصاناً برّيّاً جامحاً، وأنتَ لم تمسك لجاماً في حياتك!
لم أكن أكثر انطلاقا، بل لعلّ توتّري الشديد جعل صوتي يبدو بارداً واثقاً على العكس من داخلي حيث كانتْ العاصفة تغلي موشكة على الانطلاق، وأنا محرَجةٌ أتمنّى أن تنهي المكالمة الصوتية وتنقلها إلى عالم الكتابة لآخذ راحتي أكثر. كم تخفي هذه الشاشات توتّرنا وارتباكنا من أبسط الأمور، كحديث تعارف عابر: مرحبا، كيفك؟!

السابع والعشرين من يناير:
ما أسرع ما تنقّلنا من حديث إلى آخر، ومن عملٍ إلى ثانٍ، ومن نقاشٍ إلى جدالٍ، ومن تعليقات ساخرة بين السطور إلى ضحكات عالية. ولم تكن طيّباً أو متساهلاً أبداً، في كلّ فرصة كنتَ تلمّح أن (أحلّلَ) المال الذي سأقبضه وأتقنَ عملي، ثمّ تقول بنبرة تحذيريّة تسلّطية تحاول إخفاءها فاشلاً، وبأسلوب مازح:
يا ويلك إذا بتكتبي عنّي.
كنتَ واثقاً من قدرتي الكتابيّة، وخائفاً من قلمي السليط، القادر على التشريح والتقطيع والسلخ والسلق أفضل من لساني بكثير. وكنتُ أردّ ببراءة وجدّيّة مصطنعتين: وما الذي أعرفه لأكتب عنك؟ أنا لن أكتب -لو كتبتُ- إلا الصدق. فتجيب مباشرة بنبرة عصبيّة: مفهوم الصدق عندك غريبٌ نوعاً ولا يروقني!
فأضحك بقوّة ضحكة لا تسمعها لأنّي أكتم لاقط الصوت بكفّي، وألتقط أنفاسي قبل أن أعود لنبرتي الجادّة: لن أكتب عنكَ، لأنّي ببساطة لن أحصل على مال مقابل ذلك.. يعني دخيل الله.. مين مفكّر حالك؟!. فيصلني ردّك بكلمة: مصلحجيّة.. وغمغمة أخمّن أنّها شتائم غير لطيفة.

الثامن من فبراير:
أين أنت؟ ولماذا لم تردّ بعد؟، هل يحتاج الأمر منكَ (تبييت استخارة)؟!
يا حبّذا -أعرف كم تكره هذه الكلمة-، فياحبّذا لو أنّكَ تردّ بكلمة لأعرف أنّكَ ما زلتَ حيّاً! نعم، أنا أشعر بالذعر من فكرة أنّكَ ربّما مُتّ قبل أن تردّ عليّ بتفاصيل العمل المطلوب، وترسل لي المبلغ المتفق عليه!

التاسع من فبراير:
مرحبا، أنا لسّه عايش. ارتحتِ؟
كنتُ في إجازة، مسافراً، وهذا عاديّ. لماذا تفترضين وقوع أمرٍ كارثيّ دوماً وكأنّكِ متشوّقة لذلك؟ دعي مزاجك الدراميّ للكتابات التي عليكِ إنجازها خلال الأسابيع القادمة، وأخرجيني من الأحداث. لا أريد أن أصحو يوماً وأجد نفسي شخصيّة في إحدى قصصك المرعبة التي يقف شعر رأسي وأنا أقرؤها!

التاسع عشر من فبراير:
الحمد لله ع سلامتك. إجازة الهنا. ارتحتُ طبعا، تخيّل لو أنَكَ متَّ وفلوسي ما زالتْ في ذمّتك؟! هل ترضاها لنفسك؟
ليتكَ كتبتَ على مجموعة العمل أنّك في إجازة ما بين هذين التاريخين (أيّا كانا)، أليس هذا ما يفترض بالمدير أن يفعله؟ التنظيم؟ وأن يكون هو منظّماً قبل أيّ وكلّ شيء؟. حسنا، أعلم أنّي أكلّمكَ مرّة أخرى بطريقة (الماما) ولكن هل نسيت؟ أنا أكبر منك.
أتذكر كيف صرتَ (تنطّ وما تحطّ) حين قلتُها لكَ أوّل مرّة؟. كنتُ أسمع صوتكَ النزق في شبه صياح: إشّو ابني؟؟ أنا قدّك شلون يعني تقوليلي ابني؟؟
وأنا أكرّ بضحكٍ مكتوم، وأتخيّل شكلك مثل (جنّي علبة النابض القافز)، تجلس على الكرسيّ فيقذفك غضبك عنه وتقف، ثم تجلس فكأنّك جلست على شوكٍ فتقفز مرة أخرى. لا والله لم أرَك ولا مرّة، إلا أنّ صوتكَ كان ينقل الصورة كاملة في بثّ حيّ مباشر.
– إي طبعا ابني، أنا أكبر منكَ بمئتي يومٍ، وأكبر منك بيوم، أعلم منّك بسنة. يعني أنا قد نانتك يا ابني..
هنا، كنتُ أنا أضحك حتى دمعتْ عيناي، بينما أنتَ تبرطم محذّراً وساخطا: حاج بقى، خلصنا..
وتحاول العودة إلى أحاديث العمل.
عموماً، لقد أرسلتُ إليكَ آخر مجموعة، وأتمنّى ألا تكون هنالك تعديلات كثيرة، لأنّي أظنّه العمل الأخير بيننا.

العشرين من فبراير:
مساء الخير، هل بإمكانك اختصار القصّتين الرابعة والسابعة؟ لا أعتقد أنّنا سنتمكّن من تسجيل الحلقات جميعاً. هل سمعتِ خبر الفيروس الجديد؟ الوضع غير مطمئن، ولكنّي سأحاول الضغط على الفريق هنا لعلّنا ننجز هذه المجموعة. إذا لم تتمكّني من اختصارها فلا بأس. تعرفين أنّي لن أفعل، أنا لا أجرؤ على تغيير شيء في كتاباتك. لا أملك الخبرة الكافية للتغيير في نصّ أدبيّ، ولا الخبرة لتجنّب سخطك عليّ إن فعلتُ.

الحادي والعشرين من فبراير:
فاجأتَني بذوقك ولطفك، وهل تملك أصلا حاسّة تساعدكَ على تمييز سخطي من رضاي؟ (لاحظ أني لن أكون لطيفة يوما معك). ما علينا.. سأختصرهما. أعطني يومين وتكون النصوص الجديدة عندك بإذن الله.

الرابع والعشرين من فبراير:
يوماً عن يوم أقتنع أكثر بصواب بقائي عازباً، مِرتاح ومريّح! والله إنّي لأعجز في أحايين كثيرة عن الردّ وأشعر أنّي أنفلق نصفين.
بأيّة حال، شكراً لتعديل القصّتين بهذه السرعة. التعديل ممتاز. نسيتُ أنّي لم أسألكِ: لماذا تظنين أنه العمل الأخير بيننا؟؟ وما معنى (أظنّ)؟. إذا كنتِ تريدين ترك العمل فلا بدّ أن تخبريني مباشرة، في أقرب وقت!!

الثاني من مارس:
ألووو.. أين أنتِ؟!، هل وصلكِ آخر مبلغ؟ لدينا مشروع جديد نريد أن نبدأ به. وأنا بانتظارك.

الخامس من مارس:
هل تركتِ العمل؟. هذا لا يليق. إن لم تكن هنالك عقودٌ مكتوبة فعقود المشافهة تقتضي أن تبلغيني بالفسخ.

السادس من مارس:
عذراً، أنا إجازة مع عائلتي والاتصال بالإنترنت صعب هنا. آسفة جدّاً أنّي لم أوضح كفاية في الرسالة الأخيرة، وكان يجدر بي ألا أرتكب نفس خطئِكَ وأسافر دون إيعاز. المشكلة أنّي مضطرّة لترك العمل معك، سمّها (ظروفاً عائليّة) إن شئت. لكنّ صداقتنا ستبقى بكلّ الأحوال، وأهلا وسهلا بكَ في أيّ يومٍ تمرّ فيه بمدينتنا.
بالنسبة للمبلغ، وصل كاملا، سلمت يداك.. معوّضين إن شا الله. وتعويضاً عن الخسائر التي قد تلحق بكَ بسبب هذا الفسخ المفاجئ، سأعيد نصف المبلغ لكَ، وأرفق هنا عناوين ثلاثة من أفضل الكاتبات اللواتي أعرفهنّ، ولديهنّ استعدادٌ للعمل معكَ. لا تقلق.. لم أذكركَ إلا بكلّ خير.

السابع من مارس:
حسنا، هذا مزعج. لا تعيدي إرسال أيّ شيء من المال، هذا حقّك. شكراً للعناوين المرفقة، سأجرّب التواصل معهنّ. كيف هي إجازتك؟ أتمنّى أن تكوني أنتِ والعائلة بخير. الوضع مقلق، هنالك أخبار عن إغلاق قريب للمطارات في العالم. أتمنّى أن تصلوا بيتكم بسلام.
(ملاحظة: ما زلتُ منزعجاً).

العاشر من مارس:
آسفة مرّة أخرى، لا أعرف ما أقول أكثر من ذلك. لا يمكنني الشرح، لكنّي أثق أنّكَ ستفهم بلا شرح. الإجازة جميلة جدّاً، نحن على شاطئ البحر والمياه دافئة على نحو غريب. أسبح كلّ يوم وأذهب في العمق حتّى يبدأ أبي بالتلويح لي من الشاطئ وقلبه يخفق، أعرف أنّه لا يخاف البحر وإنّما يخاف جنوني الذي قد يدفعني لترك نفسي أبتعد ولا أعود. لا أدري لماذا أخبركَ بهذا.
شكراً لطيب أمنياتك، سمعنا الأخبار، سنكون على متن الطائرة بعد غد بإذن الله. انتبه لنفسكَ وعائلتك أيضا.

الخامس عشر من مارس:
كيف حالك؟ هل توصّلتَ إلى اتفاق جديد؟ صديقتي، إحدى الثلاث اللواتي أرسلتُ لكَ عناوينهنّ، تكتب قصصاً عن الفايروس! قصصا ممتازة وليستْ قصص رعب، بل قصص حبّ. تقول إنّ الناس بعد إعلان الحجر الصحّي في العالم وتحويل الكوكب إلى سجنٍ عملاق، لن يحتاجوا إلى الرعب والإثارة والتشويق، بل إلى الحبّ والعواطف والتفاؤل. أعتقد أنّها محقّة. هل أرسلتْ لكَ شيئاً؟ سأرفق لكَ مقطعاً من أعمالها. كن بخير.

العشرين من مارس:
لقد سمعتُ الخبر من مجموعة العمل، نسيتُ أن أحذفها من هاتفي، وأبقيتَني أنتَ فيها. معافى إن شاء الله. تماسك، الأمر صعب لكنّه ليس مستحيلا. هل تستطيع أن تتكلّم؟ سأتّصل بك. فقط أرسل لي إشارة وسأتّصل، ليس عليكَ أن تقول الكثير. فقط أريد أن أطمئنّ عليك.

السادس والعشرين من مارس:
وصلتْني إشارة من هاتفه اليوم، فاتّصلتُ، فتمّ قطع الاتصال الصوتي من طرفه، ثمّ فوجئتُ بطلب مكالمة مرئيّة. أجبتُ المكالمة، فوجئتُ بممرّض يمسك الهاتف، يخبرني أنّه يتحدّث معهم إيماءً، رأيتُه متصلا بجهاز التنفّس. هل هذا هو؟ سألت. أومأ الممرّض إيجاباً ولم يصلني صوته من خلف الكمّامة. لم يدرك الممرّض أنّي لا أعرف شكل مريضه أصلا، وأنّي أراه للمرّة الأولى! سألتُ مرّة أخرى: كيف فتحتَ الهاتف؟ هل طلب منكَ ذلك؟، أجاب بنعم، إنّ المريض يتكلّم أحيانا لكنّ الأمر يأخذ منه مجهوداً كبيرا، لكنّه في تحسّن. لم أعلّق على النقطة الأخيرة، وطلبتُ إنهاء المكالمة، فوجدتُه يومي برأسه، قرّب الممرّض الهاتف من وجهه، فأشار بصعوبة إلى أذنه، فأغلقتُ الكاميرا ووضعتُ الهاتف على أذني وانتظرتُ بصبر، مرّت الثواني مثقلة بصوت الأنفاس، ثمّ سمعتُ صوته مبحوحاً، حاملاً أثراً من الحصان البرّيّ الجامح الذي كانَه قبل سنوات حين تحادثنا أوّل مرّة: حتّى لو أكبر منّي، مالي ابنك!
فضحكتُ وأنا أبكي، كنتُ أعرف أنّه لن يجد أفضل من هذه العبارة ليقول كلّ ما في قلبه.

الأوّل من أبريل:
لقد تحسّن، إنّه يتعافى! أرسل لي صورته جالساً، مرهقاً جدّاً كأنّه خرج توّاً من نصوص الإلياذة، أو قطع رأس ميدوسا! لكنّه جالسٌ، وبلا أقنعة ولا خراطيم من أيّ نوع متّصلة به. تمعّنتُ لحظة في الصورة، هذه أوّل صورة واضحة له، وهي أقرب لرسم عشوائيّ لرجلٍ مشعّث، لا شيء مميّز فيه.
أرسلتُ له: (الحمد لله على سلامتك) مصحوبة بصورة باقة ورد، ردّ:
– الله يسلمك، إلي عزيمة عندك بس يفتحوا الطيران.
*همّك بكرشك!
– صرلي 13 يوم عباّكل هوا حرفيّاً! مستكترة عليّ؟
* لا طبعاً وَلَو، مية السلامة.

العاشر من أبريل:
لم أفهم. حاولتُ ولم أقدر أن أفهم أو أستوعب.
قال الطبيب إنّ الانتكاسات الخطيرة تحدث، وليستْ غريبة في مثل حالته.
وقّع الطبيب أوراق خروجه في السابع من أبريل إذ لم تكن هنالك حاجة لإبقائه، مع توصيات كثيرة لتمام الشفاء. في اليوم التالي ارتفعتْ حرارته فجأة آبية الانخفاض، عادوا به للمشفى، شخّص الطبيب حالته: (التهاب في الرئة ناتج عن الإصابة بالفيروس). في صباح التاسع من أبريل توقّفتْ رئته اليمنى عن العمل، بدأتْ اليسرى تتهالك بالتدريج بعدها، منذرةً بفشل الأعضاء الباقية وتوقّفها عن العمل لنقص الأكسجين.
في العاشر من أبريل، وصلت المجموعة رسالة موجزة: عظّم الله أجركم في المدير، توفّي اليوم قبل ساعتين.
وبدأتْ المجموعة تطرح أسئلة عن الدفن والصلاة والعزاء، وأنا أقرأ ولا أفهم، ولا أريد أن أفهم. أعرف الإجراءات مسبقاً: لن تكون ثمّة صلاة إلا فرادى، لا جنازة، وسيكون الدفن في كفن ملفوف بأغطية بلاستيكية، والعزاء عن بُعد! لن تجد أمّه كفّاً تمسكها وتسندها لتصل إلى أقرب كرسيّ وتبكي معها، لن يجد أبوه من يجلس في الغرفة ويحكي عن أفعاله الشهمة وشخصيّته المحبوبة. لا شيء، كأنّه لم يكن.

العاشر من مايو:
الآن وقد مضى شهر، بدأتُ أصدّق أنّكَ لن تقفز فجأة في محادثة ما وتقول إنّكَ كنتَ مسافراً، وأنّ هذا من حقّك، أن تأخذ إجازة. ليس من حقّكَ أبداً، وليس هذا عدلا. لا أتحدّث عن موتك، بل عمّا حدث قبل ذلك: ليس من حقّك أن تسافر وتعِد أن تمرّ بدارنا ثمّ تخلف وعدك، في كلّ مرة.
لقد كنتَ نصفي الذي يشبهني بشكل مرعب (ربّما سأكتب قصّة عن هذا التشابه المخيف)، نصفٌ لا قرابة بيننا أبداً، ويشبهني جدّاً: أبدأ بكتابة جملة فأجدكَ كتبتَ ردّا عليها وهي لم تظهر أمامك بعد! وكأنّك تقرأ أفكاري. نتّفق على ذات المبادئ، ونختلف لذات الأسباب: الاعتداد الشديد بالنفس، وعدم تقبّل الخطأ من الآخرين. فلا أنا أقبل أخطاءك ولا أنتَ تقبل أخطائي، ونمضي الوقت في النقد اللاذع المتبادل، حتى ننتهي إلى رفع الراية البيضاء لنضع (المسائل الشخصية) جانبا ونكمل الأعمال. ولكنّ الأعمال كانتْ كلّها مسائل شخصيّة لكلينا.

أفكّر قليلا الآن بعد أن صفى ذهني: لا أظنّكَ كنتَ تريد أن تأتي، ولا أظنّني أردتُكَ أن تجيء. كنّا نقول ذلك من باب المجاملات: تعارف، ثمّ تبادل العناوين، ثمّ: زورونا.. إي ان شا الله.. بتشرفوا والله.. الشرف إلنا.. مية السلامة إيمت ما صحّلكم.. الله يسلمكم..تسلموا..
تعرف طبعا هذا النوع من الأحاديث الجميلة، التي تنتهي بأنّ أيّاً من الطرفين لا يتّصل بالآخر أبداً، ولا يرغب في تعميق العلاقة بتاتاً، ثم يلتقيان بصدفة محايدة عند طرف ثالث، ويعاودان الوعد بالتلاقي والتزاور، وكلاهما لا يريد ذلك حقيقة، ويدرك أنّ شعوره مفضوح تماماً.. لكنّ المجاملة اللطيفة لا تضرّ.

المجاملة لطيفةٌ عادةً، لا تؤذي، إنّما آذتْني أنا، فقدتُ نسخةً منّي لم أتخيّل يوماً أنّها موجودة في العالم وكنتُ بخير قبل اكتشفاها، ولن أعثر على سواها ولو عشتُ ألف عام، سأبقى نصفاً مكسوراً، مثل قلادات البنات الصغيرات التي تحميل قلباً مجزوءاً إلى نصفين بخطٍّ متعرّج، وكلّ منهما في قلادة ومكتوب على أحد النصفين: أفضل، وعلى النصف الآخر: صديقة. أنتَ أفضل أصدقائي، وأخذتَ نصف قلبي معك.

لو رجعتُ إلى ذلك اليوم الأوّل، لأطلقتُ عاصفتي عليكَ بدلاً من ضبطها، لعلّها كانتْ تحملكَ إليّ، وتكونَ الأقدار مختلفة.

أظنّني سأتوقّف عن كتابة قصص الرعب، فكما قالتْ صديقتي: العالم يعيشه يوميّاً، ويحتاج قصصاً عن الحبّ والأمل.

3.5.2020


لا تسافر!

” السفر قطعة من العذاب”، هكذا نشأنا على هذه المقولة، وهكذا ساعدتْ ظروف اغتراب أهلنا عن موطنهم الأصليّ على تعزيز هذا المفهوم. في كلّ سفر بالطائرة لا بدّ أن (ناكل همّ) الوزن المسموح به، وحجم الحقائب، وعددها، ومتانتها وإمكانيّة ضياعها ونوعيّة التفتيش والجمارك، ونتوتّر قبل السفر بيومٍ أو يومين، وأبداً لا يمكن أن نسافر وحدنا كأطفالٍ ولا حتى كشباب عزّاب، وخصوصاً البنات.
السفر هو دائماً لزيارة الأهل الذين لا نراهم باستمرار، وأجد هذا منطقيّاً وقد صرتُ أمّاً مغتربة عن أهلي. ولكنّي جرّبتُ سفر السياحة معهم مرّات، وسفر الإجازات بالسيّارة، وأعتقد أنّ متلازمة السفر/العذاب كانتْ ترافقنا دائماً لعدّة أسباب يطول شرحها، بعضها متعلّق بالجهة المقصودة، وأخرى متعلّقة بالأشخاص (رفقة السفر).

كنتُ أظنّ الأمر طبيعيَّا بالنسبة للأمّهات والبنات، ولكنّي اكتشفتُ لاحقا أنّ الشاب الذي ينشأ في هذا الجوّ (الملغوم) لا بدّ وأن يصاب أيضاً برهاب السفر، وأن تلاحقه متلازمة: أسوأ الأشياء ستحدث لكَ حين تسافر، خصوصاً لو كنتَ وحيداً وفي بلد لا أقارب لكَ فيه ولا أهل، خذ على سبيل المثال:
1. سيُسرق مالك.
2. ستعتدي عليكَ مجموعة سكارى خارجين من حانة وستنزف وتموت على قارعة الطريق ولن تجد طائرة تعيد جثمانك إلى بلدك.
3. ستصاب بحادث وسيكون الطرف الآخر من أهل البلد وأنتَ الغريب الأجنبيّ الذي سيضيع حقّه.
4. سيصيبك فيروس مجهول ومشافي تلك البلد لا تصلح سوى للموت، أو هي ممتازة جدّا لدرجة أنها سترفض استقبالك.
5. ستنفق الكثير من المال على أشياء تافهة ، هذا المال الذي يلزمك لأشياء أخرى أكثر أهمّيّة.
6. ستشعر بالملل والوحدة والضجر.
7. ستقع في المحرّمات وترتكب الخطايا السبع الموبقات!
8. أخيراً، وفي أحسن الأحوال فإنّ أمّك ستقول لكَ (مطمئِنَةً) إيّاك وهي (تشجّعك) على تلك (السفريّة): احتمالات خطف الطائرة أو سقوطها قليلة! فلا تدري أهي تدعو لكَ أم للمختطف أم لقائد الطائرة!

دعكَ من قائمة أخرى من المروِّعات التي ستجعلكَ تتمنّى أن تتبخّر قبل أن تقول إنّكَ مسافر إلى تلك المدينة: ييه.. قرايب كنّة جوز بنت خالة مرت عمّك هناك!، وتجد نفسكَ فجأة مجبراً على زيارة أقارب ليسوا أقاربَ أصلا، وإلا فأنتَ قليل تربية وقاطع رحم. وفوقها ستحمل (برضاك أو بغصبك) حقيبة هدايا أثقل من وزنكَ أنتَ وحقيبتكَ مجتمعَين، وسيضيع جدول وقتك في زيارات وعزائم ليستْ مُرضِيَة لأيّ من الأطراف (كرمال الواجب والتوجيب).

نعم، هذه هي النفسية التي نستقبل بها عالم (السياحة) عموما في مجتمعنا، في الحقيقة نحن لا نعرف معنى كلمة سياحة. الطريف في الأمر، أنّ جميع ما سبق من أسباب يزعمون ارتباطها بالسفر، تحدث أو حدثتْ لكَ بالفعل بنسبة مئة في المئة في بلد إقامتك! والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو أسوأ ما قد يحدث؟
والإجابة: لا شيء.
الموت؟ وارد في كلّ ثانية. الخطف مثلا؟ صار ببلاش. الإصابة بعيار ناريّ طائش؟ في منّه كثير.
في الحقيقة، إنّ أسوأ الأشياء تحدث من حولنا يوميّاً ولسنا محصّنين من وقوعها على رؤوسنا إلا بحفظ الله ومشيئته. لكن إذا أردنا أن نكون واقعيّين، فالسفر وحيدا أفضل بمراحل من السفر بصحبة عائلة تكون مسؤولا عنها، خصوصا إن كان في العائلة أطفالا صغارا أو رضّعا.. واسأل مجرّباً.

حين كنتُ عازبة في بيت أهلي زرتُ عدّة بلدان، وتقريباً لم نقضِ إجازة واحدة إلا مسافرين أو مستقبلين. ولم يكن الترف المادّيّ هو السبب، بل حماسة أمّي وشغفها وقدرتُها على التأقلم مع أسوأ الظروف وتغييرها إلى الأفضل، وتحويل النزهة من (وجع قلب) وأزمة، إلى متعة. كثيرون يربطون السفر بالحالة المادّية: معنا فلوس منسافر ومنصرف بدون حساب، ما معنا منقعد ومنسكت. لم يكن المعيار المادّيّ متحكّما يوما في سفرنا.
وكوني الابنة الوحيدة في العائلة، حظيتُ بمزية السفر مع أمّي منفردة، أو مع أشقّائي، ولاحقا وحدي مع بناتي. هكذا زرتُ سورية ولبنان والأردن وسويسرا قبل زواجي، ولن أضع مكّة وجدّة والدمّام في قائمة البلدان لأنّ عدد مرّات سفرنا إليها لا يُحصى. وحين أحكي لزوجي عن الأماكن التي كنا نسأجرها باعتبارها (شققا مفروشة) على سواحل سورية، لا يستطيع حتّى أن يتخيّل ذلك، وأضحك.
حكيتُ له مرّة أنّ العائلة كلّها ترافقتْ في السفر إلى اللاذقية بالقطار، ومن هناك أخذنا (المكرو) إلى البدروسية. طبعاً، عائلة محافظة لم تدس أقدامنا شواطئ اللاذقية إلا الكورنيش، أما السباحة، ففي أقرب بقعة إلى تركيا. ضحكتُ أكثر ممّا حكيتُ وأنا أقصّ عليه كيف (تطبّقنا) فوق بعضنا، وبقي راكبان لا كراسي لهما، فجلسنا على (ترامس) الماء. دعكَ طبعاً من إصابة البعض بدوّار السفر والغثيان والإقياء (وأنا أحدهم). وهؤلاء يقضون طريق السفر بيدهم كيس وباليد الأخرى نصف ليمونة. جوّ غير شكل. أذكر أنّي قلتُ له: صِدقاً ما بتذكّر إش خطرلن ياخدوا القطار، بس أكيد كانوا حابّين إنّه نجربه. طبعاً بالنسبة لجيل وُلد ونشأ في السعودية، لا يعرف سوى قطار حديقة الحيوان، وقطار مدينة الملاهي، كانتْ تجربة رائعة!
لم يتخيّل زوجي كيف كنّا ننام مثل أعواد الكبريت المصفوفة على أرض الغرفة، مثل المهجع! عنبر صبايا وعنبر شباب، والحمّام بالدور! وكيف نأخذ معنا كلّ شيء من البيت: من الملعقة والطنجرة إلى اللحاف والمخدّة والشرشف (ودائماً خايفين نقمّل من شراشف الشقّة) إلى أغراضنا الشخصية إلى….. وكلّ هذا لنقضي من ثلاث إلى خمسة أيّام، نبلع ماء البحر ويخبطنا الموج وتلسعنا القناديل ويحترق أبناء الخال بسبب بشرتهم البيضاء، ويتخاصم الكبار ويتنازعون ويتجادلون لأسباب لا تهمّنا، ونأخذ نحن الأمور بطناش تامّ ومتعة بالغة.

ركبتُ في السفريّات كلّ وسائل المواصلات المتاحة: طائرات من أسوأ وأفضل الخطوط على جميع الدرجات، قوارب بحرية أسوؤها الذي ركبناه باتّجاه جزيرة أرواد، عبّارة، باصات النقل الجماعية العظيمة، حافلات ذات طباقين تجتاز مرتفعات سويسرا المليئة بالمنعطفات، سيّارات متنوّعة بأعطابها المختلفة، تلفريك مغلق وآخر مفتوح، درّاجات هوائية. لم يبق إلا الدرّاجة الناريّة والمروحيّة والطيران الشراعي!

رغم ذلك كلّه، أعتقد أنّي استغرقتُ وقتاً أطول من اللازم للتخلّي عن متلازمة رهاب السفر، بدعاء: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلتُ وهو ربّ العرش العظيم. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علما.

ولأوّل مرّة من أعوام عديدة وسفريّات كثيرة، حين قرّرنا السفر في هذه الإجازة بالسيّارة وحدنا، زوجي وأنا والبنات، لم أتوتّر، وكنتُ جاهزة بأقلّ الأغراض الممكنة وبأسرع وقت. وكم كان مفعول هذا الشعور سحريّاً!

نعم، لقد قضينا أحد الأيّام نتنقّل بين مواقف الحافلات بحثًا عن طريقة العودة إلى الشقّة المستأجرة، وهذا بعد مشي نهارٍ طويل وخيبة أمل بعد وصولنا إلى المكان المقصود لنجده مغلقا، ونقٍّ من الآنسات، لكن أسوأ ما حدث أنّي تدخّلتُ للفصل بين صفيّة وسميّة بعد مشاكسات عديدة على موقف الترام.
نعم، ذهبنا ظهيرة يوم ممطر إلى مركز التسوّق الكبير على أمل تناول الغداء في أحد المطاعم فلم نجد مكاناً لركن السيّارة بعد بحث دام أكثر من ربع ساعة، فقرّرنا العودة للبيت وشراء بعض الأغراض للطبخ، ثمّ أضعنا المنعطف فوجدنا أنفسنا عالقين فجأة في زحام مروريّ خانق على الطريق السريع المتّجه خارج المدينة! وبعد استيعابنا الصدمة ضحكنا معاً، وفتحتُ حقيبة (النقاريش) وناولتُها للبنات فاكتشفتُ أنّ سمية نائمة، وصفية على وشك. وهكذا استمتعنا بهدوء الزحام والمطر حتّى وجدنا المنعطف الصحيح وعدنا.
ونعم، لم نتوقّف لحظة عن المناوشات والاستماع للشكاوى:
مامااااا تعبت..
ماماااااا جعت..
ماماااااا ..
* قولي لبابا!
بابااااا إيمت رح نوصل؟
لكن لم يحدث شيء خطير.
نعم، لم نترك دورة مياه عموميّة إلا ودخلناها، ولكن مع كامل عدّة وعتاد التعقيم والمطهّرات.
نعم تنازعنا آخر قطرات في عبوة الماء حتى نجد المكان التالي لشراء عبوة أخرى، لكن لم يمت أحد من العطش.
كلّ ما هنالك بعض النقّ، والتشكّي.. والكثير من الضحك، والصور والمتعة.

هل كان من الممكن حدوث شيء من قائمة المصائب أعلاه؟ طبعا ممكن جداً. أبسط من ذلك: يمكن أن نضيع! هكذا باختصار، لأنّنا نعتمد في تنقّلاتنا على الهاتف الذكي والخرائط الإلكترونية، ولكنّ (متلازمة) قراءة اللافتات المصابة بها مفيدة في كثير من الأوقات، مثل يوم نزهتنا في الجبل، حيث لا تصل تغطية الإنترنت، وعلى الإنسان أن يعتمد على ما حوله، لا الجهاز الذي بين يديه.

الخلاصة: لا تسافر، نعم أقول لكَ لا تسافر فقط.. بصحبة مخلوق نكِد أو مختلف في الاهتمامات عنك.
إذا كنتَ تحبّ التجوّل في المدن الكبيرة فلا ترافق من يعشق الغابات. ولا تصحب النكد معك في أيّ سفر، أحياناً يكون هذا الشخص نكداً لأسباب أخرى، وقد يكون هذا طبعه.

وبأيّة حال، اكتب وصيّتكَ، وتأكّد من رضا (الستّ الوالدة) عن رحلتك، فنسبة الواحد في المئة من تلك الحوادث قد تلحق بكَ لو لم تكن راضية.