Tag Archives: سوريا

لو ما كنتَ أنتَ.

“سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ “. هكذا كتبوا على لوح قبرك. وخطّوا تحت الآية اسمكَ، وكتبوا قبله: مَرقد. هكذا عرفنا أنّكَ (ترقد) هناك، تحت التراب، مرتاحاً من عفن هذا العالم بعدما خرجتَ منه شهيداً.

أين أمّك؟ هل ما زال أبوك على قيد الحياة؟، متى كانتْ آخر مرّة استطاعا فيها أن يزورا قبرك ويبكيا عنده وهما يتلوان الفاتحة؟ هل قصّا عليكَ ما حدث من بعدك؟.

أخبركَ أنا إذاً، ولكنّي لا أريد لقلبكَ أن يحزن، فخذ نفَساً عميقاً قبل أن أبدأ:

لم يحدث بعدك شيء.. تقريباً! ما حدث بعد رحيلكَ كان عاديّاً وطبيعيّاً جدّاً، وكنّا نعرف أنّه سيحدث لكنّنا نعتقد أنّ إنكارنا له سيحول دون وقوعه.

كلّ ما في الأمر أنّهم: اعتقلوك، عذّبوك، وقتلوك. وما في ذلك من أمرٍ لم نعرفه؟، ألم يفعلوها قبل أن تولد أنتَ وأنا؟ فما الذي أخرس شعبنا قبلا ولم يخرسهم لاحقاً؟، لم أفتّش كثيراً عن إجابة هذا السؤال، بالنسبة لي وكشخصٍ مؤمن، هنالك إجابة مريحة جدّاً تسمّى: قضاء الله وحكمته التي لا نعلمها قبل وقوعها. لكلّ شيءٍ أوانه لا يستقدم ولا يستأخر. إلا أنّنا لا نعرفه حتّى يقع.

لما فعلوها أوّل مرّة قبل عقود؛ ارتعب أهلونا من جدار زجاج كان بيننا وبينهم! يرَوْن ما لا يطيقون رؤيته، ولا يقدرون على إيقافه. قضوا أربعين عاماً محتجزين ضمن جدرانٍ زجاجيّة، ناسين أنّها تنكسر وتنهدّ تباعاً بضربة حجرٍ واحدة.

لكنّ أحدًا لم يجرؤ على رفع الحجر، حتّى رفعه رفاقك، ورميتَهُ أنتَ.. بموتك. تناثر الزجاج آلاف شظايا، وكلّ واحدٍ نال نصيبه وقام بدوره.

تخيّل.. هنالك من يشتم جثّتكَ الخالية من الحياة لأنّها رمت الحجر وهدمت الوهم الذي كانوا يعيشونه! تخيّل.. هنالك من يلعن رفاقكَ لأنّهم رفعوا رؤوسهم فوق الحواجز، واعتَلوا فوق الجدران الخياليّة، ورفعوا أيديهم إلى المكان الذي تستحقّ أن تكون فيه: عالية متسامية.

لم يحدث شيء لم نعرفه قبلا، ومع ذلك ما زلنا رغم سنواتٍ ستٍّ نفتح أعيينا على وِسعها بدهشة أعمى يرى للمرّة الأولى!

اهنأ بالا وطِب في مرقدكَ يا (حمزة)، فلو ما كنتَ أنتَ، لكان غيرك. ماضون نحن مع من يريد من شعبنا، حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

  • نشر على صفحة أدباء الشام.

مجدّرة!

زوجي يحبّ المجدّرة، يعزّ هذه الأكلة كثيرًا. ولذا وكلّما (احتستُ) في موضوع الطبخ الذي أعتبره (مطبّي) الوحيد كربّة منزل، إذ إنّي أتقنه ولكنّي لا أحبّه.. أقوم به كواجبٍ ثقيل.. أقول كلّما عجزتُ عن تحديد نوع الغداء ليومٍ ما، طبختُ مجدّرة.

ولكنّي في كلّ مرّة أقف لأطبخها أضحك مع نفسي، ذلك أنّ ذكريات المجدّرة أقدم من عمر زواجي بكثير.
في بيت أهلي -وكوني البنت الوحيدة- كنتُ وما زلتُ مدلّلة. ومع إنّي كنتُ أقوم بكلّ المهام المنزليّة بالتنسيق بيني وبين والدتي أدام الله عليها الصحّة، إلا إنّي كنتُ أجيد الهروب من الطبخ، وليس من المطبخ. بمعنى.. حلو على قلبي أنفض المطبخ تعزيلة ولكن لا أطبخ، وأتعامل مع الغِذاء كما تتعامل السيّارة مع البنزين! أعتبر الطعام وقودًا لا بدّ منه لتشغيل ماكينة الجسم.
ولأنّ طبخ والدتي أكرمها الله لا يُعلى عليه ولا يُمدح سواه بحضوره، فقد جعل هذا ذائقتي عالية كذائقة أهل البيت جميعًا.. واعتدنا على الطيّب اللذيذ الشهيّ.

وحدث مرّةً أن سافرتْ أمّي لتقديم دورة تدريبيّة ليومين، وكنتُ في عامي الجامعيّ الثانيّ. ولأنّ الوالد -رحمه الله- موجودٌ في البيت، وأخي مؤمن أيضًا، قلتُ لا داعي هذه المرّة أن يحضروا طعامًا من السوق، خلص عيب يعني.. وذكرتُ ذلك لابنة خالي التي كانتْ تدرس معي ونترافق في طريق الذهاب والإياب، وكانتْ وما زالتْ عاشقةً للطبخ وتتفنّن في إعداد الطعام. فقالتْ لي: بما إنّكِ ستعدّين الطعام بعد الرجعة من الجامعة، أعدّي شيئًا سريعًا لا يأخذ وقتًا. واقترحتْ المجدّرة. وذكرتْ لي باختصار كيف تُعَدّ. طبعا كانتْ مجدّرة الرزّ لأنّها المقبولة أكثر في بيتنا، ولأنّي أعرف كيف أطبخ الأرزّ، وبالتالي الطبخة كلمتين ونصف وخلصتْ.
وكان ذلك.. رجعتُ إلى البيت وغيّرتُ ثيابي ودلفتُ إلى المطبخ لأعدّ المجدّرة، وجهّزتُ السلطة، ووضعتُ الطعام، وجاء أخي مؤمن وجلسنا مع أبي وبدأنا نأكل.
أبي كان سعيدًا جدًّا أنّي طبخت، ولأنّي كنتُ مدلّلة عنده فما كان ليقول شيئًا. وكنتُ أشعر ونحن نأكل أنّي لم اصبر كفاية على العدس، فكان الأرز كامل الاستواء بينما العدس قاسيًا نوعًا ما. لكنّنا أكلنا بأيّة حال.. ولم يعلّق أحدنا على الأمر.
وقبيل انتهائنا من الطعام، وبين الكلام قال أخي مؤمن بنبرته الهادئة المحايدة المعتادة: ما إشبا شي مجدّرتك.. ذكّرتْني بطبخ الجيش..
وبين ضحكي قلتُ له: لا ياااااا.. وضحك أبي..
ولمن لا يعرف معنى (طبخ الجيش) فالمقصود هو طعام المجنّدين الذين يؤدّون خدمة التجنيد الإجباري في الجيش السوريّ، وبما إنّ أخي مؤمن هو الوحيد بين أشقّائي الذي أدّى تلك الخدمة العسكريّة، فقد كان خبيرًا بالعدس الذي لا يُهضم!

لا أذكر إنّي طهوتُ شيئًا بعد ذلك في بيت أهلي، ولا حتى بعد زواجي.. فكلّما ذهبتُ لزيارتهم أذهب (لأتدلّل) وآكل من طبخ أمّي. لكنّ جملة أخي (تنطّ) أمامي كلّما وقفتُ لأطبخ المجدّرة.. وأضحك لنفسي، وأدعو له: يسعد قلبك أمّون.. الله يعطيك حتى يرضيك.

* تنويه له: إذا كنتَ ستكتب في تعليقك أنّ طبخي حتى بعد هذه الأعوام ما زال يشبه طبخ الجيش، فقد كتبتُه لك.. لا تتعذّب :)

قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ..
وسمعتُ صوت ضحكٍ وسعالٍ وأحاديث من الشارع، أشخاصٌ يمشون.. ألقيتُ نظرةً على الغرفة المعتمة إلا من ضوء الشارع الأبيض البعيد، الخزانة الخشبيّة، نور الساعة الإلكترونيّة، صوتُ حفيفِ الشجر ونفخُ الريح كلُهاثٍ ضجِر، كلّ شيءٍ في مكانه تمامًا.. أنا فقط؛ لستُ هنا.

العتمة الجزئيّة قالتْ لي إنّ مصراع النافذة خشبيٌّ مطليٌّ باللون البنّي، وإنّ الأصوات التي سمعتُها تأتي من الطابق السفليّ حيث يجتمعون، وإنّ هذا هو أيلول الذي لا يُمطر ولذلك أحسّ الرطوبةَ الثقيلةَ المنعشةَ معًا، وإنّ الشجر الذي أسمع حفيفه هو السّرْوُ في الحديقة الشرقيّة، وإنّي لو التفتُّ قليلا تجاه النافذة على مهلٍ فسأرى البومة التي تقف هنالك بعينيها الكبيرتين.
قالتْ العتمة أيضًا إنّ هذه فرصتي كي أنهض وأفتح مصراع الشرفة التي لا يجلس فيها أحدٌ إلا نادرًا، وآخذ نفَسًا عميقًا من الوحدة والهدوء والسكينة، وأنا أنظر إلى شرفة منزل أهلي في البناية المقابلة، منزلهم الذي لا أعرفه لأنّ عُصبة السُّرّاق التي سرقتْ الوطن كلّه؛ اغتصبتْ بالجُملة حقّ ملكيّته من قبل أن أُوجد في الحياة.
قالتْ العتمة إنّي لو أغمضتُ عينيّ أكثر قليلا سأكون هنالك زمنًا أطول، وسأحفظ تفاصيل أكثر، قد أتذكّر مثلا عدد الأدراج في الخزانة الخشبيّة عند باب الغرفة، تلك الخزانة التي كنتُ أفتح دُرجها الأوّلَ خِلسةً من جدّتي وأتفرّج على أمشاط الشعر.. لعلّني أنتقي مرّة أخرى مشطًا مزهّرًا كذاكَ الذي أعطتنْي إيّاه.
قالتْ لي العتمة أشياءَ كثيرة؛ ولم تنتبه إلى دمعي الذي راح يقطر تِباعًا بصمتٍ كصنبورٍ ينقُط على منشفة. ولم ترَ السؤال الذي ارتسم في الفضاء:
“ما هي الحقيقة التي كانتْ؟ وما هي الحقيقة التي ستأتي؟ أيّهما أفضل لي: أن أتذكّر أو أنسى؟ من يقرّر ذلك إذا كنتُ لا أعرف كيف أقرِّرُه؟ ولماذا.. لماذا نصرّ على استِجْلاب ما يُثير أحزانَنا الكامدة؟”

أغلقتُ النافذة، وأغلقتُ المِصراع الكهربائيّ مانعةً آخرَ بصيصِ نورٍ من التسلّل، قلبتُ وسادتي وجعلتُ المبتلّ منها بعيدًا عن وجهي، تشرنقتُ بلحافي.. وتلوتُ أذكاري، وتأكّدتُ من إغلاق عينيّ جيّدًا.

الآن أنام.. أنام كجنينٍ في رحم أمّه.. يرفس بقدمه متعجّلا الخروج، يريد أن يعرف ما وراء العتمة، ولا يدرك أنّ تلك المعرفة ستأخذ منه حياةً كاملة!