أنا منهم.

نخلة بيت أهلي في الرياض

* لا أدخّن، لا أشرب الكحول، ولا أشرب المنبّهات.
– كيف تعيشين؟!
* لماذا تدخّنين؟
– لأسترخي..
* أنا أسترخي حين أقوم بالتنظيف والترتيب. أحيانا في السوق أراقب الموظّف الذي يقوم بترتيب البضائع على الأرفف. مشاهدته وهو يقوم بالترتيب تريح أعصابي.
-!!
* ولماذا تشربين الكحول؟
– لأنسى وأروّح عن نفسي.. وأنتشي.
* الكحول شبيه بالمخدّرات، هنالك أشياء كثيرة تؤدّي إلى ذات المفعول. مرضى الربو الذين يستخدمون موسّعات الشعب الهوائيّة يفهمونني تماماً. أيضًا مدمنوا المأكولات الحارّة.. هل جرّبتِ أن تشربي قنينة (تباسكو)؟ لا؟.. جربي.. شبيهٌ بمفعول الكحول حتمًا بحسب ما وُصِف لي.
– ماذا عن المنبّهات؟
* لا أحتاجها. لم يحدث أن تناولتُها إلا وارتفع ضغطي (حقيقة لا مجازا)، وأنا من قومٌ ضغطهم الطبيعي كسلك التوتّر العالي. لأبقى مستيقظة؟ أنا لا أنام إلا حين يخلو رأسي من الأفكار، أما لو كانتْ هنالك فكرة تتمشّى فيه وتتفرّع، فيمكن أن أبقى يومين بلا نوم.
– المنبّهات ليستْ مضرّة بالصحّة..
* لم أقل إنّها مضرّة! أنا قلتُ إنّها (تنبّهني) وتقلقني. وأنا (بالناقص قلق)! يا عزيزتي.. أنتِ ألمانيّة وأنا عربيّة. (إش جاب لجاب)؟
– الترجمة لو سمحتِ!
* تكرمي: أنتِ وُلدتِ من دم أزرق، يعني دم بارد.. بارد جدًّا.. (بوظ). في مدينة باردة غائمة معتمة، لم تسخن تحت قدميكِ أرضٌ بحرارة خمسين مئوية في الظلّ. لم يصفرّ شعرك بسبب الشمس بل بسبب الجينات. وجلدكِ يحترق من عشرين درجة مئوية بينما نحن نقول (الجو اليوم بجنّن!) ونرتدي المعاطف.
أنا وُلِدتُ كما تولد النخلة: في الصحراء، نزهتي المفضّلة رملٌ حارق أحفر فيه حتّى أجد باطنه البارد وأدسّ قدمي. بينما عباءتي السوداء تتحوّل إلى شوّاية في شمس (عِزّ الشتاء).
في صيف آب، الذي تختبئين فيه داخل بيتكِ في الظلّ وأنتِ تقريبًا بلا ثياب، أخرج أنا بالجينز والـ تي شيرت إلى حديقة البيت، لأغسل الشجر بالماء الذي يندفع شِبه مَغليّ من الصنبور، وأغسل نفسي بين لحظة وأخرى لأجفّ بعد خمس دقائق على الأكثر.
أنتِ تتركين غسيلك على الحبل لساعات، أو على الأقل لساعتين في الأيام التي يكون فيها الجوّ عدوّك. أنا أجمع الغسيل بعد عشرين دقيقة من نشره على الأكثر، في الأيام العاديّة. فلا يوجد في صحرائي يومٌ عدوّ ولا صديق، النخلة صديقةٌ لجميع الأيّام.
أنتِ لديكِ ملابس مطر كاملة ومظلّة وحذاء طويل العنق، وأنا اشتريتُ معطف المطر (خجلا) من منظر ملابسي المبتلّة لو التصقتْ بي، وما زلتُ أخرج بحذاءٍ قماشيّ صيفيّ وأغرق في كلّ مرّة.
أنـتِ لا تشاهدين الأخبار، ولو فعلتِ، فستكون أخبار مدينتكِ فقط.. ربّما تهتمّين مرّة أو بضع مرّات في العام بأخبار الدولة لو كان لها تأثير مباشر على حياتك. أمّا أنا.. أمّا نحن.. فصغيرنا وكبيرنا يتابع (مسلسل) الأخبار ولا بد أن نشاهده قبل النوم وعند الصحو منه وكأنّه جرعة دواء! نعرف عن العالم أكثر مما نعرف عن أهل البيت. بارعون في التحليل السياسي من كثرة ما شاهدنا، وربّما صرنا خبرة بلغة الإشارة من كثرة متابعة النشرات.
أنتِ لا مشكلة لديكِ من الناحية الأخلاقية مع أطفالك: فكلّ شيء مسموح، ولا إله هنالك. النزاع الوحيد يقع عندما لا تتمكّنين من تدليلهم (مادّيا) كما يطلبون، رغم انعدام الخوف من الرمي في الشارع أو عدم القدرة على دفع أجرة الكهرباء أو الماء أو الطعام أو… فمخاوفكِ الحقيقية هي مستوى الرفاهية.
وأنا.. نحن.. خلّيني ساكتة!
أنتِ لا تجيدين سوى لغة واحدة، ولا يهمّك تعلّم غيرها، ولو تعلّم طفلكِ الإنجليزية فخير وبركة، وبإمكانك الاستفادة من خبراته لو فكرتم في السفر خارج ألمانيا.
أما أنا.. فالحدّ الأدنى لي ولأطفالي هو ثلاث لغات أساسيّة: العربية والألمانية والإنجليزية!
في الحقيقة يا عزيزتي.. أنا التي عليّ أن أسألكِ: كيف تعيشين تحت هذا الضغط كلّه الذي يسبّبه ارتفاع ثمن السجائر، ومشاكل الكحول الصحّية والأخلاقية، والعصبيّة التي تسبّبها لكِ كثرة المنبّهات؟!
تسألينني كيف أحتمل هذه الحياة بدون هذه الأشياء التي برأيكِ تساعدكِ على احتمالها. وأنا متعجّبة لماذا تشعرين أنّكِ مرهقة ومضغوطة: فدنياكِ واحدة، بينما أنا في كلّ حركة أحسب حساب الدنيا والآخرة، وأنتِ في بلدكِ وأرضك ولغتك، بينما أنا لو عِشت هنا ألف عام لبقيت (أجنبيّة) وفوق ذلك (ذات حجاب)، ولكنتي واضحة. لديكِ طفلان على الأكثر تمامًا مثلما عندي، أو أطفالك كبروا وخرجوا من البيت، أو ما عندك أطفال أصلا! فما الذي لا تحتملينه في (هذه) الحياة؟!. أهلك يعيشون معك في البلد ذاته ولكنّكِ لا تعرفينهم تقريبا، بينما أنا أعيش العام كاملا أحسب وأتجهّز لزيارتهم، والمسافات ليستْ بقصيرة.

أنا نخلة وأعيش هنا، هل رأيتِ نخلة هنا من قبل؟! هل ينبت نخل في هذه الأرض السوداء الزنخة؟.. هل يحتمل بردها وصقيعها وبرودها؟
تعالي أنتِ.. أيّتها الصنوبرة الألمانية التي لا تثمر، وجرّبي يومًا واحدًا في مدينتي.. في شتائها، ولن أقول في صيفها لأنّكِ ستتبخّرين دون احتراقٍ حتّى.

أنا من قومٍ حديثهم العاديّ شجار، ونقاشهم الطبيعيّ معركة، وعناقهم اليوميّ ملاكمة، ومتعتهم اليوميّة هي التوتّر، ورياضتهم المفضّلة هي رفع الضغط، وضحكتهم الدائمة هي السخرية من هذه الحياة، واسترخاؤهم هو الصلاة.
أنا منهم ويكفيني هذا، ولا أشعر بحاجة لشيءٍ آخر كي (أجتاز) هذه الحياة بسلام.



ذلك الزمن في الحافلة

حين صعدتُ الحافلة صباح اليوم متّجهة لزيارة صديقتي في المشفى؛ كان في داخلي استياءٌ عجيبٌ من نفسي، واتّهامٌ لها بالحماقة.
إذ كان صباحي الباكر مزدحمًا بعدّة أعمال داخل المنزل، ثمّ إيصال ابنتي الأولى إلى مدرستها، فالذهاب إلى الطبيب لموعدٍ لي، ثمّ الذهاب للسوق مع ابنتي الثانية لابتياع زهرٍ آخذه بيدي لصديقتي المريضة، ثمّ إيصال ابنتي إلى روضتها، وبعد هذا ركوب الحافلة لنصف ساعة هي مسافة الطريق.
وعند موقف الحافلة؛ كان معي من الوقت قبل وصولها قرابة 13 دقيقة، فقرّرتُ ولأوّل مرّة في حياتي (المرّة الأولى حقًّا لا مزاحًا) أن أبتاع لنفسي كوب قهوة أشربه في الطريق. ودخلتُ إلى السوق حاملةً أصيص النبتة المزهرة التي ابتعتُها لأنّي وجدتُها أجمل من الزهور التي تذبل بعد حين، وبعد حيرةٍ لدقائق، ابتعتُ من أحد المحالّ قطعة كرواسان سكّريّة، ثمّ عرّجتُ على محلّ آخر وطلبتُ شايًا لأنّي في آخر لحظة قدّرتُ أنّي قد لا أحبّ القهوة من عنده إذ إنّي لا أشرب القهوة إلا بمزاجٍ، ولا تعجبني أيّة قهوة. ولأنّي لستُ مغرمةً بالشاي، فقد أضفتُ له القليل من السكّر والحليب! وأنا منذ أكثر من عشرة أعوامٍ لم أشرب شايًا بالحليب. Continue reading


شمّوسة

20150503_161413

أدندن لها:
سمسومتي أحلى البناتْ
تُهدي الشموسَ الساطعاتْ
..
..
في السادسة والنصف صباحًا فُتِح باب غرفتي النوم. وعلى عادتي استيقظتُ فورًا لأنّي أعرف إنّها ابنتي الصغرى سميّة.. غالبًا تحتاج الذهاب للحمّام.
اقتربتْ من سريري ووقفتْ عند رأسي حاملةً وسادتها الصغيرة (مخدّة نانا)؛ شعرها المموّج الكستنائي منتثر في كلّ اتجاه يلقي ظلالا على وجهها الناظر بعينين نصف مغمضتين إلى الأرض. سألتُها بهمس: بدّك حمّام يا روحي؟
ردّتْ بصوتها المبحوح من آثار التهاب الشعب الهوائيّة: لا. بدّي أنام جنبك. Continue reading