Tag Archives: صحبة

الجمعة لا تأتي يوم أحد.

أشتاق أن أخرج من بيت أهلي وأعبر الشارع إلى الجهة المقابلة لأدقّ باب بيت خالي في ساعة متأخّرة من الليل، لتفتح لي ابنة الخال، ونتسلّل إلى غرفتها لتقصّ شعري بشكلٍ جديد. أشتاق لشهقتها وهي تعتقد أنّه صار قصيرا جدّاً، وأنّه: يا ويلنا من عميمة/أمّي. ونضحك ونحن نقول: يلا.. نانا بتقول الشعر بضاعة مخلوفة.
أشتاق إليها الآن وقد علّمتني كيف أقصّ شعري وحدي منذ أعوام، ولكنّي لم أتعلّم كيف أقصّ شعر غيري.. شعر بناتي مثلا! بدلا من هذه الفوضى التي أُحدثها في رأسيهما كلّما أمسكتُ المقصّ.
أشتاق أن آخذهما إليها وأقول لها: علميني موديل يزبط على شعرن السايح أمشي معه عشرين سنة لقدّام!
كلّ شيء في الحياة رِزق، وأنا أعتقد يقينًا أنّ هذا البال والمزاج وحبّ تجميل الشعر والوجه هو رِزق، وأنا لم أُرزقه.. فلا بال لي مطلقًا ولا صبر لي لأكثر من خمس دقائق على تجميل بناتي. أنتظر أن تكبرا لتتعلّما ذلك وتعفياني من هذه (المهمّة). Continue reading

اكتُب أحزانكَ كيْ

اُكتُبْ أحزانكَ
كيْ
تُفرِغَ بعضًا من ألَمِكْ
لا تنطق شيئًا
لا تحْكِ
لا تسرُدْ قِصّتَكَ لأحدٍ
لن يفهمَ ما بكْ!

لم يُخلَقْ بعدُ
من يفهمُ أحزانكَ؛ مِثلكْ.

لا تُخبرني
فأنا عاجزةٌ عن عَوْنِكْ
عن حَملِ الهمِّ معكْ

لا تمْنَحني شرفَ الصُّحبَةِ
إنَّ طريقي مخْتَلفٌ
وستُكمِلُ دربكَ وحدكْ!

فتهيَّأْ لِلْوِحدةِ، لَو تدري
ليستْ سيّئةً جِدًّا..

وستعتادُ الشكوى
للخالقِ دَوْمًا،
وستمضي في الدنيا
كالموجةِ.. فاخْتَرْ
أنْ تنحِتَ صخرًا
أو تمسُدَ رملًا
أو تغدُوَ قبرًا يبتلعُ الغرقى.

اِختَرْ ما تصنعُ
لكنْ
لا تخبرْ أحدًا بنواياكْ
وافعَلْ واصْمِتْ
وابقَ وحيدًا..
في صُحبةِ نفسِكْ.

على قيد صُحبة

الحياة مليئة بأشياء كثيرة قد لا نعرف الحكمة منها، ونِعَم أكثر قد لا نحسّها ..
….
(إني لأشعر أنّ عمريَ بعد فـُرقتِـكم، هباءْ
أوَ لستمُ ماء الحياة .. وأنتمُ فيها الهواءْ؟!) 1
….
حين تنهين عامكِ العشرين، وما زلتِ قادرة على :

إغاظة صديقتكِ إذ تطلـّين من باب قاعتها الدراسية، فتمدّين لسانكِ، وتولّين سريعا قبل أن تلحق بكِ ..

الركض في الممرّات مطاردة ً الصديقة لتدوسي قدمها، أو تدلقي عليها قنينة الماء!

اختطاف معطفها في يوم شديد البرد، والهروب إلى قاعتكِ، فتباغتكِ هي بهجوم في منتصف المحاضرة لتستعيد معطفها وتعضّ كفكِ، ثم تكملان العراك في الدقائق العشر الأخيرة في ساحة الجامعة، والأعين التي يبرق فيها الفضول تتجمهر حولكما ..

حينها فقط، تعرفين أنّ اقتسام الحلوى مع أبناء إخوتكِ الصغار هو من حقوقكِ المشروعة، وأنّ فقاقيع الصابون ليستْ شأنا خاصا بالأطفال بقدر ما تبدو كذلك،

وأنّكِ ترسمين بهجة مع صديقاتكِ، في حين ترسم باقي الفتيات وجوههنّ، ويقتلن الحياة في حين أنكنّ تصنعن نبضها..
….
حين تبدو لهنّ كلمة (حبيبتي وعيني) تدللين بها صديقتكِ
غريبة .. لأنها تطرق حواجز تكلـّفهن،
ومخيفة .. لأنها تشي بعاطفة عميقة لا يمكنهنّ أن يصدّقن طهرها،
وحاسدة .. لأنهنّ لا يجرؤن أن يخبرن رفيقاتهنّ حين يغبن: (اشتقتكِ)!

تعلمين أنكِ تعيشين الحياة بكلّ معانيها، وأنكِ – الآن – فقط بإمكانكِ أن تدركي لماذا ورغم كلّ المصائب الدائرة في الكون، ورغم كلّ الهموم التي تجذبكِ إليها، لا زلتِ تعاندين، وتملكين أن تطلقي ضحكة صافية ..
….
لأنكِ يوما حين تأتين كئيبة متجهـّـمة، ستعقد طرف شالكِ، وتهندمكِ، وتجبركِ على أكل لوح شوكولا لتتحسّن روحكِ المعنوية ..

ولأنها حين تكون متعبة، فإنها تسند رأسها إلى كتفكِ دون أن تسألكِ حتى، فتقرّبين كرسيّكِ من كرسيّها لترتاح أكثر، وتعرفين وتعرف، أنّـه لا داعي لبعثرة الكلمات ..

لأنكِ كثيرا ما تباغـَتين بذاك الألم الذي يمزّق أعصابكِ، ووحدها هي تحسّ بكِ، فتلتفت إليكِ وترسمكِ في دفتركِ، وقد علتْ التكشيرة وجهكِ، وتترككِ تضحكين، وتنسين ..

ولأنها حين يكاد يقتلها الملل ويتعبها طول الجلوس في محاضرة باهتة، تنثرين خصلات شعركِ الناعم على وجهكِ، وتنفخينها مرارا، وتعلمين أن لا مشهد آخر قد يضحكها بقدر ذلك ..

لأنكِ حين تنقطعين عن العالم في الإجازة الطويلة، وتصابين بكسل مميت، لدرجة أن لا تجيبي مكالماتها، تجدين يوما في الرسائل الواردة:
ردّي يا دوبــّا يا وِحشة! يا شينك لا ثقلتِ دم!
فتطلبين رقمها لتطلقي ضحتكِ المحتبسة التي كاد يصيبها الصدأ ..
….
توقنين حينها، أنّ (رفيقة الدرب) أكثر من مجرّد اسم ورقم مخزّن في الهاتف،
وأكثر من أوراق ملخّـصات وقلم حبر أزرق نصف ناشف،
ووريقة علك ومنديل مستخدم و ريـال ممزّق ومرآة مشروخة،
أو كحل مكسور وأحمر شفاه نُـسي فلطخ جوانب الحقيبة،
أو رباط حذاء غير معقود، وأرض لامعة زلقتْ عليها القدم ..
وأكثر من صورة مرسومة بالطبْشور على جدار الذاكرة قد يتآكلها الزمن ..

توقنين أنّ (رفيقة الدرب)، هي الكيان الذي سيلازمكِ طوال سنوات،
وهي التي ستنشر أخباركِ (السعيدة) حين ستأتين بها يوما وتحاولين إخفاءها خجلا ..
ووحدها هي التي يمكنها أن تكون مجنونة أكثر منكِ .
….
وحين ستقفان يوما تعرفان فيه أنه لو استدارت إحداكما وخطتْ إلى الإمام،
فلن يمكنها أبدا أن تكون هناك مجدّدا،
ولن يكون لكما أن تلوّنا معا وجه الزمان الرماديّ، بألوان الحياة الفاقعة ..
حينها، ستخبرينها أنكِ لن تودّعيها، لأجل أن تكوني مدينة لها بعناق،
وتكون لها الفرصة لتهدّدكِ وتتوعّدكِ إن أنتِ لم توفـّيه إليها!

ثم تخبرينها أنّ الأرواح التي تآلفتْ، ستجتمع في القرب أو البعد،
وأنّكِ ستهمسين لنجمة لامعة أن تحضن روحكِ بدفء حين تصعد إلى السماء،
حتى إذا صعدتْ روحها، كان لهما أن تلتقيا .. كلّ مساء.
….
يا (رفيقة الدرب)، أوَ حقّ ٌ أني لم أخبركِ ..
.
.
.
ليس لي أن أكون (على قيد حياة)، ما لم أكن (على قيد صحبتك)!

Notes:

  1. من نشيد يا صاحب الشوق.