أبعد مِلحك عن جراحي !

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة. Continue reading


زُهيرة عاديّة جدا، ذكرتـْني ما أعجز عن نسيانه.
—–
نعم، لا أنكر ذلك، أنّ لكلّ شيء رونقه وبهجته.
أيّ أمر قد يكون كتذوّق النجاح، حلاوة ً تلو أخرى، وبهاءً تلو آخر؟
صعبٌ أن يكون له مثيل، وربما يستحيل.

لكن.. تعالي أخبركِ ما الذي يأكل قلبي قلقا،
ويملأ روحي ثقوبا ويتركها مذعورة،
تعالي إن أردتِ أن تـُصغي لصوتٍ مرتجف..
……
أرقبكِ، تكبرين، تتألقين، لكنكِ وحدكِ، وبعيدة.

نعم، تدركين أن لا أحد ولا شيء يشبهكِ، فتزدادين زهوا، لكن ..

أخاف أن تهبّ رياحٌ باردة، فتُـثلج بتلاتكِ النضِرة، أو تسلبها لونها..
أخاف يوما، إن تعبتِ، فأملتِ رأسكِ، أن لا تجدي كتفا تتلقـّاه، تسنده، تطمئنه.
……
أخبريني، وثقي أني لن أملّ تكرار السؤال:
هل يستحقّ؟ هل أنتِ مقتنعة أنه يستحقّ؟

المكان المميّز، الملحوظ، الذي يتطلع إليه الجميع بغيرة وحسدٍ ربّما.
لكنّ الحقّ يقال، زهرة واحدة لا يمكنها أن تلوّن بستانا، ولا حتى حوضا صغيرا،
قد تستوقف العابرين وتلهمهم، لكن ألن يتساءلوا كيف نمَتْ وحدها هكذا؟
أتراه تساؤلهم هذا ما يجعله مكانا مميّزا؟
……
هل يستحقّ أن تكوني أقرب إلى سمائكِ التي ترينها،
منه إلى الأرض التي تمسك جذوركِ؟

هل يستحقّ أن نفقد واحدة منا، ليس لأنّ عمرها انتهى،
بل لأنها أفضل، ولم تطق صبرا انتظارَنا،
ونحن ننمو ونتعثـّر بالبطء وبالزمن؟
……
يا تـُرى، كيف تكبر زُهيرة في الحوض دون باقي الزُهيرات؟
ألا يعني هذا أنّ شيئا ما قد دُفع منهنّ إليها..؟
ألا يعني هذا أنهنّ أحببنها، وأعطينها،
وبحاجة لأن تلتفت إليهنّ بين حين وآخر؟
……
هل يستحقّ أن تغادري أدفأ الأماكن -مكانكِ الذي في القلب-،
رغم أنه كان ليحتويكِ مهما كبرتِ؟

هل يستحقّ أن تلوّني رسومكِ بالرماديّ والأزرق الكالح والسواد،
وتنسي نكهة الأشياء، ويصير الكون حولكِ صمتا؟
……
إن كان لي أن أرجو، فأنا أرجوكِ أن تـُقسمي.. أنكِ سعيدة، وأنّ هذا ما تريدين،
وأنكِ إن احتجتِ أن تكوني بيننا أيّ وقتٍ تشائين، فستأتين ..
وأنّ هنالك من سيضْمُدُ جراحكِ لو جُرحتِ، ولو لم أكن أنا.

ففي ذلك عزاءٌ لي، أيّما عزاء..

علّ دمعي الذي يكـِفُ الآن، يجفّ ويقف،
عله لا يعود فيفجؤني كلما مررتُ بكِ،
ومضيتُ دون أن يكون أكثر من ثلاث كلمات بيننا.
……
هل ألوم؟ كلا يا حُلوتي،
فأنتِ قلتِ مرّة أن اللوم شأنٌ لا يحقّ لي، وهو مثلما قلتِ.

هل أعتب؟ وعلام العتب إن كنتِ تدركينه قبل أن أنطقه؟
……
أنا فقط أسألكِ أن تغفري لي ذنبا لا أعرفه،
ويكفيني منه أنه ما يزال يُفرغ عليّ حُزنا وسكونا.

أنا فقط أخبركِ، كم أتحسّر على قلبي الطفل ِ المرهف،
الذي يرفض أن يدرك ويصدّق، أنّ الحياة تتغيّـر،
وكلّ ما فيها يتغيّر،
حتى أنا.. حتى أنتِ.

13-1-1426
22-2-2005