العدل المفتَرَض: بين صفية وسمية..

لا يحتاج المرء دقّة ملاحظة عالية لينتبه إلى فروق الشخصيّة بين ابنتيّ (صفية وسمية). لكنّه يحتاج ذكاءً شديداً كي لا يساوي بينهما في المعاملة. نعم، فالمعاملة المتساوية غير منطقيّة ولا صحيحة. العدل لا يعني أبدا أن أعطي الواجب نفسه لكلّ الأطفال، أو المكافأة عينها.
ففي حين تعتبر سميّة (خمسة أعوام) أنّ أجمل الهدايا دمية (باربي) جديدة، أو علبة (ماكياج)، أو أحمر شفاه مثل (الكبار)، ترى صفيّة (ثمانية أعوام) أن الدمى القماشية بجميع أشكالها وأحجامها هي أروع ما يمكن أن تحظى به.
وطيلة عام ونصف تقريبا، كنتُ أسعى -بزعمي للمساواة بينهما- لشراء أشياء متماثلة، قطعتان من كلّ غرض. حتى نظام (شجرة الحسنات) الذي علّقته كان يقضي التساوي بينهما.. وقد بدا ذلك (عادلا) في البداية. لكن حين توزيع المهمّات وجدتُ أنّ العدل المفتَرض مستحيل:
* صفيّة لديها واجبات مدرسية، وسميّة لا. Continue reading


لو ما كنتَ أنتَ.

“سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ “. هكذا كتبوا على لوح قبرك. وخطّوا تحت الآية اسمكَ، وكتبوا قبله: مَرقد. هكذا عرفنا أنّكَ (ترقد) هناك، تحت التراب، مرتاحاً من عفن هذا العالم بعدما خرجتَ منه شهيداً.

أين أمّك؟ هل ما زال أبوك على قيد الحياة؟، متى كانتْ آخر مرّة استطاعا فيها أن يزورا قبرك ويبكيا عنده وهما يتلوان الفاتحة؟ هل قصّا عليكَ ما حدث من بعدك؟.

أخبركَ أنا إذاً، ولكنّي لا أريد لقلبكَ أن يحزن، فخذ نفَساً عميقاً قبل أن أبدأ:

لم يحدث بعدك شيء.. تقريباً! ما حدث بعد رحيلكَ كان عاديّاً وطبيعيّاً جدّاً، وكنّا نعرف أنّه سيحدث لكنّنا نعتقد أنّ إنكارنا له سيحول دون وقوعه.

كلّ ما في الأمر أنّهم: اعتقلوك، عذّبوك، وقتلوك. وما في ذلك من أمرٍ لم نعرفه؟، ألم يفعلوها قبل أن تولد أنتَ وأنا؟ فما الذي أخرس شعبنا قبلا ولم يخرسهم لاحقاً؟، لم أفتّش كثيراً عن إجابة هذا السؤال، بالنسبة لي وكشخصٍ مؤمن، هنالك إجابة مريحة جدّاً تسمّى: قضاء الله وحكمته التي لا نعلمها قبل وقوعها. لكلّ شيءٍ أوانه لا يستقدم ولا يستأخر. إلا أنّنا لا نعرفه حتّى يقع.

لما فعلوها أوّل مرّة قبل عقود؛ ارتعب أهلونا من جدار زجاج كان بيننا وبينهم! يرَوْن ما لا يطيقون رؤيته، ولا يقدرون على إيقافه. قضوا أربعين عاماً محتجزين ضمن جدرانٍ زجاجيّة، ناسين أنّها تنكسر وتنهدّ تباعاً بضربة حجرٍ واحدة.

لكنّ أحدًا لم يجرؤ على رفع الحجر، حتّى رفعه رفاقك، ورميتَهُ أنتَ.. بموتك. تناثر الزجاج آلاف شظايا، وكلّ واحدٍ نال نصيبه وقام بدوره.

تخيّل.. هنالك من يشتم جثّتكَ الخالية من الحياة لأنّها رمت الحجر وهدمت الوهم الذي كانوا يعيشونه! تخيّل.. هنالك من يلعن رفاقكَ لأنّهم رفعوا رؤوسهم فوق الحواجز، واعتَلوا فوق الجدران الخياليّة، ورفعوا أيديهم إلى المكان الذي تستحقّ أن تكون فيه: عالية متسامية.

لم يحدث شيء لم نعرفه قبلا، ومع ذلك ما زلنا رغم سنواتٍ ستٍّ نفتح أعيينا على وِسعها بدهشة أعمى يرى للمرّة الأولى!

اهنأ بالا وطِب في مرقدكَ يا (حمزة)، فلو ما كنتَ أنتَ، لكان غيرك. ماضون نحن مع من يريد من شعبنا، حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

  • نشر على صفحة أدباء الشام.

نظافة وترتيب

منذ فترة، تعود صفية من المدرسة، ويكون أول ما تفعله عند وصولها للبيت، أن تكمل شطيرتها، وتأخذ علبة طعامها إلى المطبخ، تضع الكرسيّ الصغير عند حوض الجلي، وتقف لتغسل علبتها بالماء والصابون، ثم تعيد الكرسي لمكانه.
في أوّل يوم فوجئتُ بعلبتها النظيفة، ورحتُ أتذكّر متى قمتُ أنا بجليها. ثمّ ناديتُها وسألتها إن كانت قد فعلت ذلك، فقالت: إي ماما، شفتِ أنا شطوّرة (وهي تشير إلى نفسها بفخر). قبّلتُها وقلتُ لها: الله يرضى عليكِ، إنتِ كتير مرتّبة وبتعملي الأشياء بطريقة ممتازة.
اليوم، زادتْ عليه أن أخذتْ المنشفة وجفّفتْ العلبة ووضعتْها في المكان المخصّص لها لأحضّر لها إفطار الغد.

بعد انتهائنا من طعام العَشاء، جاءتْ إليّ تقول: ماما أنا بدّي أساعدك. قلتُ لها بحماس: إي تعي.. عندي كومة شغل، أوّل شي نظفيلي الكنبة (الأريكة) جيّدًا.
صببتُ القليل من الماء والصابون في الدلو، وأعطيتها ممسحة وقلتُ لها أن تدعك الكنبة (المصنوعة من الجِلد) بقدر ما تستطيع.
اندمجتْ في العمل سريعًا رغم زكامها وأنفها الذي يسيل كلّ دقيقتين، وكانتْ تدندن لحنًا من رأسها وهي تعمل. بينما أنا أجمع أطباق الطعام من على المائدة.
انتبهتُ أنّها تذهب كلّ نصف دقيقة لتغمر الممسحة في الدلو، وتخرجها ولكنّها لا تعصرها جيّدًا:
صفية..
-هااا؟
اعصريها منيح، شوفي شلون عم تنقط عالأرض.
نظرتْ لحظات إلى حيث أشرتُ لها، وقالتْ سريعًا: طيّب أنا آسفة كتير ماما، ما تزعلي إيه؟
مسحتُ على رأسها وأنا أقول: لا ما زعلت..بس حبّابة اعصريها بقوّة، بقووووووة.
فصارتْ تضحك، وعصرتْ الممسحة جيّدًا.

جاءتْ سميّة من غرفتها، واتّجهتْ إلى أختها مباشرة، تأمّلتْها ثوانٍ ثمّ قالتْ: صافي إش عم تعملي؟
أجابتها بالفصحى: – أنا أنظّف، (وبحركة مسرحيّة وهي تفرد الممسحة على الكنبة) أنا معلّمة التنظيف.
راقبتْها سميّة لحظات، ثمّ جاءتْ إليّ ركضًا (الموضوع صار فيه دلوٌ وماءٌ وصابون وأشياء مثيرة للاهتمام): ماما.. مامااااااااااا (كعادتها لا تعطيني فرصة الردّ) أنا كمان بدّي أصير متل صفيّة.. معلّمة التنـــ ضيييف.
قلتُ لها: ممم إش رأيك تمسحي الطاولات؟
وافقتْ، وساعدتني في جمع بقيّة الأطباق، ونظّفتْ جميع الطاولات، بإشرافي طبعًا حتى لا نغرق في الصابون.

تركتهما تكملان (تلميع) الكنبة، بينما كنستُ الأرضيّة وأذني مستغرقة مع برنامج (مصائب العرب) على قناة الجزيرة، (لا أعرف اسمه حقًّا لكنّ هذا الاسم يليق به).

بعدما انتهينا، قالتْ صفيّة: ماما ممكن تلعبي معنا لعبة التخبئة؟
– ممكن، بس ممكن أوّل تنزلوا معي عالقبو نحطّ الغسيل في الغسّالة؟
التفتتْ صفيّة بحماس إلى أختها: تعي سوسو، رح ننزل مع ماما.
نزلنا للقبو، فحملتُ سلّة فارغة، وقلتُ لهما: ممكن تلمّوا الغسيل من المنشر وتحطّوه هون؟ انتو بس لمّوه وأنا بطويه بعدين. وكان الغسيل الجافّ عبارة عن مسّاحات ومناشف. وتركتهما وذهبتُ لغرفة الغسّالة، وساد صمتٌ غريب. ثمّ بدأتْ صفية في الدندنة مرّة أخرى.
وبعد دقائق، جاءتا معًا إليّ، وصفيّة تحمل السلة وتقول لي: شوفي ماما أنا رتّبتن كلّن.
نظرتُ فإذا هي طوتْ كلّ شيء بعناية وترتيب ووضعتْ الأغراض في ذات النسق الذي أضعها فيه.
عانقتُها، وشكرتُها، وشكرتُ سميّة طبعًا لأنّها ساعدتها.