Tag Archives: عالم

ستّة أعوام..

20150604_204032-kdcollage
صوت حفيف أوراق الشجر إذ تتهادى نسماتٌ باردةٌ في ضوء الشمس.
في هذا الوقت من ستّة أعوام خلَتْ، كنتُ أمشي في غرفة المَخاض في المشفى، منهَكةً جدًّا، أشتهي أن أنام فقط. وكنتُ أتّكئ على الجدار فأغفو ثوانٍ وأنا واقفة.
في اليوم السابق له كنتُ عند الطبيبة، وحين عدتُ قلتُ لأبيكِ: ليتني ألِد غدًا..
وعند الرابعة فجْرًا أيقظتُه، نهض مذعورًا لا يصدّق لأيّة درجةٍ تتحقّق أمنياتي سريعًا. ومن الرابعة فجرًا حتى التاسعة وأربعين دقيقة مساءً؛كان يومًا طويلًا حقًّا. وحين سحبَتْكِ القابلة أخيرًا وتهامستْ بشيء ما،لم أنظُر. أيًّا يكُن الأمر، ستصلين إلى ذراعيّ أخيرًا وأراه بنفسي. كان لونكِ مُزرقًّا جدًّا، ولكنّكِ بكيتِ بصوتٍ كجرس الإنذار. استمرّ بكاؤكِ بهذه الطريقة حتى إتمامكِ عامكِ الخامس. دائمًا يذكّرني بصافرة الإنذار أيّام حرب الخليج؛ ما قبل بدء نوبة الغضب، أثناء نوبة الغضب، بعد نوبة الغضب.
لكن تغيّر كلّ شيءٍ في العام الأخير: لقد انطلق لسانُكِ بالكلام! ولم تعودي تغضبين لعجزكِ عن التعبير. صرتِ تجيبينني الكلمة بالكلمة، النّدَّ بالنّدّ. بالعربيّة عامّية وفصحى، وبالألمانية، وحتى بلغة الإشارة والنظَرات شزرًا أو امتنانًا!
ذكيّة أنتِ ودقيقة الملاحظة وخيالكُ أوسع من العالم، شديدة الاعتداد بنفسكِ، متقِنةٌ جدًّا لأيّ عمل تقومين به، مرتّبة تكرهين الفوضى، وتكرهين ضعفكِ. وحين تشتاقين لي؛ تضربينني بدلًا من العناق.. فأشدّكِ وأضمّكِ غصبًا لتستكيني، حتّى صرتِ تأتين إليّ من نفسكِ تطلبين القُبلة.
تدركين أنّكِ مختلفة؛ وأنّ هذا العالم يحاول وسيحاول دائمًا تغييركِ إلى نسخةٍ أخرى، ولكنّكِ تقاومين. وأنا تعلّمتُ منكِ أن أقاوم هذا التغيير نحو الاستنساخ. يقولون إنّكِ غير طبيعيّة لأنّكِ خياليّة جدًّا، فأنظر إليكِ وإليهم.. ولاأفهم كيف لا يَرَوْنَ (لون) الهواء كما ترَينه، ولا (يتذوّقون) رائحة نور الشمس المنسكِب صباحًا!
اليوم بالذات؛ يوم ذكرى مولدكِ حيث احتفلتْ لكِ المدرّسة به كما جرتْ العادة هنا، كان عندي موعدٌ مع أخصّائي جلس معكِ لمرّتين فقط. ليأتي اليوم ويقول لي إنّكِ سليمة جسديًّا ولستِ معاقة! كثّر الله خيركَ يا رجل. ولكنّه أكّد لي أنّكِ تعانين مشكلةً ما، وهو لا يستطيع تشخيصها هنا، وإنّما يقترحون عليّ اصطحابكِ إلى المركز المختصّ. وكلّ هذا لماذا؟ لأنّكِ لستِ (منفتحة) على بقيّة الأطفال كأقرانك. دائمًا عندكَ عالمٌ خاص، قوقعة تندسّين داخلها عند اقتراب ما هو خطر برأيك. أنا أعرف المشكلة يا سيّدي لا داعي للمركز ولا لتشخصيكَ. ومشكلتها أنّ عالمكم أضيق من أفقها.. وهي ترفض أن تقصّ جناحيها كما تطلبون. وتلميحكَ اليوم إلى أصلي (الأجنبيّ) لم يكن بريئًا. ما ضرّتني ثلاث وعشرون عامًا قضيتُها تحت العنصريّة؛ إنّي أجيد التعامل معها أكثر ممّا تتخيّل. ولن تضرّكِ يا ابنتي، فأنتِ تدركين تمامًا منذ الآن معناها؛ إذ تمشين قرب أمّكِ المحجّبة، وتتكلّمين معها باللغة العربيّة الأمّ.
تنظرين إلى الذرّاتِ المتطايرة في انكسارة الضوء، وتهتفين لي: مامااااا.. شوفي هدوووول. وأنا..كبرتُ ونسيتُ كم كنتُ أجلس قُبَيل الغروب عند الشبّاك أرقب تلك الذرّات وأنفخها. أتذكّر الآن وأنتِ تنفخينها، فأبتسم وأقول لكِ: اسمها ذرّات. وأراقبك تضحكين بدهشة وأنتِ تحرّكين كفّكِ لتزيحيها فتعود.تضحكين حتى تظهر غمّازتكِ الوحيدة.
تضحكين.. هذه الكلمة السحريّة التي كانتْ تعذّبني. أبدًا لم تكوني عابسة، لكنّي عجزتُ عن تعليمكِ الفرح. الفرح البسيط اللطيف الذي يضحك له كلّ الأطفال. أخيرًا اكتشفتِه بنفسك. وصرتُ أبتسم لكِ ابتسامةً كاريكاتوريّة كلّما رأيتُكِ ساهمة لتضحكي.
لا توجد طريقة واحدة للأمومة يمكن اتباعها. ولذا؛ كان لزامًا أن نجرّب، ونتعلّم معًا. وأنا تعلّمتُ كثيرًا، تعلّمتُ كيف أدافع عنكِ، عن حقّكِ في الاختلاف، أن أفهم أنّ عنادكَ يعني قوّة ثباتكِ على الفكرة..فعليّ أن أزرع الفكرة السليمة الآن. أنّ غضبكِ مرآة غضبي، وحقّ لكِ أن تغضبي من هذه الدنيا. تعلّمتُ أن أتقبّل حقيقة أنّي كبرتُ وأنّ الزحليقة الصغيرة لم تعد تسعني بحال من الأحوال! وتعلّمتُ أنّ الصبر يأتي بالخير دائمًا.
عامًا جميلا كان يا حبيبتي، قُدنا فيه درّاجتَينا معًا، وتشاكسنا كأختين معًا، وخبزنا الكعك والحلوى معًا. ومازلتِ عندما تأوين إلى فراشكِ، تهمسين لي أن أندسّ قربكِ، وتمسُدين وجهي بكفّكِ وترتّبين خصلات شعري وكأنّي أنا الطفلة.. فألصق أنفي بأنفك ونغفو معًا وتتعانق كفّانا.. تمامًا كما كنّا نفعل وأنتِ صغيرة. بعض الأشياء لا تتغيّر أبدًا، ومنها الحبّ الذي بيننا.

* في ذكرى ميلاد ابنتي صفيّة. :heart5: 
4.6

في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.