ولنبدأ بطريقة مختلفة

الخامس عشر من يناير، 2020:
أتذكر كيف التقينا أوّل مرّة قبل سنوات؟
إنّي أقول مجازاً (التقينا)، لو كان اللقاء بالصوت والكتابة يعتبر لقاءً. كنتَ متوجّساً تتحسّس كلماتكَ جيّداً قبل النطق بها. خمّنتُ أنّكَ تضغط على نفسك كثيراً لتتكلّم معي بهذا الهدوء وهذه الجدّيّة، وكنتُ أضحك في (عبّي)، كنتَ تتصرّف وكأنّكَ تروّض حصاناً برّيّاً جامحاً، وأنتَ لم تمسك لجاماً في حياتك!
لم أكن أكثر انطلاقا، بل لعلّ توتّري الشديد جعل صوتي يبدو بارداً واثقاً على العكس من داخلي حيث كانتْ العاصفة تغلي موشكة على الانطلاق، وأنا محرَجةٌ أتمنّى أن تنهي المكالمة الصوتية وتنقلها إلى عالم الكتابة لآخذ راحتي أكثر. كم تخفي هذه الشاشات توتّرنا وارتباكنا من أبسط الأمور، كحديث تعارف عابر: مرحبا، كيفك؟!

السابع والعشرين من يناير:
ما أسرع ما تنقّلنا من حديث إلى آخر، ومن عملٍ إلى ثانٍ، ومن نقاشٍ إلى جدالٍ، ومن تعليقات ساخرة بين السطور إلى ضحكات عالية. ولم تكن طيّباً أو متساهلاً أبداً، في كلّ فرصة كنتَ تلمّح أن (أحلّلَ) المال الذي سأقبضه وأتقنَ عملي، ثمّ تقول بنبرة تحذيريّة تسلّطية تحاول إخفاءها فاشلاً، وبأسلوب مازح:
يا ويلك إذا بتكتبي عنّي.
كنتَ واثقاً من قدرتي الكتابيّة، وخائفاً من قلمي السليط، القادر على التشريح والتقطيع والسلخ والسلق أفضل من لساني بكثير. وكنتُ أردّ ببراءة وجدّيّة مصطنعتين: وما الذي أعرفه لأكتب عنك؟ أنا لن أكتب -لو كتبتُ- إلا الصدق. فتجيب مباشرة بنبرة عصبيّة: مفهوم الصدق عندك غريبٌ نوعاً ولا يروقني!
فأضحك بقوّة ضحكة لا تسمعها لأنّي أكتم لاقط الصوت بكفّي، وألتقط أنفاسي قبل أن أعود لنبرتي الجادّة: لن أكتب عنكَ، لأنّي ببساطة لن أحصل على مال مقابل ذلك.. يعني دخيل الله.. مين مفكّر حالك؟!. فيصلني ردّك بكلمة: مصلحجيّة.. وغمغمة أخمّن أنّها شتائم غير لطيفة.

الثامن من فبراير:
أين أنت؟ ولماذا لم تردّ بعد؟، هل يحتاج الأمر منكَ (تبييت استخارة)؟!
يا حبّذا -أعرف كم تكره هذه الكلمة-، فياحبّذا لو أنّكَ تردّ بكلمة لأعرف أنّكَ ما زلتَ حيّاً! نعم، أنا أشعر بالذعر من فكرة أنّكَ ربّما مُتّ قبل أن تردّ عليّ بتفاصيل العمل المطلوب، وترسل لي المبلغ المتفق عليه!

التاسع من فبراير:
مرحبا، أنا لسّه عايش. ارتحتِ؟
كنتُ في إجازة، مسافراً، وهذا عاديّ. لماذا تفترضين وقوع أمرٍ كارثيّ دوماً وكأنّكِ متشوّقة لذلك؟ دعي مزاجك الدراميّ للكتابات التي عليكِ إنجازها خلال الأسابيع القادمة، وأخرجيني من الأحداث. لا أريد أن أصحو يوماً وأجد نفسي شخصيّة في إحدى قصصك المرعبة التي يقف شعر رأسي وأنا أقرؤها!

التاسع عشر من فبراير:
الحمد لله ع سلامتك. إجازة الهنا. ارتحتُ طبعا، تخيّل لو أنَكَ متَّ وفلوسي ما زالتْ في ذمّتك؟! هل ترضاها لنفسك؟
ليتكَ كتبتَ على مجموعة العمل أنّك في إجازة ما بين هذين التاريخين (أيّا كانا)، أليس هذا ما يفترض بالمدير أن يفعله؟ التنظيم؟ وأن يكون هو منظّماً قبل أيّ وكلّ شيء؟. حسنا، أعلم أنّي أكلّمكَ مرّة أخرى بطريقة (الماما) ولكن هل نسيت؟ أنا أكبر منك.
أتذكر كيف صرتَ (تنطّ وما تحطّ) حين قلتُها لكَ أوّل مرّة؟. كنتُ أسمع صوتكَ النزق في شبه صياح: إشّو ابني؟؟ أنا قدّك شلون يعني تقوليلي ابني؟؟
وأنا أكرّ بضحكٍ مكتوم، وأتخيّل شكلك مثل (جنّي علبة النابض القافز)، تجلس على الكرسيّ فيقذفك غضبك عنه وتقف، ثم تجلس فكأنّك جلست على شوكٍ فتقفز مرة أخرى. لا والله لم أرَك ولا مرّة، إلا أنّ صوتكَ كان ينقل الصورة كاملة في بثّ حيّ مباشر.
– إي طبعا ابني، أنا أكبر منكَ بمئتي يومٍ، وأكبر منك بيوم، أعلم منّك بسنة. يعني أنا قد نانتك يا ابني..
هنا، كنتُ أنا أضحك حتى دمعتْ عيناي، بينما أنتَ تبرطم محذّراً وساخطا: حاج بقى، خلصنا..
وتحاول العودة إلى أحاديث العمل.
عموماً، لقد أرسلتُ إليكَ آخر مجموعة، وأتمنّى ألا تكون هنالك تعديلات كثيرة، لأنّي أظنّه العمل الأخير بيننا.

العشرين من فبراير:
مساء الخير، هل بإمكانك اختصار القصّتين الرابعة والسابعة؟ لا أعتقد أنّنا سنتمكّن من تسجيل الحلقات جميعاً. هل سمعتِ خبر الفيروس الجديد؟ الوضع غير مطمئن، ولكنّي سأحاول الضغط على الفريق هنا لعلّنا ننجز هذه المجموعة. إذا لم تتمكّني من اختصارها فلا بأس. تعرفين أنّي لن أفعل، أنا لا أجرؤ على تغيير شيء في كتاباتك. لا أملك الخبرة الكافية للتغيير في نصّ أدبيّ، ولا الخبرة لتجنّب سخطك عليّ إن فعلتُ.

الحادي والعشرين من فبراير:
فاجأتَني بذوقك ولطفك، وهل تملك أصلا حاسّة تساعدكَ على تمييز سخطي من رضاي؟ (لاحظ أني لن أكون لطيفة يوما معك). ما علينا.. سأختصرهما. أعطني يومين وتكون النصوص الجديدة عندك بإذن الله.

الرابع والعشرين من فبراير:
يوماً عن يوم أقتنع أكثر بصواب بقائي عازباً، مِرتاح ومريّح! والله إنّي لأعجز في أحايين كثيرة عن الردّ وأشعر أنّي أنفلق نصفين.
بأيّة حال، شكراً لتعديل القصّتين بهذه السرعة. التعديل ممتاز. نسيتُ أنّي لم أسألكِ: لماذا تظنين أنه العمل الأخير بيننا؟؟ وما معنى (أظنّ)؟. إذا كنتِ تريدين ترك العمل فلا بدّ أن تخبريني مباشرة، في أقرب وقت!!

الثاني من مارس:
ألووو.. أين أنتِ؟!، هل وصلكِ آخر مبلغ؟ لدينا مشروع جديد نريد أن نبدأ به. وأنا بانتظارك.

الخامس من مارس:
هل تركتِ العمل؟. هذا لا يليق. إن لم تكن هنالك عقودٌ مكتوبة فعقود المشافهة تقتضي أن تبلغيني بالفسخ.

السادس من مارس:
عذراً، أنا إجازة مع عائلتي والاتصال بالإنترنت صعب هنا. آسفة جدّاً أنّي لم أوضح كفاية في الرسالة الأخيرة، وكان يجدر بي ألا أرتكب نفس خطئِكَ وأسافر دون إيعاز. المشكلة أنّي مضطرّة لترك العمل معك، سمّها (ظروفاً عائليّة) إن شئت. لكنّ صداقتنا ستبقى بكلّ الأحوال، وأهلا وسهلا بكَ في أيّ يومٍ تمرّ فيه بمدينتنا.
بالنسبة للمبلغ، وصل كاملا، سلمت يداك.. معوّضين إن شا الله. وتعويضاً عن الخسائر التي قد تلحق بكَ بسبب هذا الفسخ المفاجئ، سأعيد نصف المبلغ لكَ، وأرفق هنا عناوين ثلاثة من أفضل الكاتبات اللواتي أعرفهنّ، ولديهنّ استعدادٌ للعمل معكَ. لا تقلق.. لم أذكركَ إلا بكلّ خير.

السابع من مارس:
حسنا، هذا مزعج. لا تعيدي إرسال أيّ شيء من المال، هذا حقّك. شكراً للعناوين المرفقة، سأجرّب التواصل معهنّ. كيف هي إجازتك؟ أتمنّى أن تكوني أنتِ والعائلة بخير. الوضع مقلق، هنالك أخبار عن إغلاق قريب للمطارات في العالم. أتمنّى أن تصلوا بيتكم بسلام.
(ملاحظة: ما زلتُ منزعجاً).

العاشر من مارس:
آسفة مرّة أخرى، لا أعرف ما أقول أكثر من ذلك. لا يمكنني الشرح، لكنّي أثق أنّكَ ستفهم بلا شرح. الإجازة جميلة جدّاً، نحن على شاطئ البحر والمياه دافئة على نحو غريب. أسبح كلّ يوم وأذهب في العمق حتّى يبدأ أبي بالتلويح لي من الشاطئ وقلبه يخفق، أعرف أنّه لا يخاف البحر وإنّما يخاف جنوني الذي قد يدفعني لترك نفسي أبتعد ولا أعود. لا أدري لماذا أخبركَ بهذا.
شكراً لطيب أمنياتك، سمعنا الأخبار، سنكون على متن الطائرة بعد غد بإذن الله. انتبه لنفسكَ وعائلتك أيضا.

الخامس عشر من مارس:
كيف حالك؟ هل توصّلتَ إلى اتفاق جديد؟ صديقتي، إحدى الثلاث اللواتي أرسلتُ لكَ عناوينهنّ، تكتب قصصاً عن الفايروس! قصصا ممتازة وليستْ قصص رعب، بل قصص حبّ. تقول إنّ الناس بعد إعلان الحجر الصحّي في العالم وتحويل الكوكب إلى سجنٍ عملاق، لن يحتاجوا إلى الرعب والإثارة والتشويق، بل إلى الحبّ والعواطف والتفاؤل. أعتقد أنّها محقّة. هل أرسلتْ لكَ شيئاً؟ سأرفق لكَ مقطعاً من أعمالها. كن بخير.

العشرين من مارس:
لقد سمعتُ الخبر من مجموعة العمل، نسيتُ أن أحذفها من هاتفي، وأبقيتَني أنتَ فيها. معافى إن شاء الله. تماسك، الأمر صعب لكنّه ليس مستحيلا. هل تستطيع أن تتكلّم؟ سأتّصل بك. فقط أرسل لي إشارة وسأتّصل، ليس عليكَ أن تقول الكثير. فقط أريد أن أطمئنّ عليك.

السادس والعشرين من مارس:
وصلتْني إشارة من هاتفه اليوم، فاتّصلتُ، فتمّ قطع الاتصال الصوتي من طرفه، ثمّ فوجئتُ بطلب مكالمة مرئيّة. أجبتُ المكالمة، فوجئتُ بممرّض يمسك الهاتف، يخبرني أنّه يتحدّث معهم إيماءً، رأيتُه متصلا بجهاز التنفّس. هل هذا هو؟ سألت. أومأ الممرّض إيجاباً ولم يصلني صوته من خلف الكمّامة. لم يدرك الممرّض أنّي لا أعرف شكل مريضه أصلا، وأنّي أراه للمرّة الأولى! سألتُ مرّة أخرى: كيف فتحتَ الهاتف؟ هل طلب منكَ ذلك؟، أجاب بنعم، إنّ المريض يتكلّم أحيانا لكنّ الأمر يأخذ منه مجهوداً كبيرا، لكنّه في تحسّن. لم أعلّق على النقطة الأخيرة، وطلبتُ إنهاء المكالمة، فوجدتُه يومي برأسه، قرّب الممرّض الهاتف من وجهه، فأشار بصعوبة إلى أذنه، فأغلقتُ الكاميرا ووضعتُ الهاتف على أذني وانتظرتُ بصبر، مرّت الثواني مثقلة بصوت الأنفاس، ثمّ سمعتُ صوته مبحوحاً، حاملاً أثراً من الحصان البرّيّ الجامح الذي كانَه قبل سنوات حين تحادثنا أوّل مرّة: حتّى لو أكبر منّي، مالي ابنك!
فضحكتُ وأنا أبكي، كنتُ أعرف أنّه لن يجد أفضل من هذه العبارة ليقول كلّ ما في قلبه.

الأوّل من أبريل:
لقد تحسّن، إنّه يتعافى! أرسل لي صورته جالساً، مرهقاً جدّاً كأنّه خرج توّاً من نصوص الإلياذة، أو قطع رأس ميدوسا! لكنّه جالسٌ، وبلا أقنعة ولا خراطيم من أيّ نوع متّصلة به. تمعّنتُ لحظة في الصورة، هذه أوّل صورة واضحة له، وهي أقرب لرسم عشوائيّ لرجلٍ مشعّث، لا شيء مميّز فيه.
أرسلتُ له: (الحمد لله على سلامتك) مصحوبة بصورة باقة ورد، ردّ:
– الله يسلمك، إلي عزيمة عندك بس يفتحوا الطيران.
*همّك بكرشك!
– صرلي 13 يوم عباّكل هوا حرفيّاً! مستكترة عليّ؟
* لا طبعاً وَلَو، مية السلامة.

العاشر من أبريل:
لم أفهم. حاولتُ ولم أقدر أن أفهم أو أستوعب.
قال الطبيب إنّ الانتكاسات الخطيرة تحدث، وليستْ غريبة في مثل حالته.
وقّع الطبيب أوراق خروجه في السابع من أبريل إذ لم تكن هنالك حاجة لإبقائه، مع توصيات كثيرة لتمام الشفاء. في اليوم التالي ارتفعتْ حرارته فجأة آبية الانخفاض، عادوا به للمشفى، شخّص الطبيب حالته: (التهاب في الرئة ناتج عن الإصابة بالفيروس). في صباح التاسع من أبريل توقّفتْ رئته اليمنى عن العمل، بدأتْ اليسرى تتهالك بالتدريج بعدها، منذرةً بفشل الأعضاء الباقية وتوقّفها عن العمل لنقص الأكسجين.
في العاشر من أبريل، وصلت المجموعة رسالة موجزة: عظّم الله أجركم في المدير، توفّي اليوم قبل ساعتين.
وبدأتْ المجموعة تطرح أسئلة عن الدفن والصلاة والعزاء، وأنا أقرأ ولا أفهم، ولا أريد أن أفهم. أعرف الإجراءات مسبقاً: لن تكون ثمّة صلاة إلا فرادى، لا جنازة، وسيكون الدفن في كفن ملفوف بأغطية بلاستيكية، والعزاء عن بُعد! لن تجد أمّه كفّاً تمسكها وتسندها لتصل إلى أقرب كرسيّ وتبكي معها، لن يجد أبوه من يجلس في الغرفة ويحكي عن أفعاله الشهمة وشخصيّته المحبوبة. لا شيء، كأنّه لم يكن.

العاشر من مايو:
الآن وقد مضى شهر، بدأتُ أصدّق أنّكَ لن تقفز فجأة في محادثة ما وتقول إنّكَ كنتَ مسافراً، وأنّ هذا من حقّك، أن تأخذ إجازة. ليس من حقّكَ أبداً، وليس هذا عدلا. لا أتحدّث عن موتك، بل عمّا حدث قبل ذلك: ليس من حقّك أن تسافر وتعِد أن تمرّ بدارنا ثمّ تخلف وعدك، في كلّ مرة.
لقد كنتَ نصفي الذي يشبهني بشكل مرعب (ربّما سأكتب قصّة عن هذا التشابه المخيف)، نصفٌ لا قرابة بيننا أبداً، ويشبهني جدّاً: أبدأ بكتابة جملة فأجدكَ كتبتَ ردّا عليها وهي لم تظهر أمامك بعد! وكأنّك تقرأ أفكاري. نتّفق على ذات المبادئ، ونختلف لذات الأسباب: الاعتداد الشديد بالنفس، وعدم تقبّل الخطأ من الآخرين. فلا أنا أقبل أخطاءك ولا أنتَ تقبل أخطائي، ونمضي الوقت في النقد اللاذع المتبادل، حتى ننتهي إلى رفع الراية البيضاء لنضع (المسائل الشخصية) جانبا ونكمل الأعمال. ولكنّ الأعمال كانتْ كلّها مسائل شخصيّة لكلينا.

أفكّر قليلا الآن بعد أن صفى ذهني: لا أظنّكَ كنتَ تريد أن تأتي، ولا أظنّني أردتُكَ أن تجيء. كنّا نقول ذلك من باب المجاملات: تعارف، ثمّ تبادل العناوين، ثمّ: زورونا.. إي ان شا الله.. بتشرفوا والله.. الشرف إلنا.. مية السلامة إيمت ما صحّلكم.. الله يسلمكم..تسلموا..
تعرف طبعا هذا النوع من الأحاديث الجميلة، التي تنتهي بأنّ أيّاً من الطرفين لا يتّصل بالآخر أبداً، ولا يرغب في تعميق العلاقة بتاتاً، ثم يلتقيان بصدفة محايدة عند طرف ثالث، ويعاودان الوعد بالتلاقي والتزاور، وكلاهما لا يريد ذلك حقيقة، ويدرك أنّ شعوره مفضوح تماماً.. لكنّ المجاملة اللطيفة لا تضرّ.

المجاملة لطيفةٌ عادةً، لا تؤذي، إنّما آذتْني أنا، فقدتُ نسخةً منّي لم أتخيّل يوماً أنّها موجودة في العالم وكنتُ بخير قبل اكتشفاها، ولن أعثر على سواها ولو عشتُ ألف عام، سأبقى نصفاً مكسوراً، مثل قلادات البنات الصغيرات التي تحميل قلباً مجزوءاً إلى نصفين بخطٍّ متعرّج، وكلّ منهما في قلادة ومكتوب على أحد النصفين: أفضل، وعلى النصف الآخر: صديقة. أنتَ أفضل أصدقائي، وأخذتَ نصف قلبي معك.

لو رجعتُ إلى ذلك اليوم الأوّل، لأطلقتُ عاصفتي عليكَ بدلاً من ضبطها، لعلّها كانتْ تحملكَ إليّ، وتكونَ الأقدار مختلفة.

أظنّني سأتوقّف عن كتابة قصص الرعب، فكما قالتْ صديقتي: العالم يعيشه يوميّاً، ويحتاج قصصاً عن الحبّ والأمل.

3.5.2020


التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.