Tag Archives: عنصرية

ذلك الزمن في الحافلة

حين صعدتُ الحافلة صباح اليوم متّجهة لزيارة صديقتي في المشفى؛ كان في داخلي استياءٌ عجيبٌ من نفسي، واتّهامٌ لها بالحماقة.
إذ كان صباحي الباكر مزدحمًا بعدّة أعمال داخل المنزل، ثمّ إيصال ابنتي الأولى إلى مدرستها، فالذهاب إلى الطبيب لموعدٍ لي، ثمّ الذهاب للسوق مع ابنتي الثانية لابتياع زهرٍ آخذه بيدي لصديقتي المريضة، ثمّ إيصال ابنتي إلى روضتها، وبعد هذا ركوب الحافلة لنصف ساعة هي مسافة الطريق.
وعند موقف الحافلة؛ كان معي من الوقت قبل وصولها قرابة 13 دقيقة، فقرّرتُ ولأوّل مرّة في حياتي (المرّة الأولى حقًّا لا مزاحًا) أن أبتاع لنفسي كوب قهوة أشربه في الطريق. ودخلتُ إلى السوق حاملةً أصيص النبتة المزهرة التي ابتعتُها لأنّي وجدتُها أجمل من الزهور التي تذبل بعد حين، وبعد حيرةٍ لدقائق، ابتعتُ من أحد المحالّ قطعة كرواسان سكّريّة، ثمّ عرّجتُ على محلّ آخر وطلبتُ شايًا لأنّي في آخر لحظة قدّرتُ أنّي قد لا أحبّ القهوة من عنده إذ إنّي لا أشرب القهوة إلا بمزاجٍ، ولا تعجبني أيّة قهوة. ولأنّي لستُ مغرمةً بالشاي، فقد أضفتُ له القليل من السكّر والحليب! وأنا منذ أكثر من عشرة أعوامٍ لم أشرب شايًا بالحليب. Continue reading

ستّة أعوام..

20150604_204032-kdcollage
صوت حفيف أوراق الشجر إذ تتهادى نسماتٌ باردةٌ في ضوء الشمس.
في هذا الوقت من ستّة أعوام خلَتْ، كنتُ أمشي في غرفة المَخاض في المشفى، منهَكةً جدًّا، أشتهي أن أنام فقط. وكنتُ أتّكئ على الجدار فأغفو ثوانٍ وأنا واقفة.
في اليوم السابق له كنتُ عند الطبيبة، وحين عدتُ قلتُ لأبيكِ: ليتني ألِد غدًا..
وعند الرابعة فجْرًا أيقظتُه، نهض مذعورًا لا يصدّق لأيّة درجةٍ تتحقّق أمنياتي سريعًا. ومن الرابعة فجرًا حتى التاسعة وأربعين دقيقة مساءً؛كان يومًا طويلًا حقًّا. وحين سحبَتْكِ القابلة أخيرًا وتهامستْ بشيء ما،لم أنظُر. أيًّا يكُن الأمر، ستصلين إلى ذراعيّ أخيرًا وأراه بنفسي. كان لونكِ مُزرقًّا جدًّا، ولكنّكِ بكيتِ بصوتٍ كجرس الإنذار. استمرّ بكاؤكِ بهذه الطريقة حتى إتمامكِ عامكِ الخامس. دائمًا يذكّرني بصافرة الإنذار أيّام حرب الخليج؛ ما قبل بدء نوبة الغضب، أثناء نوبة الغضب، بعد نوبة الغضب.
لكن تغيّر كلّ شيءٍ في العام الأخير: لقد انطلق لسانُكِ بالكلام! ولم تعودي تغضبين لعجزكِ عن التعبير. صرتِ تجيبينني الكلمة بالكلمة، النّدَّ بالنّدّ. بالعربيّة عامّية وفصحى، وبالألمانية، وحتى بلغة الإشارة والنظَرات شزرًا أو امتنانًا!
ذكيّة أنتِ ودقيقة الملاحظة وخيالكُ أوسع من العالم، شديدة الاعتداد بنفسكِ، متقِنةٌ جدًّا لأيّ عمل تقومين به، مرتّبة تكرهين الفوضى، وتكرهين ضعفكِ. وحين تشتاقين لي؛ تضربينني بدلًا من العناق.. فأشدّكِ وأضمّكِ غصبًا لتستكيني، حتّى صرتِ تأتين إليّ من نفسكِ تطلبين القُبلة.
تدركين أنّكِ مختلفة؛ وأنّ هذا العالم يحاول وسيحاول دائمًا تغييركِ إلى نسخةٍ أخرى، ولكنّكِ تقاومين. وأنا تعلّمتُ منكِ أن أقاوم هذا التغيير نحو الاستنساخ. يقولون إنّكِ غير طبيعيّة لأنّكِ خياليّة جدًّا، فأنظر إليكِ وإليهم.. ولاأفهم كيف لا يَرَوْنَ (لون) الهواء كما ترَينه، ولا (يتذوّقون) رائحة نور الشمس المنسكِب صباحًا!
اليوم بالذات؛ يوم ذكرى مولدكِ حيث احتفلتْ لكِ المدرّسة به كما جرتْ العادة هنا، كان عندي موعدٌ مع أخصّائي جلس معكِ لمرّتين فقط. ليأتي اليوم ويقول لي إنّكِ سليمة جسديًّا ولستِ معاقة! كثّر الله خيركَ يا رجل. ولكنّه أكّد لي أنّكِ تعانين مشكلةً ما، وهو لا يستطيع تشخيصها هنا، وإنّما يقترحون عليّ اصطحابكِ إلى المركز المختصّ. وكلّ هذا لماذا؟ لأنّكِ لستِ (منفتحة) على بقيّة الأطفال كأقرانك. دائمًا عندكَ عالمٌ خاص، قوقعة تندسّين داخلها عند اقتراب ما هو خطر برأيك. أنا أعرف المشكلة يا سيّدي لا داعي للمركز ولا لتشخصيكَ. ومشكلتها أنّ عالمكم أضيق من أفقها.. وهي ترفض أن تقصّ جناحيها كما تطلبون. وتلميحكَ اليوم إلى أصلي (الأجنبيّ) لم يكن بريئًا. ما ضرّتني ثلاث وعشرون عامًا قضيتُها تحت العنصريّة؛ إنّي أجيد التعامل معها أكثر ممّا تتخيّل. ولن تضرّكِ يا ابنتي، فأنتِ تدركين تمامًا منذ الآن معناها؛ إذ تمشين قرب أمّكِ المحجّبة، وتتكلّمين معها باللغة العربيّة الأمّ.
تنظرين إلى الذرّاتِ المتطايرة في انكسارة الضوء، وتهتفين لي: مامااااا.. شوفي هدوووول. وأنا..كبرتُ ونسيتُ كم كنتُ أجلس قُبَيل الغروب عند الشبّاك أرقب تلك الذرّات وأنفخها. أتذكّر الآن وأنتِ تنفخينها، فأبتسم وأقول لكِ: اسمها ذرّات. وأراقبك تضحكين بدهشة وأنتِ تحرّكين كفّكِ لتزيحيها فتعود.تضحكين حتى تظهر غمّازتكِ الوحيدة.
تضحكين.. هذه الكلمة السحريّة التي كانتْ تعذّبني. أبدًا لم تكوني عابسة، لكنّي عجزتُ عن تعليمكِ الفرح. الفرح البسيط اللطيف الذي يضحك له كلّ الأطفال. أخيرًا اكتشفتِه بنفسك. وصرتُ أبتسم لكِ ابتسامةً كاريكاتوريّة كلّما رأيتُكِ ساهمة لتضحكي.
لا توجد طريقة واحدة للأمومة يمكن اتباعها. ولذا؛ كان لزامًا أن نجرّب، ونتعلّم معًا. وأنا تعلّمتُ كثيرًا، تعلّمتُ كيف أدافع عنكِ، عن حقّكِ في الاختلاف، أن أفهم أنّ عنادكَ يعني قوّة ثباتكِ على الفكرة..فعليّ أن أزرع الفكرة السليمة الآن. أنّ غضبكِ مرآة غضبي، وحقّ لكِ أن تغضبي من هذه الدنيا. تعلّمتُ أن أتقبّل حقيقة أنّي كبرتُ وأنّ الزحليقة الصغيرة لم تعد تسعني بحال من الأحوال! وتعلّمتُ أنّ الصبر يأتي بالخير دائمًا.
عامًا جميلا كان يا حبيبتي، قُدنا فيه درّاجتَينا معًا، وتشاكسنا كأختين معًا، وخبزنا الكعك والحلوى معًا. ومازلتِ عندما تأوين إلى فراشكِ، تهمسين لي أن أندسّ قربكِ، وتمسُدين وجهي بكفّكِ وترتّبين خصلات شعري وكأنّي أنا الطفلة.. فألصق أنفي بأنفك ونغفو معًا وتتعانق كفّانا.. تمامًا كما كنّا نفعل وأنتِ صغيرة. بعض الأشياء لا تتغيّر أبدًا، ومنها الحبّ الذي بيننا.

* في ذكرى ميلاد ابنتي صفيّة. :heart5: 
4.6

الصلاة، بين جدّة وهامبورغ.

أذكر الأيام التي كنّا نسافر فيها إلى بيت خالتي في (جدّة) منذ طفولتي المبكّرة.. وحتّى الآن بعد زواجي، ما زالتْ تستقبلنا هي وزوجها بصدر رحب واحتفاء لا حدود له. وأكثر ما أفكّر فيه حين أتذكّر مواقف (زوج خالتي) معنا، توجيهه التربويّ رغم أنه لا يملك سلطة تربوية مباشرة علينا، فنحن أبناء بنات حميه. ومع ذلك فقد كان نظامه التربويّ يمشي بالعدل على كلّ من يدخل البيت حتى لو كان ضيفاً.. رغم إكرامه وتدليله لنا. فمثلا؛ كنّا ننام في بيت أهلي في العاشرة، وحين كنا نذهب لزيارتهم كان لا بد أن نأوي لفراشنا في الثامنة (طبعا لم نكن ننام وكان يعرف ذلك ويمرّ يدقّ على الباب المغلق وهو ينبّهنا كي لا نزيد في السهر)، لكنّ سعرنا بسعر أبنائه وبناته في الثواب والعقاب على السواء.
وأكثر ما أذكر هو موضوع الصلاة، فحتى حين كنّا دون سنّ التكليف، كان يذكّرنا دائماً ويتابعنا في الصلاة، الشباب إلى المسجد لصلاة الجماعة، والبنات في البيت، وحتى صلاة الفجر. بالتأكيد كنّا (نزوّغ) ونراوغ ونفوّت من الأوقات ما الله به عليم، وكنّا نتضجّر ونتأفّف وخصوصًا حين نصحو من نومة العصر وتكون أخلاقنا ونفسيّاتنا (عظيمة!). ومع أنّ أمّهاتنا معنا؛ وأهلنا أصلا يتابعوننا في الصلاة في البيت، أي أنهم ليسوا مقصّرين.. فلا أذكر أنّ أمًّا من الأمّهات انزعجت مرة من زوج الأخت وتخاصمت مع أختها لمتابعته الأبناء في هذا الموضوع، أو طلبت منه ألا يتدخّل كونهم (ضيوفًا) مثلا. ربّما حدث ذلك ولم أعلم به، لكنه لم يحدث أمامي ولا مرّة.
أكتب هذه الذكريات ليس فقط لأقول لزوج خالتي جزاه الله خيرًا عن كلّ لحظة كان فيها ناصحًا ومربيًّا (وما زال حتى بعد أن تزوّجنا يعاملنا كبناته ويدلّل أبناءنا كأحفاده)، بل لأشير إلى المفارقة العجيبة التي أعيشها الآن. Continue reading