Tag Archives: ماما

لا تسافر!

 

” السفر قطعة من العذاب”، هكذا نشأنا على هذه المقولة، وهكذا ساعدتْ ظروف اغتراب أهلنا عن موطنهم الأصليّ على تعزيز هذا المفهوم. في كلّ سفر بالطائرة لا بدّ أن (ناكل همّ) الوزن المسموح به، وحجم الحقائب، وعددها، ومتانتها وإمكانيّة ضياعها ونوعيّة التفتيش والجمارك، ونتوتّر قبل السفر بيومٍ أو يومين، وأبداً لا يمكن أن نسافر وحدنا كأطفالٍ ولا حتى كشباب عزّاب، وخصوصاً البنات.
السفر هو دائماً لزيارة الأهل الذين لا نراهم باستمرار، وأجد هذا منطقيّاً وقد صرتُ أمّاً مغتربة عن أهلي. ولكنّي جرّبتُ سفر السياحة معهم مرّات، وسفر الإجازات بالسيّارة، وأعتقد أنّ متلازمة السفر/العذاب كانتْ ترافقنا دائماً لعدّة أسباب يطول شرحها، بعضها متعلّق بالجهة المقصودة، وأخرى متعلّقة بالأشخاص (رفقة السفر).

كنتُ أظنّ الأمر طبيعيَّا بالنسبة للأمّهات والبنات، ولكنّي اكتشفتُ لاحقا أنّ الشاب الذي ينشأ في هذا الجوّ (الملغوم) لا بدّ وأن يصاب أيضاً برهاب السفر، وأن تلاحقه متلازمة: أسوأ الأشياء ستحدث لكَ حين تسافر، خصوصاً لو كنتَ وحيداً وفي بلد لا أقارب لكَ فيه ولا أهل، خذ على سبيل المثال:
1. سيُسرق مالك.
2. ستعتدي عليكَ مجموعة سكارى خارجين من حانة وستنزف وتموت على قارعة الطريق ولن تجد طائرة تعيد جثمانك إلى بلدك.
3. ستصاب بحادث وسيكون الطرف الآخر من أهل البلد وأنتَ الغريب الأجنبيّ الذي سيضيع حقّه.
4. سيصيبك فيروس مجهول ومشافي تلك البلد لا تصلح سوى للموت، أو هي ممتازة جدّا لدرجة أنها سترفض استقبالك.
5. ستنفق الكثير من المال على أشياء تافهة ، هذا المال الذي يلزمك لأشياء أخرى أكثر أهمّيّة.
6. ستشعر بالملل والوحدة والضجر.
7. ستقع في المحرّمات وترتكب الخطايا السبع الموبقات!
8. أخيراً، وفي أحسن الأحوال فإنّ أمّك ستقول لكَ (مطمئِنَةً) إيّاك وهي (تشجّعك) على تلك (السفريّة): احتمالات خطف الطائرة أو سقوطها قليلة! فلا تدري أهي تدعو لكَ أم للمختطف أم لقائد الطائرة!

دعكَ من قائمة أخرى من المروِّعات التي ستجعلكَ تتمنّى أن تتبخّر قبل أن تقول إنّكَ مسافر إلى تلك المدينة: ييه.. قرايب كنّة جوز بنت خالة مرت عمّك هناك!، وتجد نفسكَ فجأة مجبراً على زيارة أقارب ليسوا أقاربَ أصلا، وإلا فأنتَ قليل تربية وقاطع رحم. وفوقها ستحمل (برضاك أو بغصبك) حقيبة هدايا أثقل من وزنكَ أنتَ وحقيبتكَ مجتمعَين، وسيضيع جدول وقتك في زيارات وعزائم ليستْ مُرضِيَة لأيّ من الأطراف (كرمال الواجب والتوجيب).

نعم، هذه هي النفسية التي نستقبل بها عالم (السياحة) عموما في مجتمعنا، في الحقيقة نحن لا نعرف معنى كلمة سياحة. الطريف في الأمر، أنّ جميع ما سبق من أسباب يزعمون ارتباطها بالسفر، تحدث أو حدثتْ لكَ بالفعل بنسبة مئة في المئة في بلد إقامتك! والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو أسوأ ما قد يحدث؟
والإجابة: لا شيء.
الموت؟ وارد في كلّ ثانية. الخطف مثلا؟ صار ببلاش. الإصابة بعيار ناريّ طائش؟ في منّه كثير.
في الحقيقة، إنّ أسوأ الأشياء تحدث من حولنا يوميّاً ولسنا محصّنين من وقوعها على رؤوسنا إلا بحفظ الله ومشيئته. لكن إذا أردنا أن نكون واقعيّين، فالسفر وحيدا أفضل بمراحل من السفر بصحبة عائلة تكون مسؤولا عنها، خصوصا إن كان في العائلة أطفالا صغارا أو رضّعا.. واسأل مجرّباً.

حين كنتُ عازبة في بيت أهلي زرتُ عدّة بلدان، وتقريباً لم نقضِ إجازة واحدة إلا مسافرين أو مستقبلين. ولم يكن الترف المادّيّ هو السبب، بل حماسة أمّي وشغفها وقدرتُها على التأقلم مع أسوأ الظروف وتغييرها إلى الأفضل، وتحويل النزهة من (وجع قلب) وأزمة، إلى متعة. كثيرون يربطون السفر بالحالة المادّية: معنا فلوس منسافر ومنصرف بدون حساب، ما معنا منقعد ومنسكت. لم يكن المعيار المادّيّ متحكّما يوما في سفرنا.
وكوني الابنة الوحيدة في العائلة، حظيتُ بمزية السفر مع أمّي منفردة، أو مع أشقّائي، ولاحقا وحدي مع بناتي. هكذا زرتُ سورية ولبنان والأردن وسويسرا قبل زواجي، ولن أضع مكّة وجدّة والدمّام في قائمة البلدان لأنّ عدد مرّات سفرنا إليها لا يُحصى. وحين أحكي لزوجي عن الأماكن التي كنا نسأجرها باعتبارها (شققا مفروشة) على سواحل سورية، لا يستطيع حتّى أن يتخيّل ذلك، وأضحك.
حكيتُ له مرّة أنّ العائلة كلّها ترافقتْ في السفر إلى اللاذقية بالقطار، ومن هناك أخذنا (المكرو) إلى البدروسية. طبعاً، عائلة محافظة لم تدس أقدامنا شواطئ اللاذقية إلا الكورنيش، أما السباحة، ففي أقرب بقعة إلى تركيا. ضحكتُ أكثر ممّا حكيتُ وأنا أقصّ عليه كيف (تطبّقنا) فوق بعضنا، وبقي راكبان لا كراسي لهما، فجلسنا على (ترامس) الماء. دعكَ طبعاً من إصابة البعض بدوّار السفر والغثيان والإقياء (وأنا أحدهم). وهؤلاء يقضون طريق السفر بيدهم كيس وباليد الأخرى نصف ليمونة. جوّ غير شكل. أذكر أنّي قلتُ له: صِدقاً ما بتذكّر إش خطرلن ياخدوا القطار، بس أكيد كانوا حابّين إنّه نجربه. طبعاً بالنسبة لجيل وُلد ونشأ في السعودية، لا يعرف سوى قطار حديقة الحيوان، وقطار مدينة الملاهي، كانتْ تجربة رائعة!
لم يتخيّل زوجي كيف كنّا ننام مثل أعواد الكبريت المصفوفة على أرض الغرفة، مثل المهجع! عنبر صبايا وعنبر شباب، والحمّام بالدور! وكيف نأخذ معنا كلّ شيء من البيت: من الملعقة والطنجرة إلى اللحاف والمخدّة والشرشف (ودائماً خايفين نقمّل من شراشف الشقّة) إلى أغراضنا الشخصية إلى….. وكلّ هذا لنقضي من ثلاث إلى خمسة أيّام، نبلع ماء البحر ويخبطنا الموج وتلسعنا القناديل ويحترق أبناء الخال بسبب بشرتهم البيضاء، ويتخاصم الكبار ويتنازعون ويتجادلون لأسباب لا تهمّنا، ونأخذ نحن الأمور بطناش تامّ ومتعة بالغة.

ركبتُ في السفريّات كلّ وسائل المواصلات المتاحة: طائرات من أسوأ وأفضل الخطوط على جميع الدرجات، قوارب بحرية أسوؤها الذي ركبناه باتّجاه جزيرة أرواد، عبّارة، باصات النقل الجماعية العظيمة، حافلات ذات طباقين تجتاز مرتفعات سويسرا المليئة بالمنعطفات، سيّارات متنوّعة بأعطابها المختلفة، تلفريك مغلق وآخر مفتوح، درّاجات هوائية. لم يبق إلا الدرّاجة الناريّة والمروحيّة والطيران الشراعي!

رغم ذلك كلّه، أعتقد أنّي استغرقتُ وقتاً أطول من اللازم للتخلّي عن متلازمة رهاب السفر، بدعاء: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلتُ وهو ربّ العرش العظيم. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علما.

ولأوّل مرّة من أعوام عديدة وسفريّات كثيرة، حين قرّرنا السفر في هذه الإجازة بالسيّارة وحدنا، زوجي وأنا والبنات، لم أتوتّر، وكنتُ جاهزة بأقلّ الأغراض الممكنة وبأسرع وقت. وكم كان مفعول هذا الشعور سحريّاً!

نعم، لقد قضينا أحد الأيّام نتنقّل بين مواقف الحافلات بحثًا عن طريقة العودة إلى الشقّة المستأجرة، وهذا بعد مشي نهارٍ طويل وخيبة أمل بعد وصولنا إلى المكان المقصود لنجده مغلقا، ونقٍّ من الآنسات، لكن أسوأ ما حدث أنّي تدخّلتُ للفصل بين صفيّة وسميّة بعد مشاكسات عديدة على موقف الترام.
نعم، ذهبنا ظهيرة يوم ممطر إلى مركز التسوّق الكبير على أمل تناول الغداء في أحد المطاعم فلم نجد مكاناً لركن السيّارة بعد بحث دام أكثر من ربع ساعة، فقرّرنا العودة للبيت وشراء بعض الأغراض للطبخ، ثمّ أضعنا المنعطف فوجدنا أنفسنا عالقين فجأة في زحام مروريّ خانق على الطريق السريع المتّجه خارج المدينة! وبعد استيعابنا الصدمة ضحكنا معاً، وفتحتُ حقيبة (النقاريش) وناولتُها للبنات فاكتشفتُ أنّ سمية نائمة، وصفية على وشك. وهكذا استمتعنا بهدوء الزحام والمطر حتّى وجدنا المنعطف الصحيح وعدنا.
ونعم، لم نتوقّف لحظة عن المناوشات والاستماع للشكاوى:
مامااااا تعبت..
ماماااااا جعت..
ماماااااا ..
* قولي لبابا!
بابااااا إيمت رح نوصل؟
لكن لم يحدث شيء خطير.
نعم، لم نترك دورة مياه عموميّة إلا ودخلناها، ولكن مع كامل عدّة وعتاد التعقيم والمطهّرات.
نعم تنازعنا آخر قطرات في عبوة الماء حتى نجد المكان التالي لشراء عبوة أخرى، لكن لم يمت أحد من العطش.
كلّ ما هنالك بعض النقّ، والتشكّي.. والكثير من الضحك، والصور والمتعة.

هل كان من الممكن حدوث شيء من قائمة المصائب أعلاه؟ طبعا ممكن جداً. أبسط من ذلك: يمكن أن نضيع! هكذا باختصار، لأنّنا نعتمد في تنقّلاتنا على الهاتف الذكي والخرائط الإلكترونية، ولكنّ (متلازمة) قراءة اللافتات المصابة بها مفيدة في كثير من الأوقات، مثل يوم نزهتنا في الجبل، حيث لا تصل تغطية الإنترنت، وعلى الإنسان أن يعتمد على ما حوله، لا الجهاز الذي بين يديه.

الخلاصة: لا تسافر، نعم أقول لكَ لا تسافر فقط.. بصحبة مخلوق نكِد أو مختلف في الاهتمامات عنك.
إذا كنتَ تحبّ التجوّل في المدن الكبيرة فلا ترافق من يعشق الغابات. ولا تصحب النكد معك في أيّ سفر، أحياناً يكون هذا الشخص نكداً لأسباب أخرى، وقد يكون هذا طبعه.

وبأيّة حال، اكتب وصيّتكَ، وتأكّد من رضا (الستّ الوالدة) عن رحلتك، فنسبة الواحد في المئة من تلك الحوادث قد تلحق بكَ لو لم تكن راضية.

* الصور من لقطاتي في الصيف.

خمسون سؤالا لماما. (صفيّة تسأل).

تكاد تبلغ عامها الثامن، وكلّ أسئلتها تتكوّن من خمس كلمات، وتحتاج إجابات من خمس صفحات!

  1. ماما ليش رح تكبري وتصيري عجوز؟
  2. ماما ليش ما منشوف الله؟
  3. ماما ليش ما منقدر نروح عالجنة الآن؟
  4. ماما إش شكل الحسَنات؟
  5. ماما ليش الكرات الحمرا في دمنا لما بتموت بتصير زرقا؟
  6. ماما ليش الكرات البيضا في دمي ما قتلت الفيروسات وأنا مرضت؟
  7. ماما ليش ما بيسمحولي اركب في الألعاب الكبيرة؟ أنا ما بخاف.
  8. ماما ليش صراصير الربيع بيمسكوا بعضهم وبيمشوا مثل القطار؟
  9. ماما ليش السما زرقا؟
  10. ماما معلش أجلي؟
  11. ماما ليش أسناني عبتهزّ وبتوقع؟
  12. ماما ليش أسناني الجديدة ما عبتطلع بسرعة؟
  13. ماما ليش سنّي أعوج؟
  14. ماما ليش في كعبة؟
  15. ماما شلون شكله محمد صلى الله عليه وسلم؟
  16. ماما ليش منصلي؟
  17. ماما إش يعني (تقبّل الله)؟
  18. ماما إش يعني (إن شاء الله)؟
  19. ماما ليش عندنا في تمنا (بزاق/لُعاب)؟
  20. ماما شلون المعدة بتعجن الأكل؟
  21. ماما ليش منراجع/نستفرغ الأكل؟
  22. ماما ليش مندوخ في السيّارة؟
  23. ماما الشمس طالعة… ليش برد؟
  24. ماما شلون يعني الشمس صارت تطلع بكير؟
  25. ماما إشو يعني الساعة؟
  26. ماما إش يعني دقيقة؟
  27. ماما ليش منقول آسف؟
  28. ماما ليش ما عبتحكي معي؟!
  29. ماما ليش ما بصير آكل شيبس كتير؟
  30. ماما شلون المي عالأكل بتشبّع؟
  31. ماما ليش عم بفهق (الفواق)؟
  32. ماما إش شكل العضلات؟
  33. ماما شلون برنّ التلفون؟
  34. ماما ليش ما بيرسموا على كلّ الحيطان رسمات حلوة؟
  35. ماما ليش الناس بيسرقوا؟
  36. ماما إشو يعني كذب؟
  37. ماما ليش بشار هيك عبيعمل؟
  38. ماما ليش السكّر مؤذي؟
  39. ماما ليش باخد فيتامين دال؟
  40. ماما ليش الناس بيعملوا دعايات؟
  41. ماما ليش هدول لابسين قصير كتير؟
  42. ماما إشو يعني ماركة؟
  43. ماما شلون الفراولة كبيرة وطعمتها ما طيبة؟
  44. ماما شلون بيطلع الصوص من البيضة؟
  45. ماما.. كل الأشياء عندن ماما وبابا؟
  46. ماما ليش حطوا كل هاللوحات في الشارع ؟
  47. ماما ليش منحط كريم ع إيدينا؟
  48. ماما ليش العطر بيحرق العين؟
  49. ماما ليش بياكلوا خنزير؟
  50. ماما.. ليش عبتضحكي؟!

وهذه رحلتنا إلى القمر.

كما ارتجلتُها لابنتيّ وحكيتُها في خيمة الشاطئ المفتوحة أمام زجاج الشرفة المغلقة في عِزّ الشتاء!

….

اخترعتْ صفيّة مركبة فضائيّة صغيرة من صندوق كرتون، وقالتْ لسميّة:

يا سوسو، أنا صنعتُ مركبة فضائية، وأريد أن أجرّبها وأذهب بها إلى القمر.

ما رأيكِ أن تذهبي معي؟ نتأكّدُ أن الاختراع ناجح قبل أن نخبر ماما عنها. ستكون مفاجأة لها..

صاحتْ سمية بفرح: هييييه هييييييه مفاجأة..

– هسسس وطّي صوتك! قلنا مفاجأة.. لا نريدها أن تعرف الآن.

همستْ سمية: طيّب فهمت! ولكن أين هي؟ وكيف سنجرّبها؟

– في حديقة البيت، اليوم بالليل بعد أن تنام ماما سنلبس ونخرج أنا وأنتِ إلى الحديقة ونطير بها إلى القمر.

وحان وقت النوم، وبعد أن نام الجميع، قامتْ صفية التي لم تنم، وراحت توقظ سمية:

– يا سوسو قومي يلا.. يلا يا سمية.. قومي!!

لكنّ سميّة تمطمطت وتثاءبت وقالت:

هاااا… ممممم.. خلااااص اتركيني أناااام.. أنا لسه نعسانة..

– قومي يا سمية. نسيتِ؟ سنطير للقمر..

فتحتْ سمية عينيها ومرّة أخرى نسيتْ وصاحتْ بصوت عالٍ، فرحانة:

إييييي صح سنطييير…

– هششش! خلص قومي البسي الدنيا برّة برد.

قالتْ سمية: سآخذ معي (مخدّتي). (الجملة من سمية)

بعد أن لبستا المعاطف الثقيلة والقفّازات وملابس الخروج، قالتْ صفية: تعالي نسيتُ شيئا..

ماذا؟

– خوذة الدرّاجة.

لماذا؟

– ما عندي خوذة رائد فضاء، سنلبس خوذة الدرّاجة.

وسحبتْ صفيّة كرسيّا وداستْ عليه لتحضر خوذة الدرّاجة لها ولسميّة من مكانها العالي حيث تضعها ماما.

وتجهّزتا جيّدًا، وقالتْ صفية: جاهزة؟

قالت سمية بحماس: إيه

وفتحت صفية باب البيت وخرجتا إلى الحديقة الصغيرة، قالتْ صفية بحماس:

– تااادااا.. هذه هي مركبتنا!

نظرت سمية بشك وقالت:

* هاا؟! هل تطير؟

– سنجرّب، يلا اركبي..

كانتْ المركبة صغيرة فيها مقعدان فقط، جلستْ صفية في الأمام، وسمية في الخلف، وبدأ صفية تضغط الأزرار، ثمّ قالتْ:

– انتباه.. هنا الكابتن صفية، تجربة الطيران إلى القمر، جاهزون للإقلاع، عشرة، تسعة، ثمانية، سبعة، ستة، خمسة، أربعة،ثلاثة، اثنان، واااااحد.. انطلااااااااااق.. فوووووشت فووووووو…

وبعد لحظة هدوء، قالتْ سميّة فجأة بانزعاج:

*صفية.. هذه المركبة لا تطير! ما زلنا في الحديقة!

ردّت صفية بثقة:

بلى يا سمية، طرنا، افتحي عينيك وانظري حولك .. شوفي السماء كيف هي سوداء معتمة.. وانظري هنا..

صاحتْ سمية فجأة بحماس:

* صااااافي شوفي نجمة خضراء.. ما أحلاها..

ورأتْ صفية شهاباً يهوي ووراءه خطّ من نار، خافت سمية وقالت:

رح نحترق! أنا خااايفة!

لكنّ صفية قالت بثقة وابتسامة:

لا يا سوسو لا تخافي، هذا بعيد.. والآن استعدّي.. وصلنا إلى القمر وسنهبط الآن. ثلاثة اثنان واحد.. إيييييييو ببم. وصلنا..

قالتْ سمية هامسة:

وصلنا؟

– وصلنا.. سننزل الآن.

نزلت صفية أوّلا من المركبة وقالت لسمية وهي تدوس:

شوفي، على القمر ما في جاذبية.. لذلك..

قاطعتْها سمية:

إشو يعني جاذبية؟

– يعني في الأرض في مغناطيس كبير يمسكنا حتى نقدر أن نمشي عليها، ولذلك ما منقدر نطير.. لكن القمر ما عنده مغناطيس.. لذلك منقدر نطير، ونقفز قفزات عالية.. شوفي.

صاحتْ سمية:

انتظرييييي..

قالت صفية بانزعاج:

– إش بدّك؟

ردّت سمية بذكاء:

* إذا طرنا وما في جاذبية، كيف سنرجع للمركبة؟

فكّرتْ صفية وقالت: معكِ حقّ فعلا.. لحظة.. معي حبل.

وأخرجت من المركبة حبل نطّ ملوّن، ربطتتْ خصرها به وربطتْه بالمركبة من الجهة الأخرى، ومدّت يدها إلى سميّة، وقالت:

والآن تعالي، أنا أمسك يديك فلن تطيري.. سنقفز معًا.

وبدأتا تقفزان وتصيحان بفرح: هييييييه على سطح القمر هنااااا نحن هنااااا..

وقالت صفية: سنأكل من القمر قطعة، إنّ طعمه مثل الجبنة يم يم (هذا المقطع من صفية)

وقالت سمية: وأنا سآكل من النجماااات الطيبااااات (هذا المقطع من سمية)

وفجأة، سمعتا صوتًا يقول بهدوء واستغراب:

يا بنات.. إش عم تعملوا برّة في الليل؟!

توقّفتا عن القفز، وقالتْ صفية: مامااا.. نحن على سطح القمر!

* ممممممم أيوا.. حقّا؟! وإذا كنتما على سطح القمر، فمن هاتان البنتان  اللتان تقفزان في حديقتي؟!

ضحكتا، وقالتْ صفية:

– صنعتُ هذه المركبة ونحن الآن نجرّبها هل تطير بنا إلى القمر أم لا.

وهل طارتْ؟

– طارتْ! تعالي اقفزي معنا على سطح القمر يا ماما.. هنا نقدر أن نطير..

* ماما .. تعالي كلي من النجمات معي..

– ذوقي القمر يا ماما، طعمه مثل الجبنة..

قالت ماما بسعادة:

يممم أنا أحبّ الجبنة، وسآكل هذه النجمة الخضراء مثل الخيارة..

قفزتْ ماما معهما، ثمّ قالتْ: هيّا نرجع.

قالتْ صفيّة: اركبوووا..

ركبتْ صفية، وركبتْ سمية، نظرتْ ماما وقالت: وأنا أين سأركب؟ لا يوجد مكان لي.

فكّرت صفية ثم صاحتْ: أنا عندي فكرة.. سأربط هذا الحبل على خصرك وأربطه بالمركبة، ونطير وأنتِ تطيرين معنا!

هكذا أطير في الفضاء؟؟ يا ويلي..

ضحكت صفية وقالت: لا تخافي.

ردّت ماما باستسلام: طيّب..

ضحكتْ صفية وسمية، واستعدّ الجميع لرحلة العودة، مرّة أخرى قالتْ صفية:

هنا الكابتن صفية، في رحلة العودة من القمر، ليستعدّ الجميع للإقلاع ..عشرة، تسعة، ثمانية، سبعة، ستة، خمسة، أربعة،ثلاثة، اثنان، واااااحد.. انطلااااااااااق.. فوووووشت فووووووو…

وأثناء رحلة العودة، قالتْ ماما: يا سلام ما أحلى الهدوء في الفضاء..

نادتْ صفية: استعداد للهبوط.. وصلنا إلى الأرض.. ثلاثة، اثنان، واحد.. إيييييييو ببم. وصلنا.. لينزل الركّاب.

ولما نزل الجميع قالتْ ماما:

الحمد لله على السلامة، أظنّها كانتْ رحلة ممتازة، ومركبتكَ تعمل تمام التّمام يا صفية. لكنها بحاجة مكانٍ أكبرَ لي ولبابا، والآن.. حان وقت النوم. بكرة..

صاحتْ صفية وسمية بصوت واحد : لااااا… مدرسة!

أي نعم.. مدرسة..

تصبحان على خير.