Tag Archives: ماما

نظافة وترتيب

منذ فترة، تعود صفية من المدرسة، ويكون أول ما تفعله عند وصولها للبيت، أن تكمل شطيرتها، وتأخذ علبة طعامها إلى المطبخ، تضع الكرسيّ الصغير عند حوض الجلي، وتقف لتغسل علبتها بالماء والصابون، ثم تعيد الكرسي لمكانه.
في أوّل يوم فوجئتُ بعلبتها النظيفة، ورحتُ أتذكّر متى قمتُ أنا بجليها. ثمّ ناديتُها وسألتها إن كانت قد فعلت ذلك، فقالت: إي ماما، شفتِ أنا شطوّرة (وهي تشير إلى نفسها بفخر). قبّلتُها وقلتُ لها: الله يرضى عليكِ، إنتِ كتير مرتّبة وبتعملي الأشياء بطريقة ممتازة.
اليوم، زادتْ عليه أن أخذتْ المنشفة وجفّفتْ العلبة ووضعتْها في المكان المخصّص لها لأحضّر لها إفطار الغد.

بعد انتهائنا من طعام العَشاء، جاءتْ إليّ تقول: ماما أنا بدّي أساعدك. قلتُ لها بحماس: إي تعي.. عندي كومة شغل، أوّل شي نظفيلي الكنبة (الأريكة) جيّدًا.
صببتُ القليل من الماء والصابون في الدلو، وأعطيتها ممسحة وقلتُ لها أن تدعك الكنبة (المصنوعة من الجِلد) بقدر ما تستطيع.
اندمجتْ في العمل سريعًا رغم زكامها وأنفها الذي يسيل كلّ دقيقتين، وكانتْ تدندن لحنًا من رأسها وهي تعمل. بينما أنا أجمع أطباق الطعام من على المائدة.
انتبهتُ أنّها تذهب كلّ نصف دقيقة لتغمر الممسحة في الدلو، وتخرجها ولكنّها لا تعصرها جيّدًا:
صفية..
-هااا؟
اعصريها منيح، شوفي شلون عم تنقط عالأرض.
نظرتْ لحظات إلى حيث أشرتُ لها، وقالتْ سريعًا: طيّب أنا آسفة كتير ماما، ما تزعلي إيه؟
مسحتُ على رأسها وأنا أقول: لا ما زعلت..بس حبّابة اعصريها بقوّة، بقووووووة.
فصارتْ تضحك، وعصرتْ الممسحة جيّدًا.

جاءتْ سميّة من غرفتها، واتّجهتْ إلى أختها مباشرة، تأمّلتْها ثوانٍ ثمّ قالتْ: صافي إش عم تعملي؟
أجابتها بالفصحى: – أنا أنظّف، (وبحركة مسرحيّة وهي تفرد الممسحة على الكنبة) أنا معلّمة التنظيف.
راقبتْها سميّة لحظات، ثمّ جاءتْ إليّ ركضًا (الموضوع صار فيه دلوٌ وماءٌ وصابون وأشياء مثيرة للاهتمام): ماما.. مامااااااااااا (كعادتها لا تعطيني فرصة الردّ) أنا كمان بدّي أصير متل صفيّة.. معلّمة التنـــ ضيييف.
قلتُ لها: ممم إش رأيك تمسحي الطاولات؟
وافقتْ، وساعدتني في جمع بقيّة الأطباق، ونظّفتْ جميع الطاولات، بإشرافي طبعًا حتى لا نغرق في الصابون.

تركتهما تكملان (تلميع) الكنبة، بينما كنستُ الأرضيّة وأذني مستغرقة مع برنامج (مصائب العرب) على قناة الجزيرة، (لا أعرف اسمه حقًّا لكنّ هذا الاسم يليق به).

بعدما انتهينا، قالتْ صفيّة: ماما ممكن تلعبي معنا لعبة التخبئة؟
– ممكن، بس ممكن أوّل تنزلوا معي عالقبو نحطّ الغسيل في الغسّالة؟
التفتتْ صفيّة بحماس إلى أختها: تعي سوسو، رح ننزل مع ماما.
نزلنا للقبو، فحملتُ سلّة فارغة، وقلتُ لهما: ممكن تلمّوا الغسيل من المنشر وتحطّوه هون؟ انتو بس لمّوه وأنا بطويه بعدين. وكان الغسيل الجافّ عبارة عن مسّاحات ومناشف. وتركتهما وذهبتُ لغرفة الغسّالة، وساد صمتٌ غريب. ثمّ بدأتْ صفية في الدندنة مرّة أخرى.
وبعد دقائق، جاءتا معًا إليّ، وصفيّة تحمل السلة وتقول لي: شوفي ماما أنا رتّبتن كلّن.
نظرتُ فإذا هي طوتْ كلّ شيء بعناية وترتيب ووضعتْ الأغراض في ذات النسق الذي أضعها فيه.
عانقتُها، وشكرتُها، وشكرتُ سميّة طبعًا لأنّها ساعدتها.

مثل جدّتي

حين أتأمّل جدّتي؛ أبكي بهدوءٍ وسلاسة. جدّتي هي كلّ شيء جميلٍ.. انطفأ فجأة.
اليوم سألتْني: أين أنا؟ لماذا أنا هنا؟
وسألتْني أيضًا: وينا أختك؟
عرفتُ أنّها تعتقدني إحدى خالاتي أو أمّي. فرحتُ أعدّ لها أسماء خالاتي وأنا أسألها أيّة واحدة تقصدين؟
لكنّي لم أذكر لها خالتاي كميلة ونبيلة المتوفّتان. ولم تجبني.. وذهب السؤال.

جلستُ بضع مرّات لأطعمها لتستطيع أمّي أن تقضي شأنًا من شؤونها. مرّةً كنتُ أطعمها من صحن (الشوفان بالحليب)، وكعادتها رغم غياب وعيها معظم الوقت.. ما زالتْ تميّز الأطفال. وراحتْ تنادي ابنتي سميّة التي لم تكن أتمّتْ عامها الثاني بعد: تاعي.. تاعي.. تاعي.. ثمّ التفتَتْ إليّ: از.. از.. ازعقيلا تاكل.
فما كان منّي إلا أن أطرقتُ وراح دمعي يسحّ على وجهي بصمت.. كان عسيرًا عليّ أن أسمع جدّتي القويّة تتلكّأ في الكلام وتفتّش عن المفردات.

الشيء الوحيد الذي كان يسرّي عنّي حين أراها في حالها تلك؛ أنّها صارتْ تحبّ البنات!
جدّتي التي كان عمرها قريب المئة عند وفاتها؛ نشأتْ كما غيرها من نساء عصرها على تقديس الرجل، واعتبار (همّ البنات للممات). ورغم أنّها تغيّرتْ كثيرًا على زمننا نحن الحفيدات، ورغم فرحها برؤيتنا نحصّل الدرجات العالية في المراحل الجامعيّة، إلا أنّ فرحتها كانتْ دائمًا أكثر ظهورًا وأكبر بتحصيل الأحفاد الذكور. ورغم علمي بأنّ هذا ما تربّت عليه وأنه ليس تصرّفًا مقصودًا، لكنّه لطالما حزّ في نفسي. حتى إنّني عندما رزقتُ بابنتي الأولى.. كان أوّل ما تمنّته لي أن أرزق بصبيّ بعدها.. فانكسرتْ الفرحة في قلبي، لم تكن تعلم كيف قضيتُ شهور حملي كلها أدعو كلّ ليلة أن يكون الجنين بنتًا. ببساطة.. كان الصبيّ بالنسبة لها عزًّا، والبنت همًّا.
كانتْ في كامل وعيها آنذاك.

في الصيف الأخير، بدا لي أنّها أدركتْ أخيرًا أنّ للبنات فائدة، وإن لم تكن في وقتها تعرف من أنا. لكنّها كانتْ تنادي أمّي بكلمة (يوم) بدل (بنتي). ربّما كان اللاوعي داخلها يعترف أنّ الابنة تكبر لتصير أمًّا لأمّها المتعَبة. وربّما كان ذلك النداء هو الأسهل على ذاكرة لم تعد تعثر على المفردات داخلها لأنّها مشغولة بالبحث عن درجات البيت، وعريشة الياسمين.. وجدّي.

مسكينٌ من لم يكن في حياته امرأةٌ مثل جدّتي.

دروسٌ لنفسي.

قرأتُ وسمعتُ كثيراً من (الدروس) المستخلَصة من أحداث العالم الأخيرة، معروضةً بوجهات نظر مختلفة. فأحببتُ أن أكتب بعض الدروس التي لقّنتُها أو ألقّنها نفسي بين فينة وأخرى.. لعلّ غيري يستفيد منها.

* كم أنتِ عظيمةٌ يا جدّتي! رغم المرض الذي يذهب بوعيكِ وعقلكِ شيئاً فشيئاً، فما أن يعودا إليكِ حتى تكوني مجدّداً تلك المرأة الحديديّة التي أنجبتْ وربّتْ اثني عشر ابناً وابنةً وأولادهم وأحفادهم، وبنتْ بيتها يداً بيد مع زوجها، وغرستْ فيه نبتاتها وياسميناتها وزيتوناتها.. وتعود إليكِ تلك القدرة الخارقة على التحكّم في كلّ ما يحيط بك ولو لساعة أو بضع دقائق!. Continue reading