مسير ومخير

لماذا يبدو الأمر معقدا هكذا؟
شيء رُبّيتَ عليه واقتنعتَ به، أنا لا أتحدّث عما لم تكن مقتنعا به أصلا، أو لُقّنتَه ولم يُسمَح لك بمناقشته، بل سألتَ واقتنعت. فما الذي غيّر هذه القناعة؟

أرى الكثيرين يكتبون اليوم عن الفتنة وأنّ القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، استنادا إلى الحديث الوارد في صحيح ابن حبّان (( ما مِن قلبٍ إلَّا بَيْنَ إصبَعَيْنِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ إنْ شاء أقامه وإنْ شاء أزاغه ) قال : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : ( يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلوبَنا على دِينِكَ )). ولستُ هنا في معرض الحديث عن صحّة الحديث وعدم وروده إلا في هذا المسند، فليس هذا موطنه، ومن أراد أن يرجع لتفاصيله فليرجع. المشكلة التي يطرحها تكرار هذا الحديث، رغم أنّ مضمونه متوافق مع المفهوم الأساسيّ للدين.
متوافق مع فكرة أنّ الهداية أصلا من الله، ولكنّها بعلمه المسبق للغيب، الذي لا نعرفه نحن. ولكنّه غير متوافق مع فكرة التخيير التي نعرفها جميعا: أنّ الإنسان مسيّر ومخيّر. فمسيّر بعلم الله المسبق المجهول لنا، ومخيّر بواقع تصرّفاته واختياراته اليوميّة بكامل وعيه.
حين يصرّ الناس على تكرار فكرة أنّ القلب متقلّب، وأنّ المرء لا يدري من أين يفتن، فإنّهم يلغون مسؤوليّتهم الشخصية تماماً، ويؤكّدون فكرة أنّ الإنسان مسلوب الإرادة، وهذا يعني أنّ المطبّق لتعاليم الدين مثل المفرّط فيها، متساويان.. كلاهما بلا إرادة! وهذه ليست مجرّد مشكلة، بل مصيبة في العقيدة، فكيف بعد هذا سيلتزم أيّ شخص بأيّ تطبيق للدين؟! أو سيشعر أيّ تارك ومنصرف بأنّه مسؤول عن خياره؟!

الإنسان هو المخلوق الوحيد من المخلوقات التي نراها له إرادة واعية، أمّا القضاء والقدر، فهو علم الله المسبق بما سيكون.
لذلك، حين يكرّر الإنسان كلامه عن الفتنة، دون أن يعزل نفسه عن مسبّباتها، أو يشير إلى تفاصيلها، أو يتكلّم في حلول، أو يوجِدَ من يشاركه نفس الأفكار ويلتزم بهم، حين لا يفعل ذلك.. فهو ببساطة يستدعي الشياطين ليمرح معهم! Continue reading


التنّين الذي في داخلك


إنّها القشّة التي قصمتْ ظهر البعير، لو كنّا نعيش في عهد العرب القدامى، لكنّها تعيش في زمن مختلف تماماً. لا توجد قشّة، وإنّما ديك هنديّ، وليس ثمّة بعير، بل تنّين! نعم، فلكلّ حكاية أدواتها المناسبة.

على مائدة الغداء، تكلّم زوجها فجأة بحماسة:
أنا قلت لأهلي يجوا بكرة يحتفلوا معنا بعيد ميلادك.. ورح أنزل أجيب ديك هندي تعمليه بالفرن، وتحشيه فريكة..
وأكمل وهو يقرط فِجلة:
ولا تاكلي همّ الكيك، أنا موصّي عليه، طبقات محشي كريمة متل ما بتحبّيه..
سقطتْ الملعقة من يدها في الطبق أمامها، فأحدثت دويّاً لم يلفت نظره، توقّف أبناؤهم الأربعة عن الأكل، بينما هو لم يسمع شيئاً، يبدو أن الفجل أصابه بالصمم.
– من قال لكَ أني أريد أن أحتفل بعيد ميلادي أصلا؟ وأن أحتفل به مع أهلك؟!
رفع رأسه وابتلع اللقمة بلا مبالاة: أنا اقترحتْ عليهم..وين المشكلة؟
– المشكلة إن هذا اليوم لي! ليس عيدا للجميع! أنت لم تقترح عليهم، أنتَ (عزمتهم) ولم تسألني رأيي حتى.
* ما في داعي أسألك، هذه أوّل سنة يمرّ ميلادك وأهلكِ ليسوا بالقرب، فبدلا من أن تحتفلي مع أخواتك.. احتفلي مع أخواتي. وتابع بابتسامة سمجة: يعني إشو خواتي وإشو خواتك؟ متل بعضن..
Continue reading


أبعد مِلحك عن جراحي !

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة. Continue reading