مالي شغل بالناس ؟!

كنتُ جالسة أرتّب أفكاري، وأنا أحدّق في لوحة المفاتيح، حين لاحظتُ شيئاً يتحرّك تحت الأزرار. في البداية، توقّعتُ أنه دودة الرطوبة، وهي حشرة بغيضة صغيرة فضّية اللون، تتواجد في الأوقات التي تعلو فيها الرطوبة داخل البيت، وقرب مصادر الماء، كالمطبخ والحمّام، وفي حالتي هذه: القبو.لكن لدهشتي كان عنكبوتاً محترم الحجم، أسود اللون، لجأ للبيت ليحتمي من البرد. وليس لديّ ثأر شخصيّ مع العناكب، وفي العادة، لا أقتلها، على الأقل تلك التي تنام في القبو، أكتفي بكنس بيوتها وحين تفرّ لا أتعب نفسي بمطاردتها لأنها فعلا غير مؤذية.
لكنها عناكب رمادية، وهذا كان أسود اللون، وقد خرج ومشى سريعا ونزل من على اللابتوب واختفى!
أين يمكن أن يختفي عنكبوت أسود بهذه السرعة؟ يبدو أنه عنكبوت عفاريتي!
أحضرتُ المكنسة الكهربائيّة من الغرفة المجاورة، وشفطتُ كلّ الزوايا في الحاسوب والطاولة، وتابعت الكتابة وأنا أذكر كلمة أمّي عن جدّي رحمه الله، حين ظهرت لهم دودة في أوراق الخسّ ذات مرّة: بنتي إنت رح تاكليها ولا هي رح تاكلك؟
وأنا أستخدم هذه القاعدة من زمن بعيد، ولا ينفي هذا شعور القرف، لكنّه ينفي الذعر الحيوانيّ الذي لا معنى له عند ظهور الحشرات فجأة في أماكن غير متوقعة.
ولا ينفي هذا أيضا شعور -في شي عبيمشي عليّ- الذي ينتابني الآن ويجعلني أحكّ! لكن ما علينا.


قبل بضعة أيام حدث شيء سخيف، لكنّه -لسخافته ربّما- أزعجني حقّاً. ولن أكتب عن هذا الأمر بطريقة التعمية، لأنّ الكلام لم يُفهم إن فعلت.
كنتُ أتصفّح حساباً على الانستغرام لصديقة قديمة، تعيش وحدها، لأفاجأ بأنّي أرى مقاطع قصّتها (ستوري). وكان هذا غريبا، لأنّي أملك حسابين، وحين رجعتُ لحسابي الشخصيّ، وجدتُ أني أرى الحساب، ولكني لا أرى القصة. وهنا عرفتُ أنّ هذه الصديقة قد حظرتْني من رؤية القصة بحسابي الشخصي من أشهر طويلة، ولم أنتبه إلا الآن. قلتُ في نفسي: عادي، أنا ألغيتُها من متابعتي أيضا على حسابي الخاص من زمن طويل. ولم أتفقّد حسابها إلا من باب الصدفة، حين حنّت نفسي إليها، ولأبنائها الذين كان تكتب عنهم أحيانا.
بعد يوم بالضبط، طلبتُ من صديقة أن تفتح الحساب من عندها وتخبرني إن كانت ترى القصّة، فقالت: نعم.. يوجد، وأدارتْ الهاتف لأرى، فقلتُ: لا أريد أن أرى، فقط أردتُ أن أعرف شيئاً.
وشرحتُ لها أنّ صديقتي حظرتْ عليّ رؤية القصة من حسابي الثاني أيضاً، وخطرت في بالي أفكار وتساؤلات:


أوّلا: لماذا لا تحظرني من الحساب تماماً وليس فقط من رؤية القصّة؟ وخصوصا أنّ حسابها مفتوح ومليء بصورها؟. وأنا أقول لها: لا فارق بين الصور التي تملأ صفحتك، وبين المقاطع التي قد تضيفينها. مع العلم أنّي حين كنتُ أتابعها سابقاً، لم أوجّه لها كلمة نقد واحدة، كلّ ما فعلتُه أني ألغيتُ المتابعة حين وجدتُ أثر ذلك سلبياً عليّ. أليس تصرّفها يعني ببساطة ما تردّده هي: اللي فيه شوكة بتنخزه؟

Continue reading

قراءة في رواية: لكنّك ستفعل !

رواية: لكنّك ستفعل!، للإيطالي: جوزبّه كاتوتسيلا.
تقييمي على جوودريدز: أربعة من خمسة، سقطت نجمة بسبب الترجمة، هنالك أخطاء أسلوبية أدبية كثيرة.
أنصح كثيرا بقراءتها.


أعترف: حين بدأتُ قراءة هذه الرواية، أصابني الملل. فالراوي يستخدم أسلوب السرد على لسان البطل، والذي هو طفل في بداية المراهقة، يتيم الأمّ، له أخت صغيرة وأبوه عاطل عن العمل. تركتُ الرواية أياما كثيرة، وكنتُ حين أعود لها أنسى عن ماذا كانت تتحدّث، ثمّ لم أعد قادرة على تركها من يدي حتى الانتهاء منها.
وحين انتهتْ أصبتُ بصدمة! لكنّها كانتْ صدمة موفّقة زادت إعجابي بالرواية، وشجّعتني لقراءة روايته الثانية المترجمة للعربية. النهاية كانتْ واقعية وحقيقية جدا، وهي أفضل النهايات برأيي.

(الأسرار تُقلى، فحتى إن كنتَ لا تريد البوح بها، فإنّ الرائحة تُشمّ من بعيد.) 72
(سرقتُ كرّاساً وكتبتُ في الصفحة الأولى: تذكّر ألا تنسى.) 94
الأحداث الجادّة تبدأ عند سفر الصغيرين إلى قريتهما للبقاء فترة الإجازة الصيفية في بيت الجدّين (من جهة الأمّ)، وهناك يكتشف البطل الصغير مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين مختبئين في برج البلدة القديم، وينتشر الخبر طبعا.

(في تلك الأيام، بالتزامن مع الحدث، تذكر كل سكان االبلدة كل ما كان يعوزهم، وما رغبوا في امتلاكه، وأصبح القليل الذي يمتلكونه مع وصول الأجانب، كنزا ثمينا.) 95
أثناء القراءة، بدأت تتداعى إلى ذهني صور هجرة الفلسطينيين قبلا، والسوريين حاليا، في بلاد العرب أو تركيا أو أوروبا. لقد وصف الكاتب ببراعة ما يفكّر به الناس، وكيف يتحوّل تركيزهم عن مشاكلهم الأصلية -بفعل الحكومات طبعا- إلى لوم المهاجرين على كلّ مصائبهم.

“نحن لا يعنينا أمر هؤلاء السبعة، لكن يجب ألا يجدوا الراحة هنا، كي لا يحرّضوا آخرين على القدوم”. 97
لقد كانتْ في أيام الإسلام الأولى هجرتان، وفارق كبير بينهما. نحن لا نعرف عن هجرة الحبشة سوى أنّ النجاشيّ (الحكومة) بعدله كان عاملا أساسيّا في الحفاظ على بذرة المسلمين هناك، وأغلب الظنّ أنّ ردّة فعل الناس كانت لتكون مماثلة لما هي عليه الآن في دول المَهجر.

(بدا للعمّال الذين فتحوا الظروف ووجدوا نصفها فارغا، بسبب الأجانب الذين يعملون بأجر أقل، أنّ العم روكّو يحمي أولئك الأجانب، ويضع تحت تصرفهم وسيلة نقل أيضا.) 119
والحقيقة أنّ هذا الثري الجشع هو سبب مصائب البلدة، لكنّ أهلها الجبناء لم يكونوا قادرين على أخذ حقهم منه، بل ويعملون عنده راضين بالقليل. والأجانب لم يكونوا راضين بالأجر، بل ويعملون في مشقّة ولا يعطيهم حتى ماء الشرب خلال العمل في الأرض وتحت الشمس، ولكن أهل البلدة لم يتكلفوا مغبّة سؤالهم.

(بعد أن تم فصله من العمل، أخذ يصرخ أمام الجميع أنه سيقتل أولئك الأجانب الثلاثة بكلتا يديه.
“لحسن الحظ أن الأجانب لم يكونوا هناك، فالعم روكو أرسلهم مباشرة إلى البيت، وإلا لكانوا قتلوهم هناك مباشرة، ولكن.. حتى لو كانوا هناك فهم لا يفهمون شيئا..”
قالت الجدة: “يفهمون يفهمون.. “
قالت كاتينا:”إذن أولئك المهاجرون بإمكانهم أن يتأكدوا بأنهم ميتون. عند هذا الحد، سيساهم جميع أهل البلدة في النيل منهم. ليس ثلاثة أو أربعة منهم فقط”.) 122

(صرختُ في وجهه:”حتى أعمامك هاجروا، أولئك الذين ذهبوا إلى أستراليا. اهتم بشؤونك الخاصة! ما علاقة الصبي جوش بذلك؟”
قال ريفه وهو يمد يديه القذرتين:”نحن نذهب إلى الأماكن التي يتوفر فيها العمل، هم يأتون إلى هنا حيث لا عمل حتى لنا.. هؤلاء الخنازير يريدون أن يسلبونا ذلك القليل الذي لدينا.. ولكن عليه أن يجرب ذلك، سأقتل ذلك المخنّث بهاتين اليدين!”) 136
في الأصل، تفكير الأطفال مختلف، لكنّهم يتأثّرون بسرعة بالكبار، خصوصا الأهل. لذلك لا يمكن أن يكون هنالك تنمّر أو عنصرية صادرة من طفل، إلا وكان أهله من النوع ذاته.

(كان ريفه يثبت جوش على الحائط، ويقول له إن الذنب ذنبه وذنب عائلته، حيث يعمل الجميع الآن ضعف الوقت، ليحصلوا على نفس الأجور السابقة، وأن كل شيء في البلدة انقلب رأسا على عقب.) 142
الملاحَظ أن جوش المهاجر كان أقوى وأطول قامة بكثير، لكنّ الضعف والانهزام من الداخل يسكنانه. لأنّه يعتبر نفسه طفيليّاً على هذا المجتمع، وأنّه يستحقّ كلّ ما يحدث له، وأنّ ما يناله مهما كان قليلا فهو أفضل من لا شيء. إنها رواية المهاجرين في كلّ زمان ومكان.

(كانت تأخذني بين ذراعيها على الأريكة. لا أطيق أبدا هؤلاء الكبار الذين يضمّونني بين أذرعهم، وبمجرد أن أكبر سأريهم من أنا.) 189
حين يبدأ الطفل دخول المراهقة، يعتبر العناق والقبلات أشياء سخيفة ومزعجة أيضا :)

(إنه لأمر سيّء أن يُصاب المرء بداء الحنين إلى الماضي، يكتوي بناره، وما من دواء.) 190
كم من أهلنا أصيبوا بهذا الداء ولم يشفوا منه، وأعاقهم عن حياة طبيعية؟

(عندما عدنا إلى المنزل وقبل أن ننام، دوّنت في دفتري الصغير شيئا مهما: أن نكون شجعانا في الحياة، أفضل من معرفة الأشياء. العالم مليء بأناس يعرفون هذا الشيء أو ذاك، لكن ليس هنالك أشخاص شجعان مثل الأجنبي الضخم، الذي من دون أن يدري، غير بلدة أريليانا”.) 219
ما فائدة معرفتك الحقّ، إن لم تمتلك الشجاعة على النطق به؟

(نحن الأولاد تبادلنا النظرات: لما يبدو الكبار الكبار أغبياء إلى هذا الحدّ؟!
كل القرية تعرف أن الأجانب في تلك الليلة كانوا في الكوخ الحجري، في الجهة الأخرى من البلدة يشوون اللحم. وإذا كان هناك من ليست له علاقة بالحريق، فسيكونون هم بالتأكيد.) 240
ورغم أن المثل الشعبي يقول: خذوا الحكمة من أفواه الأطفال، و: طِفل والله أنطقُه، لكنّ الكبار تعمى قلوبهم وبصائرهم سريعاً حين يتعلّق الأمر بالمال.

(كان ذلك ابن عمّنا رئيس البلدية، هو الذي يقف أمام العم روكّو، ويأخذ المال.
هناك أشياء يجب على المرء ألا يراها أبدا.) 259
خصوصا تلك الأشياء التي تصدم الطفل في معتقدااته الراسخة، أو الأشخاص الذين يعتبرهم درعه في الحياة. وحتى نحن الكبار، ما أكثر ما نردّد: ليتني ما رأيت كذا، ليتني ما عرفت.

(ثم التفت جدّي إلى اللوحة الصغيرة المعلقة في المطبخ، وطلب مني أن اقرأ المكتوب بصوت مسموع. لم أكن أرغب في ذلك، لكنّه أصرّ، فقرأت: المسيح لم يصل إلى هنا أبدا، ولا الزمن أيضا، ولا الأمل، ولا المنطق، ولا التاريخ.
قال جدّي: العدالة لا تنتمي إلى هذه الأرض.) 263
ذلك الاستسلام استفزّ البطل الصغير، وجعله (يقرف) من جدّيه ومن الكبار جميعا.

(صحتُ فيه: “لم يكونوا الأجانب من فعل ذلك!”
ردّ جدّي بصياح أعلى: “لا يهم من فعل ذلك! لا يهم بعد الآن! طالما يوجد أجانب في مكان ما، سيكون الذنب دائما ذنبهم!”
صرختُ مكرّرا: ليس عدلا! ليس عدلا!) 264

كانت العبارة المكتوبة خلف الصورتين معاً: (سيعلّمونك ألا تُشرِق، لكنّك ستفعل). 287
هؤلاء الكبار الذين تعبوا من مصارعة الحياة، واستسلموا، سيقولون لك إنه لا فائدة، ويصرّون على تلقينك أن تكون مثلهم ترضى بالقليل وتعيش صغير النفس، بزعمهم خوفاً عليك، إنّما الحقيقة هي خوفهم منك.
إنّ شجاعتك ستظهر جبنهم، وشمسك -حين تشرق- ستفضح ما اختبأ تحت سواد نفوسهم. وأنت.. ستتجاهل كلّ ذلك، وستشرق.

21.4.2021