العدل المفتَرَض: بين صفية وسمية..

لا يحتاج المرء دقّة ملاحظة عالية لينتبه إلى فروق الشخصيّة بين ابنتيّ (صفية وسمية). لكنّه يحتاج ذكاءً شديداً كي لا يساوي بينهما في المعاملة. نعم، فالمعاملة المتساوية غير منطقيّة ولا صحيحة. العدل لا يعني أبدا أن أعطي الواجب نفسه لكلّ الأطفال، أو المكافأة عينها.
ففي حين تعتبر سميّة (خمسة أعوام) أنّ أجمل الهدايا دمية (باربي) جديدة، أو علبة (ماكياج)، أو أحمر شفاه مثل (الكبار)، ترى صفيّة (ثمانية أعوام) أن الدمى القماشية بجميع أشكالها وأحجامها هي أروع ما يمكن أن تحظى به.
وطيلة عام ونصف تقريبا، كنتُ أسعى -بزعمي للمساواة بينهما- لشراء أشياء متماثلة، قطعتان من كلّ غرض. حتى نظام (شجرة الحسنات) الذي علّقته كان يقضي التساوي بينهما.. وقد بدا ذلك (عادلا) في البداية. لكن حين توزيع المهمّات وجدتُ أنّ العدل المفتَرض مستحيل:
* صفيّة لديها واجبات مدرسية، وسميّة لا.
* صفية لا تحب التنظيف لكنها ترتب بشكل ممتاز وقادرة على نشر الغسيل ولمّه وطيّه وحدها، وسمية تثير الفوضى بشكل مذهل لكنها قادرة على تلميع الزجاج والأرضيات بشكل رائع.
* صفية يمكنها الجلوس أمام التلفاز طيلة النهار إن سمحتُ لها، أما سمية فلا تصبر أكثر من نصف ساعة ثمّ تبدأ باللعب بصوت عال وتستفزّنا لمشاركتها.
* صفية تعشق كلّ شيء في عالم المكتبات، وأجزم أن لو ذهبنا أنا وهي إلى محل قرطاسية أو مكتبة ونسيت نفسي لخرجتُ مفلسة دون أن أشعر: أقلام من كل الأشكال والأحجام والأنواع، أوراق، كتب، دفاتر، مشابك ورقية، ورق ملاحظات، أدوات تزيين وتغليف الهدايا، أدوات الأعمال اليدوية.. إلخ. بينما سميّة لا تطلب شيئا من هذا إلا إن كان لونه (زهريا أو بنفسجيا أو يحمل صورة إلسا وآنا!).
* صفية تعاند بصمت، ولا ترد، وقدرتها على التجاهل تفوق قدرة أي شخص بالغ وتجعله يُهَستِر، باختصار: العالم كلّه.. لإنفها!. أمّا سمية فلسانها أطول منها ولا تعرف فضيلة السكوت، وأجوبتها حاضرة دائما بأسلوب (الردح).
* صفية حين تمشي معي في الطريق ليس عليّ أن أفكر بأي حديث لكسر الصمت، إننا نستمتع معا بصوت أوراق الشجر، والعصافير، وملاحظة الحشرات الصغيرة، والسناجب المتسلقة، وألوان مظلات الناس وقبّعاتهم، وصوت حبّات المطر، وقد تمشي ساعتين قبل أن تقول لي بخفوت: ماما عطشت. أمّا سمية لو مشيت معها.. فلا أسمع شيئا، ولا أرى شيئا! تتكلم ولا تترك فرصة لأحد كي يتنفّس، وتتعب بعد دقيقة، وتجوع بعد دقيقتين، وتقضي نصف ساعة في النقّ على سبيل التسلية!
* صفية لا تكسب الأصدقاء بسهولة أبدا، وتنتظر من الآخرين أن يتودّدوا إليها، وحين لا يعجبها شيء منهم، فهي على استعداد لشطبهم مباشرة، وفي المقابل إن أعجبها أحدهم من أوّل لقاء فإنها تحتفظ بصداقته للأبد ولا تنساه، وهي في الحقيقة لا تعاني من ذلك ولا تشعر بالوحدة، إلا أنّ العالم يضغط عليها. أمّا سمية، فلا يمرّ يوم إلا وأسمع منها اسم طفل جديد معها في الروضة، وأكتشف أنه في مجموعة أخرى لا علاقة لها بها، ولكن حين تطلب أن تدعو أصدقاءها للعب معها في البيت، أجدها محتارة.. وتخبرني أنّها لا تحبّ سوى (أنيسة) الألبانية.
* جميع المعلمين والمعلّمات في المدرسة يعرفن صفية، وكذلك جميع المربّيات في الروضة يعرفن سمية. لكنّ الأسباب مختلفة تماما: صفية معروفة بأنها (خاصّة) وتتصرّف كما لو أنّها لم تفهم ما قيل لها، وتقضي وقت الاستراحة في الأرجوحة وحدها أو في ملاحظة الحشرات. أمّا (سمية) فمعروفة بأنها زعيمة وقائدة وتهتمّ بملاحظة شعر وماكياج وأظافر المربيات!
* صفيّة لا تُبدي اهتمامها بوجود سمية أو غيابها إلا نادرا، لكنّي أعرف أنّ تلك المشاعر تختبئ في قلبها، وتطفو أحيانا حين تصاب سمية بالمرض، فأجدها قلقة، تذهب إليها في السرير وتقترب وتعود إليّ وتسألني متى ستصحو، ولماذا استفرغت الطعام. وفي حين تبدو أسئلتها علمية بحتة، إلا أنها تخفي قلقا حقيقيا. بينما سميّة تندفع نحو أختها في عناق مباغت حتى توقعها أرضا، وتسأل عنها لو اختفت دقيقة، وتلتصق بها أثناء وجودها في البيت، وحين نذهب لزيارة أصدقاء مع أطفالهم، لا تلعب إلا مع أختها، وتقلّدها في كلّ شيء، وتحتمي بها.
* صفية تبدو كبحيرة هامبورغ (الألستر)، هادئة، عميقة، مريحة ومنعشة. أمّا سمية، فهي عاصفة ضاحكة مندفعة في الأرجاء بكلّ الاتجاهات.
* صفية تخزّن المعلومات والكلمات في رأسها من أوّل مرّة لو كانت في حالة انتباه، أمّا سميّة فتحتاج لتكرار كثير. وبالمقابل، تتأخّر صفيّة في إدراك الطلبات المركّبة: هاتي المقصّ الأزرق الموجود في السحابة الثانية في المطبخ. إذ عليّ أن أصيغ لها الطلب بطريقة مختلفة: روحي عالمطبخ، وأنتظر أن تصل، قفي عند الدُرج الأيمن، رقم اثنين من فوق، افتحيه، ابحثي عن المقص الأزرق وهاتيه. أمّا سميّة فتركض مباشرة لتحضره من المرّة الأولى.
* تنزعج صفية من الأصوات العالية، وعليها في كلّ مرّة أن تكرّر طلباتها أربع مرّات على الأقل حتى أفهم ما تقول لخفوت صوتها. بينما تمقت سمية الهدوء، وحين نخرج لمكان بصحبة زوجي ويبتعد عنّا، أستخدم سميّة كجهاز استدعاء لأنّ صوتها أعلى حتى من صوته!
* سمية دبِقة عاطفيا، تلتصق بي حين أجلس، تريد أن تمشّط شعري، وتتمسّح بي، وتقبّلني بإلحاح وثقل دم أحيانا، بينما صفية لا تطلب سوى أن أستلقي جوارها في الليل، أنفها على أنفي، ساقاها فوق ساقيّ، ويدي على شعرها.
* سمية تحدّق في وجوه الناس حين نمشي في أيّ مكان! تحدّق بهم بإصرار وفي العين مباشرة.. وفي معظم الأحيان يشعرون بالحرج ويبتسمون لها فترفع عينها عنهم أخيرا. بينما صفية لا تنظر إليهم إطلاقا، يستدعي مظهرهم العام اهتمامها، لكنها لا تفكّر في معرفة شكل الوجوه أبدا.
* سمية تحبّ تجميع الأحذية وارتداءها، وصفية لديها هوَس الحقائب.
* سمية تلاحظ في الأطفال والكبار لون الشعر والتسريحات وموضوع ارتداء الحجاب واللحية عند الرجال وقادرة على الوصف،  أما صفية.. فتنتبه للتنوّع العِرقي، شكل العيون والسحنات وطول الجسد وعرضه، وتعبّر برسوم دقيقة بعيدة عن الكلمات.
* صفية تفهم وتتكلّم: العربية الفصحى، والعامية، والألمانية، ولديها شغف حاليا بالإنجليزية. أمّا سمية.. فمحصولها اللغوي محصور في العامية العربية والألمانية الأقرب للعامية، ولا تهتمّ لتتعلّم أكثر.
* صفية لا يمكن أن يخطر في بالها حتى اللحظة أن تسأل عن مصدر الطعام أو عن نوع اللحم المقدّم لها لثقتها دوما في من يقدّمه، أمّا سمية.. فتفتح محضر تحقيق.
* سمية لا تهتم لنظافة دورات المياه أو قذارتها، بالنسبة لها هي مجرّد مكان لقضاء الحاجة والخروج ركضا، أمّا صفية فلديها شعور عميق بالقرف، ولا يمكن أن تدخل حمّاما وسخا.
* صفية رقيقة، ولا تقدر أن تدافع عن نفسها، تفترض أنّ العالَم هو من يجب أن يعاملها بلطف، ولا تفهم أبدًا مناكفات الصبيان لها، فتتجنّبهم. بينما سميّة قويّة اليد، لطمتها توجع وتترك أثرا حتى وهي تمزح وتلعب معنا، وتتعامل مع الصبيان بنوع من الاحتقار والدونيّة.
* صفية كانت وما زالت مسالمة مع أختها بشكل عام، ولا تعتدي عليها ولا على ممتلكاتها إلا بعد اعتداءات متكررة من سمية، أي بعد أن يطفح بها الكيل.
* صفية حين تنزعج تخزّن غضبها، وتنعزل في غرفتها، ثمّ تأتي وتعتذر قبل حتى أن تفهم لماذا عليها أن تعتذر، أمّا سمية فلا بدّ أن نعصرها عصرا لتخرج منها كلمة آسفة.. وتنطلق بالنواح (والعواء) وكأنّ قطارا يمشي على قدميها مذنبة كانت أم بريئة!
* سمية لا تخرج من البيت إلا على (آخر طَرز) أي بكامل الأناقة مع مرطّب شفاه وإكسسوارات الشعر، وقبل الخروج تراقبني وتتمعّن في طريقتي عندما ألفّ حجابي أو أضع المرطّب على كفّي، ويأخذ عقلها خاتم زواجي العاديّ وتطلب دائما أن ترتديه، وتغيّر ملابسها مرتين أو ثلاثا في اليوم وتريد أن تختار بنفسها. أمّا صفية فلا ترى شيئا من هذا أبدا، وبالنسبة لها فالملابس خُلِقت لأننا يجب أن نلبسها فقط، والشعر ليغطّي الجمجمة! لكنها تستسلم بهدوء لكلّ اختياراتي في ملابسها وشعرها، وتحتاج أن أخيّرها بين غرَضين دائما عند الارتداء.
* سميّة لا تخضع بسهولة للبلطجة الاجتماعية من الأقران، بينما صفية تدافع عن نفسها بالانعزال، أو تنساق أحيانا.
* صفية لا تُظهر ألما أبداَ وتعتبر الشكوى والبكاء ضعفا، وقد تُجرح أو تمرض ولا أعرف ذلك إلا بعد ظهوره بشكل قويّ. أمّا سميّة.. فيكفي أنّنا ومعلّمتها في الروضة نصفها بكلمة واحدة: درامااااااا! ولا يمكن بحال تمييز صدقها من ادّعائها.
* قبل يومين دخلت شوكة صغيرة جدا من كرسيّ خشبيّ في باطن كف صفية، وحاولتُ إخراجها فلم أفلح، أخبرتُها أن تتحمل حتى نصل إلى البيت فأستخدم الملقط، ولما وصلنا قالت لي بهدوء: ماما رح تطالعيلي إياها؟ وكنت قد نسيت الأمر تماما لأنها مشت إلى البيت ولم تنطق بكلمة عن الموضوع، ولما أخرجنا الشوكة كانت أول كلمة قالتها: وينها بدي أشوفها. كان اهتمامها منصبا على ملاحظة الشيء ولم تتأوّه حتى. أما سمية، فأذكر أن شوكة دخلت في عقب قدمها قبل بضعة أشهر، وكانت مع أبيها، فلما عادوا  وأردنا إخراجها، صار صراخها مرعبا وكأننّا ننتزع روحها، ونحن لم نلمس قدمها بعد! اضطررتُ في النهاية إلى الجلوس فوقها تقريبا وتكتيف يديها إلى أن سحب أبوها الشوكة. وقد خشينا أن يتّصل الجيران بالشرطة من شدّة الصراخ.
وهكذا.. يمكنني أن أسرد عشرات الاختلافات الأخرى، التي تجعل فكرة العدل المفترَضة محض هراء. العدل الحقيقيّ هو أن تعطي طفلكَ ما يجعله متمكّنا من (تقدير ذاته). لذلك بدأتُ في تغيير مبدأ (المعاملة المتماثلة) إلى (المعاملة العادلة بحسب القدرات والرغبات).
وكان أوّل تغيير يكمن في ذهاب صفية إلى دورة تعليم سباحة، في الوقت الذي كانتْ تبقى فيه سمية معي لأنهم لم يقبلوا تسجيلها لصغر سنها، وبأية حال لم تكن أي منهما بحاجة تعلم السباحة التي تعلّمتاها مع أمّي في الصيف، لكنّ النشاط الرياضي كان لدمج صفية مع أطفال من سنّها، بينما سمية لا تحتاج ذلك. ثم دوام صفية لمدة عام كامل في المدرسة العربية بينما تبقى سمية في البيت لأنها بكت ورفضت الذهاب لصف الروضة هناك، واليوم فقط وبعد استلام صفية هديتها وشهادة نجاحها شعرتْ سمية بالمقلب، لكنها سرعان ما نسيتْ. صار اختيار هدايا صفية ضمن نطاق التلوين والرسم اللذان تعشقهما، وتحميلها مسؤولية مسك النقود ومناولتها للبائعة عند الشراء، ومزايا حمل الأغراض، وأخذ ما تريده من مكتبي وأدواتي بخلاف سمية التي لا تملك هذه الميزة ولا الصلاحية لأنها لا تعيد شيئا إلى مكانه أبدا، والأسوأ أنها تخفيه وتنسى أين وضعته، بينما صفية لا تنسى أبدا.
وفي المقابل صارت لسمية مزايا خاصة بها: فبينما لا يصح أن تغيب صفية عن المدرسة إلا بعذر، فإن لسمية الحق أن تبقى معي في البيت متى شاءت طالما لستُ مضطرة للخروج، وحظيت سمية طيلة أشهر بمتعة ركوب الخيل مع برنامج الروضة، واللعب مع الأرانب في حديقة روضتهم أيضا، وحين تطلب دمية باربي جديدة، وهنالك مناسبة لإهدائها إياها، فإني أشتريها ولو كانت غالية، ذلك أنها تحافظ عليها، ولم تُصَب أيّ من دماها بأذى، ولا ضاع منها شيء.
في أوقات التنظيف يكون تحديد المهمّات أسهل: صفية رتبي، سميّة نظفي الطاولة. صفية كنسي بالمكنسة الكهربائيّة، سمية امسحي الأرض. صفية رتبي غسيلك في خزانتك، سمية.. رتبي خزانتك معي! وهكذا..
والآن، صارتْ الأمور أكثر هدوءا بيننا، عندما شعرتْ كلّ منهما أنّها ليستْ مضطرّة لتقليد أختها في شيء للحصول على مزايها، وأنّها ليس بالضرورة أن تحصل على غرض مماثل، بل أن تحصل على ما تحبّه، وأنّ التنوع في الأغراض يتيح لهما التبادل لبعض الوقت. وهنالك طبعا الكثير من الأشياء التي تتشابهان بها، أهمّها: طول القامة مقارنة بالأقران، ما يجعلهما تبدوان أكبر من بقيّة الأطفال في الصفّ المدرسيّ والروضة. ولم يكن ذلك ملاحظا في البداية، لكنّه ازداد مؤخّرا، خصوصا مع انتقال صفية مؤقتا لشعبة دراسية أخرى، وبينما الطلاب هناك يكبرونها ببضعة أشهر وأحيانا بفارق عام، تترافع هي طولا عنهم شبرا وأكثر! وبينما سميّة تلعب مع أصدقائها في الروضة، تبدو من بعيد كأخت كبيرة لهم. وهذا ما يجعلنا ننسى أحيانا أن داخلهما طفلة صغيرة هشّة.
العدل لا يعني المساواة، إذ كيف أساوي بين شخصيّتين مختلفتين بعمرين مختلفين، فقط لأنّ كلاهما أنثى، وكلاهما ابنتي؟!.
الآن فقط أدرك بهدوء أنّ من حقّ صفية أن ترفض أن تكبر، أن تُبقي على الطفلة في داخلها بريئة هشّة، وأنّ عليّ أن أوفّر لها الحماية التي لا تستطيعها، وإلا لماذا أنا موجودة إذا؟. والحقيقة إنّ براءتها نادرة، وحين أرى البنات في صفّها، لا أستطيع أن أصفهنّ.. فهنّ أبعد ما يكنّ عن البراءة رغم أنهنّ في الصف الثاني فحسب.
أمّا سمية فبالعكس، تريد أن تكبر بسرعة جدا، وعلي أن أجاري ذلك أيضا، وأن أراعي جموحها وانطلاقتها وأثق بها أكثر، فمن ذا يجرؤ على الوقوف في وجه الإعصار؟.


التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
أفكّر قليلا وأنا أقارن نفسي بجاراتي الأربع: أنا أعيش في منزل يقع متوسّطا بين أربع منازل متلاصقة، وعندي أربع جارات: الأولى ألمانية عزباء تعيش في هذا البيت الكبير لوحدها، وعمرها في الثلاثينات وتعمل ممرّضة، وحين لا تكون في عملها تكون في البيت لوحدها. الثانية ألمانية ستّينيّة وتعمل في منصب إداريّ، متزوّجة بلا أطفال. تعمل بدوام كامل ولا أراها إلا نادرًا. الثالثة فيتنامية أربعينيّة متزوّجة وابناها تخرّجا من الثانوية ويدرسان و يعملان، وهي تعمل بدوام جزئيّ. والرابعة ألمانية في أواخر الثلاثينات متزوّجة بلا أطفال وتعمل بدوام حرّ. وحين ألقي على جاراتي تحيّة الصباح أو المساء، بحسب ما أرى، فإنّ ابتسامة الفيتناميّة (الأمّ) هي الأكبر، تليها ذات الدوام الحرّ. والأخيرتان تكادان لا تبتسمان أبدًا وكأنّهما مصابتان بتيبّس في عضلات الوجه!
وبالمقارنة أجد نفسي أعمل أكثر منهنّ جميعا! فعندي طفلتان، أعمل لهما: مواصلات (مشيا أو على الدرّاجة أو على السكوتر أو بالوسائل العامّة)، ومربّية، وطبّاخة، ومعلّمة (ألماني/عربي/رياضيات/فنّية/مهارات)، غسّالة وخيّاطة، أخصّائية اجتماعية لحلّ المشكلات، بنك نقود، وبنك عواطف. عدا عملي في نهاية الأسبوع حيث ترتاح جاراتي، وأخرج أنا يومين متتاليين، عدا عملي الحالي خلال الأسبوع، عدا موضوع الطبخ وشعبنا العربي الذي لا يقبل أن يأكل (أيّ كلام) ولا (تمشاية حال)، و(مين هي بيتزا؟)، عدا التنظيف والتعزيل وتنظيف الحمّامات اليوميّ. عدا الحوادث والمفاجآت العابرة، كسكب الماء كلّه على أرض الحمّام حيث لا توجد بلّوعة، وانسيابه ليملأ الممرّ وينسكب على الدرجات إلى الطابق السفلي. طبعا هذه أفعال سميّة. أو استخدام المقصّ في ارتكاب جريمة ذكيّة كقصّ شعر الأخت بدعوى (تقليد ماما)، وهذه طبعاً أفعال صفية. وأشياء كثيرة من هذا النوع.
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.


أنتِ بطلة

لا أحد يكتب عنكِ، عنّي، عن جيلنا نحن.

الذين يقولون والذين يكتبون والذين يحكمون هم الرجال. كنتُ وما زلتُ دائمًا أتساءل: لماذا قليلة هي الكتابات النسائيّة التفصيليّة عن نفسيّة الرجل أو عمره أو حياته، بينما تمتلئ المقالات والدراسات والكتابات بأقلام ذكوريّة تتحدّث عن النساء في: الحمل والإنجاب والسنّ المناسب للزواج وعمر الإنجاز وخريف العمر وسنّ اليأس والشيخوخة و…..
ربّما لأنّ المرأة تستطيع أن تعيش مستقلّة نفسيًّا وعاطفيًّا، أمّا الرجل فيبقى بحاجة للمرأة ومتعلّقًا بها، أيًّا كانتْ مرتبتها الاجتماعيّة بالنسبة له؟.

ولكنّي مستاءة من النساء اللواتي يرضين أن يتكلّم الرجل باسم مشاعرهنّ الشخصيّة، ويلُمْنه لأنّه لا يفهم شيئًا من الذي يتحدّث عنه. إذًا؛ لماذا لا تكتبن أنتنّ عن أنفسكنّ؟

ورجعتُ أقرأ وأبحث في ذاكرتي عن أغلب المقالات والمعلومات التي تتناول مراحل المرأة العمريّة، فوجدتُ:
1998_P_1346378847325
– الكثير من الكلام عن المرحلة العشرينيّة؛ باعتبارها سنّ الدراسة الجامعيّة والتفكير في الارتباط الزوجيّ وتأسيس أسرة. سنّ الانفتاح على الحياة والثقة بالنفس واتّخاذ القرارات وتحمّل نتائجها. سن التعلّم، الكثير منه، لأنّ العقل ما زال في أوج نشاطه واندفاعه وقوّته.
1998_P_1346378847199
– الكثير الكثير من الكلام عن مرحلة الأربعين والخمسين، وأنّها (خريف العمر) وسنّ اليأس. عن اكتئاب النساء في هذا العمر. عن خطر الإنجاب فيه. عن شعورهنّ بالخواء والانهيار والحاجة لوجود الرفيق (الرجل) في حياتهنّ.
7 6
– الكلام عن سنّ الستّين والسبعين على أنّها أعوام الشيخوخة والتهيّؤ للموت! و: اِلحق برَّ أمّكَ قبل فقْدِها، واختصار ذلك في أن تجعلها جالسةً مستريحة فقط.
– وأخيرًا؛ يقولون: عمر الثلاثين هو العمر الذهبيّ للمرأة. نقطة.. انتهى السطر. لا يزيدون شيئًا على هذا.

هنالك أشياء صحيحة فيما قالوا، لكنّي -باعتباري محسوبة على عالم النساء- أسمح لنفسي اليوم أن أتحدّث عن بعض ما لا يعرفه الرجال ليتكلّموا عنه. عن أشياء لا تقولها النساء غالبًا لعدّة أسباب:
– الشعور بأنّها بديهيّة وافتراض أنّ الرجل يدرك ذلك (أيًّا كانتْ مرتبته الاجتماعيّة في حياتهنّ).
– الشعور بعدم الجدوى من قولها لأنّ أحدًا لا يسمع ولا يفهم.
– افتقاد القدرة على صياغتها والتعبير عنها لأسباب مختلفة.

Fast-fifty-number-20
إذا كنتِ في العشرين من عمركِ وتعتقدين أنّ هذه أجمل مراحل حياتكِ؛ فاحتفظي بهذا الشعور ما استطعتِ لتتمكّني من مواجهة: تعسّر أمور الدراسة لأيّ ظروف في حياتك، تأخّر ارتباطكِ برجل أو ارتباطكِ المبكّر دون رغبتكِ، الشعور بنوعٍ من الضياع وعدم القدرة على تحديد الخيارات لمستقبل واضح. مرحلتكِ العشرينيّة هي فرصة رائعة للتعلّم، تذكّري هذا دائمًا: عقلكِ ما زال قادرًا على التركيز والاستيعاب والهضم والتحليل، مشاغلكِ أقلّ لو لم تكوني أمًّا، أو كنتِ أمًّا لأطفالٍ صغار. ما زال لديكِ الوقت لاختيار مهنة تحبّينها، ودراسة عددٍ من اللغات أو الدورات. ما زال هنالك من يتكفّل بالصرف المادّيّ تجاهكِ فاستغلّي هذا في التفرّغ للتعلّم والتدريب. استمتاعكِ بالإجازات والسفر يكون أفضل. هذا عمر رائع، لا تضيّعيه في الكآبة وصحبةٍ سوداويّة والتفاهات.

40 50-jaar-getrouwd-gouden-bruiloft
إذا كنتِ في الأربعين والخمسين، أصمّي أذنيكِ عن تسمية (سنّ اليأس) هذه، لقد تطوّر الطبّ كثيرًا كثيرًا. فإن كنتِ تسعين للإنجاب؛ فقط ابحثي عن طبيبةٍ تثقين بها وأكثري من الدعاء. إن كنتِ تعانين من أيّ مرضٍ فاتّجهي للطبيب وخذي علاجكِ وتابعي حياتكِ وكأنّ شيئًا لم يكن. إن كان أبناؤكِ كبروا فاستمتعي بتأمّلهم وقد صاروا أطول وأعرض من باب غرفتكِ، واتركي عن ذهنكِ بقيّة سلبيّاتهم لأنّهم صاروا بالغين مكلّفين محاسَبين، وأكثري من مديحهم. أكملي تعليمكِ لو كنتِ لم تحصلي على شهادة عليا، أو اتّجهي لتعلّم مهنة تحبّينها. انتظمي في دورة حاسوب، فقد صار ضرورة. أنتِ الخريف؟ إذًا أمطري وانفخي الأوراق الجافّة واغسلي الأشجار لتبدو أجمل في الربيع. لو كنتِ تعيشين في بلدٍ يسمح لكِ بالمشي في الشارع، فاخرجي وامشي كلّ يوم. ولو كنتِ مضطرّة للبقاء في البيت فاصنعي حديقة داخليّة من النباتات الخضراء، وأعدّي كوب قهوتكِ وضعيه على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس، ثم اعرضي على اليوتيوب مشهدًا لموج البحر مع صوته، وامشي ربع ساعة داخل الغرفة، ثمّ اجلسي واشربي قهوتك. هذا عمرٌ رائع، لا تخسريه في الاستماع لمن يتكلّم عن ذبول الشباب. وتذكّري أنّ السيدة خديجة كانتْ في قمّة عطائها وحبّها وجمالها في هذا العمر.

60 image 240_F_26945411_DhoGK1ZKVmHSFqcVl0ENMnHqwOf9SytV
إذا كنتِ في الستّين أو السبعين أو الثمانين؛ اسمحي لي أن أقبّل يديكِ لأنّكِ قادرةٌ على التعامل مع التكنلوجيا وقراءة هذه الكلمات. هذا أنسب عمر لبدء (مشروع حياتكِ) الذي لم تتمكّني من إنجازه سابقًا. فالوقت لديكِ والمسؤوليّات قلّت، والمال متوفّر بإذن الله. طالما ما زلتِ تحتفظين بعقلكِ فهذا أهمّ كنز. وإن خاطبكِ من هو قريبٌ من عمركِ بكلمة: يا جدّتي بدلا من: يا أمّي، أو يا خالة.. فلا تغضبي أبدًا، بل ابتسمي للوقار الذي يبدو عليكِ ويمنحكِ الاحترام والتقدير ممّن حولك. فهذه الكلمة (الجدّة والأمّ والخالة) لا تُهدى لأيٍّ كانتْ. لا تنسي أن تلتزمي بأدويتكِ والغذاء الصحّي، والمشي. فالحركة بركة.

أمّا وأنتِ صديقتي ومن جيلي الثلاثيني، العمر الذهبيّ الذي لا يتكلّم عنه أحد سوى: بالروعة والمديح المبهَم، والانبهار، ولا يقتربون من تفاصيله أبدًا.. تعالي نتحدّث معًا عن (مطبّ) الثلاثين، عن (حفرة) الثلاثين، عن (صدمة) الثلاثين.
لا يعرفون أنّ المرأة في الثلاثين تعبر مرحلة فاصلة كلّ ما فيها يتغيّر ويطحنها طحنًا:
– الهرمونات تجنّ وتتصرّف بفوضى، لا تخضع لمنطقٍ ولا لنظام. كلّ ما يحدث قبل الثلاثين من أمور النساء جملة وتفصيلا يختلف تمامًا بعد الثلاثين.
– إذا لم تكوني متزوّجة؛ فسيجعلكِ المجتمع همّه وحديثه. وإن كنتِ متزوّجة لم تنجبي فسينصحونكِ بألف طبيب، وإن كنتِ أنجبتِ فعلا.. سيلحّون عليكِ بإنجاب المزيد قبل بلوغ الأربعين باعتبارها خطّ نهاية صلاحيّتكِ كأنثى!
– يرتفع احتمال إصابتكِ بالأمراض التالية (إن لم تكوني مصابة بها من قبل): السكّر، الشقيقة (الصداع النصفي)، الصداع الهرموني (صداع يستمرّ خمسة أيام إلى أسبوع قبل موعد الدورة الشهرية)، الديسك (انضغاط فقرات الظهر)، الاكتئاب (وهو مرض حقيقيّ ومن مظاهره العديدة العصبيّة)، أمراض ومشاكل المبايض، أمراض الغدد، الخمول والإرهاق المفاجئ، فقدان الذاكرة الجزئيّ (تشعرين بها كحالات من الغيبوبة وكأنّ أجزاء من ذاكرتكِ سقطت).
– تكتسبين الوزن بشكل مفاجئ ومخيف، وتفشل جميع أنظمة الحمية التي تحاولين الالتزام بها، بالإضافة إلى تغيير في عاداتكِ الغذائيّة لا تستطيعين السيطرة عليه.
– تشعرين أنّ كلّ ما بكِ/لكِ/حولكِ لا يلائمكِ وليس في مكانه الصحيح: بدءًا من وضع جسمكِ، وجهك، شعرك، وزنك، مرورًا بملابسكِ وأغراضكِ الشخصية، بيتكِ وأثاثه، انتهاءً بالناس الذين يحيطون بك!
– تميلين إلى الوِحدة والابتعاد عن الضوضاء، وتنتظرين الفرصة لتجلسي دون عملٍ أو هدف محدّد، وتعلّلين ذلك بأنّه (مجرّد قسط من الراحة يحقّ لك).
– تفكّرين في الاتفصال عن شريك الحياة إذا كنتِ متزوّجة في عمر العشرينيّات أو ما قبلها. وتتردّدين كثيرًا بشأن الارتباط إن لم تكوني متزوّجة.
– تنزَعين إلى الالتزام الدينيّ وتفتّشين عن مصدرٍ روحانيّ موثوق، أو العكس.
– تنظرين بحسرة إلى عمر العشرينات الذي غادرتِه، وشيءٍ من الغيظ من بنات جيله لأنّهنّ -بنظرك- مستهترات متهوّرات لا يعرفن قيمة عمرهنّ و(حرّيتهنّ).
– تميلين إلى التخلّي عن صديقات الطفولة وتشعرين أنّ (هنالك علاقات لها مدّة صلاحيّة وقد انتهتْ).
– تروادكِ فكرة التخلّي عن الحياة والهروب وبدء حياةٍ جديدة من الصفر، لوحدك.

ربّما شعرتِ بكلّ ذلك، بنصفه، أو بربعه.. أو لا شيء منه. إن كنتِ تشعرين به؛ فتابعي القراءة:
30th-sparklers
– أنتِ رغم تلك الهرمونات المجنونة التي سيستمرّ جنونها لسنواتٍ قادمة؛ تضبطين أعصابكِ وتصرّفاتكِ، وتبحثين عن الوسائل المساعدة في ذلك.
– أنتِ غير متزوّجة، متزوّجة ولستِ أمًّا، مطلّقة، متزوّجة وأمّ، وضعكِ الاجتماعي في أيّة خانةٍ كان؛ لا يعدو كونه جزءًا من شخصيّتكِ وهكذا تتصرّفين، وتتجاوبين مع تعليقات المجتمع المستفزّة بدعابة.
– أنتِ مصابةٌ فعلا بمرضٍ دائم؛ لكنّك لا تشكين من أعراضه طيلة الوقت لأنّكِ قادرةٌ -بشيءٍ من الهمّة- أن تتأقلمي معه وتكملي حياتكِ بشكلٍ طبيعيّ.
– تتقرّبين من الله بمختلف الوسائل والطرق، دون ضغطٍ أو سلطة من أحد.. وتكتشفين روعة ذلك.
– تشعرين بالسعادة والبهجة حين تخاطبكِ من هي أصغر منكِ كما تخاطب الشيوخ، وتعتبرينه دليل احترام. وتشعرين بالفخر حين تستشيرك من هي أكبر منكِ اعترافًا منها بخبرتكِ.
– رغم كلّ المسافات المكانيّة والزمانيّة الفاصلة؛ تسألين باستمرار عن أحوال الصديقات، وتطردين كلّ هواجس سوء الظنّ بتقصيرهنّ، وتطيرين فرحًا بإنجازاتهنّ حتى لو كانتْ منافسة لإنجازاتكِ أو متفوّقة عليها.
– تهربين بأفكاركِ إلى المستقبل؛ وتتخيّلين مكانكِ بعد عشرة أعوام. تخطّطين أيّة خبرات تريدين اكتسابها، وأيّة عادات تريدين تركها، وأيّة تجاعيد ستبتسمين لظهورها.
– تتقبّلين التغيّرات الجديدة في شكلكِ، وتكفّين عن (هوس المراهقات) في الاحتفاظ بالقوام الفاتن، والشعر الرائع. وتستبدلين بذلك كلّه: الصحّة والعافية والأناقة.
– تركضين طيلة النهار، وحين تجلسين لترتاحي وتجدين الأعمال المتراكمة، تبتسمين لها وتقولين: أعلم أنّكِ لن تهربي، وأنا سارتاح الآن.. ثمّ نتفاهم.

أنتِ فعلا في العمر الذهبيّ؛ العمر الذي يسمّيه الجميع (سنّ الكمال). لأنّكِ تقعين في الوسط، في المنطقة الفاصلة بين جيلين يعتمدان عليكِ؛ بين الابنة والأمّ، بين المعلّم والمتعلّم، بين المربّي والمتربّي. العالم ينظر إليكِ في كلّ موقعٍ فيراكِ قادرةً، ومسيطرةً، وعلى أهبة الاستعداد. وأنتِ لستِ وحدكِ، كلنا مثلكِ، جيلك.
أنتِ البطلة، إذا كنتِ: تملكين خطّة واضحة وهدفًا في الحياة مرتبطًا بالآخرة تعملين على تحقيقه؛ يوميًّا، ولو بخطوات بسيطة. فقط، لا تتوقّفي.