Tag Archives: مسؤولية

العدل المفتَرَض: بين صفية وسمية..

لا يحتاج المرء دقّة ملاحظة عالية لينتبه إلى فروق الشخصيّة بين ابنتيّ (صفية وسمية). لكنّه يحتاج ذكاءً شديداً كي لا يساوي بينهما في المعاملة. نعم، فالمعاملة المتساوية غير منطقيّة ولا صحيحة. العدل لا يعني أبدا أن أعطي الواجب نفسه لكلّ الأطفال، أو المكافأة عينها.
ففي حين تعتبر سميّة (خمسة أعوام) أنّ أجمل الهدايا دمية (باربي) جديدة، أو علبة (ماكياج)، أو أحمر شفاه مثل (الكبار)، ترى صفيّة (ثمانية أعوام) أن الدمى القماشية بجميع أشكالها وأحجامها هي أروع ما يمكن أن تحظى به.
وطيلة عام ونصف تقريبا، كنتُ أسعى -بزعمي للمساواة بينهما- لشراء أشياء متماثلة، قطعتان من كلّ غرض. حتى نظام (شجرة الحسنات) الذي علّقته كان يقضي التساوي بينهما.. وقد بدا ذلك (عادلا) في البداية. لكن حين توزيع المهمّات وجدتُ أنّ العدل المفتَرض مستحيل:
* صفيّة لديها واجبات مدرسية، وسميّة لا. Continue reading

التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.

أنتِ بطلة

لا أحد يكتب عنكِ، عنّي، عن جيلنا نحن.

الذين يقولون والذين يكتبون والذين يحكمون هم الرجال. كنتُ وما زلتُ دائمًا أتساءل: لماذا قليلة هي الكتابات النسائيّة التفصيليّة عن نفسيّة الرجل أو عمره أو حياته، بينما تمتلئ المقالات والدراسات والكتابات بأقلام ذكوريّة تتحدّث عن النساء في: الحمل والإنجاب والسنّ المناسب للزواج وعمر الإنجاز وخريف العمر وسنّ اليأس والشيخوخة و…..
ربّما لأنّ المرأة تستطيع أن تعيش مستقلّة نفسيًّا وعاطفيًّا، أمّا الرجل فيبقى بحاجة للمرأة ومتعلّقًا بها، أيًّا كانتْ مرتبتها الاجتماعيّة بالنسبة له؟.

ولكنّي مستاءة من النساء اللواتي يرضين أن يتكلّم الرجل باسم مشاعرهنّ الشخصيّة، ويلُمْنه لأنّه لا يفهم شيئًا من الذي يتحدّث عنه. إذًا؛ لماذا لا تكتبن أنتنّ عن أنفسكنّ؟

ورجعتُ أقرأ وأبحث في ذاكرتي عن أغلب المقالات والمعلومات التي تتناول مراحل المرأة العمريّة، فوجدتُ:
1998_P_1346378847325
– الكثير من الكلام عن المرحلة العشرينيّة؛ باعتبارها سنّ الدراسة الجامعيّة والتفكير في الارتباط الزوجيّ وتأسيس أسرة. سنّ الانفتاح على الحياة والثقة بالنفس واتّخاذ القرارات وتحمّل نتائجها. سن التعلّم، الكثير منه، لأنّ العقل ما زال في أوج نشاطه واندفاعه وقوّته.
1998_P_1346378847199
– الكثير الكثير من الكلام عن مرحلة الأربعين والخمسين، وأنّها (خريف العمر) وسنّ اليأس. عن اكتئاب النساء في هذا العمر. عن خطر الإنجاب فيه. عن شعورهنّ بالخواء والانهيار والحاجة لوجود الرفيق (الرجل) في حياتهنّ.
7 6
– الكلام عن سنّ الستّين والسبعين على أنّها أعوام الشيخوخة والتهيّؤ للموت! و: اِلحق برَّ أمّكَ قبل فقْدِها، واختصار ذلك في أن تجعلها جالسةً مستريحة فقط.
– وأخيرًا؛ يقولون: عمر الثلاثين هو العمر الذهبيّ للمرأة. نقطة.. انتهى السطر. لا يزيدون شيئًا على هذا.

هنالك أشياء صحيحة فيما قالوا، لكنّي -باعتباري محسوبة على عالم النساء- أسمح لنفسي اليوم أن أتحدّث عن بعض ما لا يعرفه الرجال ليتكلّموا عنه. عن أشياء لا تقولها النساء غالبًا لعدّة أسباب:
– الشعور بأنّها بديهيّة وافتراض أنّ الرجل يدرك ذلك (أيًّا كانتْ مرتبته الاجتماعيّة في حياتهنّ).
– الشعور بعدم الجدوى من قولها لأنّ أحدًا لا يسمع ولا يفهم.
– افتقاد القدرة على صياغتها والتعبير عنها لأسباب مختلفة.

Fast-fifty-number-20
إذا كنتِ في العشرين من عمركِ وتعتقدين أنّ هذه أجمل مراحل حياتكِ؛ فاحتفظي بهذا الشعور ما استطعتِ لتتمكّني من مواجهة: تعسّر أمور الدراسة لأيّ ظروف في حياتك، تأخّر ارتباطكِ برجل أو ارتباطكِ المبكّر دون رغبتكِ، الشعور بنوعٍ من الضياع وعدم القدرة على تحديد الخيارات لمستقبل واضح. مرحلتكِ العشرينيّة هي فرصة رائعة للتعلّم، تذكّري هذا دائمًا: عقلكِ ما زال قادرًا على التركيز والاستيعاب والهضم والتحليل، مشاغلكِ أقلّ لو لم تكوني أمًّا، أو كنتِ أمًّا لأطفالٍ صغار. ما زال لديكِ الوقت لاختيار مهنة تحبّينها، ودراسة عددٍ من اللغات أو الدورات. ما زال هنالك من يتكفّل بالصرف المادّيّ تجاهكِ فاستغلّي هذا في التفرّغ للتعلّم والتدريب. استمتاعكِ بالإجازات والسفر يكون أفضل. هذا عمر رائع، لا تضيّعيه في الكآبة وصحبةٍ سوداويّة والتفاهات.

40 50-jaar-getrouwd-gouden-bruiloft
إذا كنتِ في الأربعين والخمسين، أصمّي أذنيكِ عن تسمية (سنّ اليأس) هذه، لقد تطوّر الطبّ كثيرًا كثيرًا. فإن كنتِ تسعين للإنجاب؛ فقط ابحثي عن طبيبةٍ تثقين بها وأكثري من الدعاء. إن كنتِ تعانين من أيّ مرضٍ فاتّجهي للطبيب وخذي علاجكِ وتابعي حياتكِ وكأنّ شيئًا لم يكن. إن كان أبناؤكِ كبروا فاستمتعي بتأمّلهم وقد صاروا أطول وأعرض من باب غرفتكِ، واتركي عن ذهنكِ بقيّة سلبيّاتهم لأنّهم صاروا بالغين مكلّفين محاسَبين، وأكثري من مديحهم. أكملي تعليمكِ لو كنتِ لم تحصلي على شهادة عليا، أو اتّجهي لتعلّم مهنة تحبّينها. انتظمي في دورة حاسوب، فقد صار ضرورة. أنتِ الخريف؟ إذًا أمطري وانفخي الأوراق الجافّة واغسلي الأشجار لتبدو أجمل في الربيع. لو كنتِ تعيشين في بلدٍ يسمح لكِ بالمشي في الشارع، فاخرجي وامشي كلّ يوم. ولو كنتِ مضطرّة للبقاء في البيت فاصنعي حديقة داخليّة من النباتات الخضراء، وأعدّي كوب قهوتكِ وضعيه على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس، ثم اعرضي على اليوتيوب مشهدًا لموج البحر مع صوته، وامشي ربع ساعة داخل الغرفة، ثمّ اجلسي واشربي قهوتك. هذا عمرٌ رائع، لا تخسريه في الاستماع لمن يتكلّم عن ذبول الشباب. وتذكّري أنّ السيدة خديجة كانتْ في قمّة عطائها وحبّها وجمالها في هذا العمر.

60 image 240_F_26945411_DhoGK1ZKVmHSFqcVl0ENMnHqwOf9SytV
إذا كنتِ في الستّين أو السبعين أو الثمانين؛ اسمحي لي أن أقبّل يديكِ لأنّكِ قادرةٌ على التعامل مع التكنلوجيا وقراءة هذه الكلمات. هذا أنسب عمر لبدء (مشروع حياتكِ) الذي لم تتمكّني من إنجازه سابقًا. فالوقت لديكِ والمسؤوليّات قلّت، والمال متوفّر بإذن الله. طالما ما زلتِ تحتفظين بعقلكِ فهذا أهمّ كنز. وإن خاطبكِ من هو قريبٌ من عمركِ بكلمة: يا جدّتي بدلا من: يا أمّي، أو يا خالة.. فلا تغضبي أبدًا، بل ابتسمي للوقار الذي يبدو عليكِ ويمنحكِ الاحترام والتقدير ممّن حولك. فهذه الكلمة (الجدّة والأمّ والخالة) لا تُهدى لأيٍّ كانتْ. لا تنسي أن تلتزمي بأدويتكِ والغذاء الصحّي، والمشي. فالحركة بركة.

أمّا وأنتِ صديقتي ومن جيلي الثلاثيني، العمر الذهبيّ الذي لا يتكلّم عنه أحد سوى: بالروعة والمديح المبهَم، والانبهار، ولا يقتربون من تفاصيله أبدًا.. تعالي نتحدّث معًا عن (مطبّ) الثلاثين، عن (حفرة) الثلاثين، عن (صدمة) الثلاثين.
لا يعرفون أنّ المرأة في الثلاثين تعبر مرحلة فاصلة كلّ ما فيها يتغيّر ويطحنها طحنًا:
– الهرمونات تجنّ وتتصرّف بفوضى، لا تخضع لمنطقٍ ولا لنظام. كلّ ما يحدث قبل الثلاثين من أمور النساء جملة وتفصيلا يختلف تمامًا بعد الثلاثين.
– إذا لم تكوني متزوّجة؛ فسيجعلكِ المجتمع همّه وحديثه. وإن كنتِ متزوّجة لم تنجبي فسينصحونكِ بألف طبيب، وإن كنتِ أنجبتِ فعلا.. سيلحّون عليكِ بإنجاب المزيد قبل بلوغ الأربعين باعتبارها خطّ نهاية صلاحيّتكِ كأنثى!
– يرتفع احتمال إصابتكِ بالأمراض التالية (إن لم تكوني مصابة بها من قبل): السكّر، الشقيقة (الصداع النصفي)، الصداع الهرموني (صداع يستمرّ خمسة أيام إلى أسبوع قبل موعد الدورة الشهرية)، الديسك (انضغاط فقرات الظهر)، الاكتئاب (وهو مرض حقيقيّ ومن مظاهره العديدة العصبيّة)، أمراض ومشاكل المبايض، أمراض الغدد، الخمول والإرهاق المفاجئ، فقدان الذاكرة الجزئيّ (تشعرين بها كحالات من الغيبوبة وكأنّ أجزاء من ذاكرتكِ سقطت).
– تكتسبين الوزن بشكل مفاجئ ومخيف، وتفشل جميع أنظمة الحمية التي تحاولين الالتزام بها، بالإضافة إلى تغيير في عاداتكِ الغذائيّة لا تستطيعين السيطرة عليه.
– تشعرين أنّ كلّ ما بكِ/لكِ/حولكِ لا يلائمكِ وليس في مكانه الصحيح: بدءًا من وضع جسمكِ، وجهك، شعرك، وزنك، مرورًا بملابسكِ وأغراضكِ الشخصية، بيتكِ وأثاثه، انتهاءً بالناس الذين يحيطون بك!
– تميلين إلى الوِحدة والابتعاد عن الضوضاء، وتنتظرين الفرصة لتجلسي دون عملٍ أو هدف محدّد، وتعلّلين ذلك بأنّه (مجرّد قسط من الراحة يحقّ لك).
– تفكّرين في الاتفصال عن شريك الحياة إذا كنتِ متزوّجة في عمر العشرينيّات أو ما قبلها. وتتردّدين كثيرًا بشأن الارتباط إن لم تكوني متزوّجة.
– تنزَعين إلى الالتزام الدينيّ وتفتّشين عن مصدرٍ روحانيّ موثوق، أو العكس.
– تنظرين بحسرة إلى عمر العشرينات الذي غادرتِه، وشيءٍ من الغيظ من بنات جيله لأنّهنّ -بنظرك- مستهترات متهوّرات لا يعرفن قيمة عمرهنّ و(حرّيتهنّ).
– تميلين إلى التخلّي عن صديقات الطفولة وتشعرين أنّ (هنالك علاقات لها مدّة صلاحيّة وقد انتهتْ).
– تروادكِ فكرة التخلّي عن الحياة والهروب وبدء حياةٍ جديدة من الصفر، لوحدك.

ربّما شعرتِ بكلّ ذلك، بنصفه، أو بربعه.. أو لا شيء منه. إن كنتِ تشعرين به؛ فتابعي القراءة:
30th-sparklers
– أنتِ رغم تلك الهرمونات المجنونة التي سيستمرّ جنونها لسنواتٍ قادمة؛ تضبطين أعصابكِ وتصرّفاتكِ، وتبحثين عن الوسائل المساعدة في ذلك.
– أنتِ غير متزوّجة، متزوّجة ولستِ أمًّا، مطلّقة، متزوّجة وأمّ، وضعكِ الاجتماعي في أيّة خانةٍ كان؛ لا يعدو كونه جزءًا من شخصيّتكِ وهكذا تتصرّفين، وتتجاوبين مع تعليقات المجتمع المستفزّة بدعابة.
– أنتِ مصابةٌ فعلا بمرضٍ دائم؛ لكنّك لا تشكين من أعراضه طيلة الوقت لأنّكِ قادرةٌ -بشيءٍ من الهمّة- أن تتأقلمي معه وتكملي حياتكِ بشكلٍ طبيعيّ.
– تتقرّبين من الله بمختلف الوسائل والطرق، دون ضغطٍ أو سلطة من أحد.. وتكتشفين روعة ذلك.
– تشعرين بالسعادة والبهجة حين تخاطبكِ من هي أصغر منكِ كما تخاطب الشيوخ، وتعتبرينه دليل احترام. وتشعرين بالفخر حين تستشيرك من هي أكبر منكِ اعترافًا منها بخبرتكِ.
– رغم كلّ المسافات المكانيّة والزمانيّة الفاصلة؛ تسألين باستمرار عن أحوال الصديقات، وتطردين كلّ هواجس سوء الظنّ بتقصيرهنّ، وتطيرين فرحًا بإنجازاتهنّ حتى لو كانتْ منافسة لإنجازاتكِ أو متفوّقة عليها.
– تهربين بأفكاركِ إلى المستقبل؛ وتتخيّلين مكانكِ بعد عشرة أعوام. تخطّطين أيّة خبرات تريدين اكتسابها، وأيّة عادات تريدين تركها، وأيّة تجاعيد ستبتسمين لظهورها.
– تتقبّلين التغيّرات الجديدة في شكلكِ، وتكفّين عن (هوس المراهقات) في الاحتفاظ بالقوام الفاتن، والشعر الرائع. وتستبدلين بذلك كلّه: الصحّة والعافية والأناقة.
– تركضين طيلة النهار، وحين تجلسين لترتاحي وتجدين الأعمال المتراكمة، تبتسمين لها وتقولين: أعلم أنّكِ لن تهربي، وأنا سارتاح الآن.. ثمّ نتفاهم.

أنتِ فعلا في العمر الذهبيّ؛ العمر الذي يسمّيه الجميع (سنّ الكمال). لأنّكِ تقعين في الوسط، في المنطقة الفاصلة بين جيلين يعتمدان عليكِ؛ بين الابنة والأمّ، بين المعلّم والمتعلّم، بين المربّي والمتربّي. العالم ينظر إليكِ في كلّ موقعٍ فيراكِ قادرةً، ومسيطرةً، وعلى أهبة الاستعداد. وأنتِ لستِ وحدكِ، كلنا مثلكِ، جيلك.
أنتِ البطلة، إذا كنتِ: تملكين خطّة واضحة وهدفًا في الحياة مرتبطًا بالآخرة تعملين على تحقيقه؛ يوميًّا، ولو بخطوات بسيطة. فقط، لا تتوقّفي.