إنّي حقًّا أحبّكِ

 

إنّني حقًّا أحبّكِ يا (رياض)، وأشتاق كلّ ما فيكِ.. حتى الغبار الذي يتسرّب من كلّ الثقوب وكان عليّ أن أمسحه كلّ يوم، أشتاق الرائحة المنبعثة من الخِرقة القطنيّة المبتلّة عندما تمرّ عليه.. و.. هاتشو!
صوت الحَمام يأتي دافئًا، بل ساخنًا ملتهبًا، أشعر بالحرّ ودرجة الحرارة حولي سبعٌ سالبة. يذكّرني صوت الحمام بالصباحات الدراسيّة فقط، عليّ أن أسأل أمّي لأتأكّد: هل كنتُ حقًّا أنام للظهيرة في أيام الإجازات فيفوتني هديله ساعة الشروق؟
يأتي برائحة الحِبر على أوراقي الجامعيّة، برائحة عطري على قميصي الأبيض بعد نهارٍ طويل، برائحة مناديل (نيفيا) الورقيّة مبتلّة بالماء نجفّف بها وجوهنا بعد غسلها بماء قارورة باردة، برائحة مِقوَد سيّارة أبي معطّرًا من عِطره.

صوت الحمام يأتي مصحوبًا بالصوت المميّز للمروحة السقفيّة، أشياء لا تعرفها هذه البلد ذات الهدوء المقيت. صوتٌ لا أعرف كيف يُكتَب، إنّه ببساطة قابلٌ للتذكّر والإحساس وليس للكتابة.
صوتٌ خافتٌ رتيب يتماشى مع نغمة الحمام،
كأنّ الحمام يقول: تعالوا.. تعالوا.. تعالوا.. وتردّ المروحة السقفيّة: يلا.. يلا..يلا..

هنالك هدوءٌ محبّب.. وهدوءٌ مريض. هذه البلد مبتلاة بالنوع الثاني. هدوءٌ يذكّرني بأفلام الكرتون الصامتة: شخصيّات متحرّكة بدون موسيقى تصويريّة ولا كلام. هذه هي الحياة هنا.
وحين يتذكّر الحمام هنا أنّه حَمام، وأنّه يعبّر عن نفسه بالهديل، أصاب أنا بنوعٍ من الصدمة: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ لا يمكن! هنالك كائنٌ يقف على الشجرة ويتفاعل مع هذا الكون ويعبّر عن هذا التفاعل بارتياح وسعادة! صوتٌ آخر لا علاقة له بضجيج السيّارات ولا صخب الشباب الطائشين ولا نعيق الغربان.
صوتٌ حيٌّ لطيفٌ جدًّا، تمامًا كذلك العجوز الألمانيّ ذي العكّازتين الذي توقّف فجأة حين مرّ بي في الشارع، وبسرعة أسند العكّازة اليمنى على يده اليسرى ليرفع قبّعته عن رأسه تحيّة لي ويضعها على صدره ثمّ يعيدها إلى رأسه، سرق منّي ابتسامة واسعة و: (هالو) بصوتٍ عالٍ مرحٍ لم أحاول مداراته.
صوتٌ نديٌ لا تخنقه أنفاس السجائر المنتشرة في كلّ مكان، لا شيء يطفئها سوى المطر. لذلك أبقى أحبّ المطر مهما أغرقني في أوقات غير مناسبة، وحده يغسل الجوّ.. ويُبقي هديل الحمام.
إنّي لا أشعر بغربة لو عبس أحدهم في وجهي أو قال شيئًا ما عن حجابي، بالنسبة لي.. هذا طبيعيٌّ نوعًا ما، لكنّي أشعر بالغربة طيلة الوقت لأنّ أحدًا لم يفعل شيئًا.. أيّ شيء! لو كانوا مليئين بالأفكار، فلماذا لا تخرج على وجوههم؟
إنّي أجزم أنّ من ينظر لي يقرأ في وجهي عشرين فكرة على الأقل! هذا إن لم أنطق فكرتي بصوتٍ مسموعٍ أصلا.

الحَمام لا ينتظر من يدعوه ليعبّر عن رأيه في الحياة، ورأيه دائمًا واحدٌ سهلٌ واضحٌ خالٍ من التعقيد: هديل.


النفسيّات الحامضة، والبلاليع المسدودة!

بعض النساء يعتقدن أن الرجل يذهب كلّ يومٍ إلى عمله ويقضي وقتًا أطول بكثير من المقابل المادّيّ الذي يستحقّه، ويقابل وجوهًا عابسة، ويتعامل مع نفسيّاتٍ (حامضة)، ويحمل معه همّ المال والعيال ويعود به..يقوم بكلّ ذلك من باب الترويح عن النفس!

وبعض الرجال؛ يعتقد أنّ المرأة تستمتع بالحمل والإنجاب ونقّ أطفالها وقفزهم على الكنب ومشيهم على الحيطان، ويعاملها على أنّها هي التي اختارتْ الحصول على الأطفال. وكأنّها ذهبتْ لشرائهم من البقالة وهو كان متواجدًا بالصدفة، وقال لها وهي تطالعهم على الرفّ: إي ما اشبن شي.. اذا عاجبينك خديهم! وتكرّم بدفع قيمة الشراء فقط، ثمّ نفض يديه من الموضوع باعتباره قام بدوره.

وبعض النساء؛ تعتقد أنّ زوجها يذهب إلى عمله هروبًا من مسؤوليّاته في البيت. وفي الحقيقة هو يهرب فعلا.. كالمستجير من الرمضاء بالنار. هو هاربٌ من وجهها العبوس الذي يجعله يشتهي الراحة الأبديّة (الموت) كلّما رآه. وحين يتواجد في أيّام الإجازة؛ تعامله كمعاملة السيّاف لمرتدٍّ عن الإسلام!

وبعض الرجال؛ لسببٍ ما.. يبدو متأكّدًا جدًّا أنّ كل النساء يعشقن التفكير في الطبخ وممارسته، وجمع الغسيل وفرزه وغسله ونشره وطيّه وكيّه وإعادة ترتيبه في الخزانات. وهو يبصم بالعشرة أنّ موضوع تسليك البلاليع المسدودة في المنزل مهمّتها هي لا مهمّته، وأنّها تقوم بذلك مبتسمةً على سبيل التريّض!

المشكلة الوحيدة عند هؤلاء البعض من الجنسين، هو التعامل مع العلاقة الدائمة على أنّها شراكةٌ مقرفةٌ وقتيّةٌ ستنتهي يومًا ما. ويعيش كلّ من الطرفين على (أمل) اختفاء الطرف الآخر فجأةً ليحظى بحرّيته المزعومة.

لا أذكر متى سألتْني إحداهنّ عن كيفيّة معرفة الشريك المناسب. طبعًا سألتْني من باب الرأي الشخصيّ وليس الخبرة العظيمة. وقلتُ لها: شيئان، تخيّلي نفسكِ مع هذا الشخص بعد خمسين عامًا، فكّري أنّ هذا هو الوجه الذي سترينه كلّ صباحٍ وكلّ مساءٍ، وكلّ نزقٍ وكلّ نكدٍ وكل غضبٍ وكلّ مرضٍ، وكلّ لحظةِ صمتٍ لا يوجد ما يكسرها، هذا مشروع حياة.. قد يقصُر (لحُسن حظّك) وقد يطول (الله يعينك)، كوني جاهزةً لكلّ الاحتمالات . والأمر الثاني.. لا تتزوّجي من يقول إنّه يحبّك أو من تقولين إنّك تحبّينه، بل تزوّجي الشخص الذي يقدر أن يضحككِ مهما كنتِ غاضبة.
وهذه الإجابة تنفع للجنسين. طبعًا ما عدا أولئك الرجال الذين يذهبون لخطبة الأولى وهم يفكّرون في الثانية.. فهؤلاء لا يحتاجون نصيحة، بل (تنكة) بنزين وكبريتة وشخصًا (يولّع) فيهم.

حين أتكلّم مع بعض المتزوّجات؛ ألحظ أنّ هؤلاء يرفضن التمتّع بحياتهنّ ويرفضن التعلّم. يرفضن كلّ شيءٍ على أمل أن تحدث معجزةٌ ما؛ تغيّر الناس من حولهنّ، ولا تغيّرهنّ.
مفهوم التغيير عندنا مرتبطٌ بالصواب والخطأ فقط، وحين نقترب أكثر لندقّق على ماذا يعتمد قولنا إنّ هذا صواب وهذا خطأ؛ نجد المسألة عائمةً، ومزاجيّاتنا تتدخّل. وغالبًا؛ هو اختلاف المعايير التربويّة من بيئةٍ لأخرى. أشياء لا علاقة لها بالدين مطلقًا، وأحيانًا وبطريقة لَيّ الذراع تصبح مسائل دينيّة. وتكون المشكلة في أساسها مشكلة نقص عاطفة، أو نقص جرأة على اتخاذ القرار.

حسنًا؛ الآن صار بعض الرجال يدركون أنّ كثيرًا من النساء يمقتن الطبخ مع إجادته وبذل الجهد فيه، إنّ هذا يشبه تمامًا أن يدرس هو مجالا لا يحبّه أو يعمل في وظيفة يمقتها لأنّها الوسيلة الوحيدة لكسب رزقٍ محترم. هذا تقسيمٌ عادل. ولذا عليها أن تدرك أن قرفه من عمله وتشكّيه لا يعني كسله، طالما النتيجة النهائيّة حصلتْ.. تمامًا، كقرفها هي.
في النهاية.. أكل الجميع طعامًا شهيًّا بمال حلال.

مبدأ (تدفيش) الحياة صار قاعدة رئيسةً في أكثر العلاقات الزوجيّة التي أراها.
أمّا الأسوأ؛ فهو الإصرار على عدم الانفصال بتراضٍ؛ فإمّا انفصالٌ بصيغة الانتقام، أو بقاءٌ مع حربٍ مشتعلة بحججَ مختلفة؛ أبرزها وجود الأطفال الذين لا ناقة لهم ولا جملًا في صراع الديَكة هذا.

لم يعد أحدٌ راغبًا في التعلّم، ولا تطبيق ما يتعلّم.


ياسر

كيف أنتَ؟
هل اشتقتَ لشيء عندنا؟ لا يمكن أن أعرف. أنا آمل أنّكَ لم تشتق.. لأنّي أعتقد أنّكَ تحظى حاليًا بأفضل ما يمكن أن تحظى به.
لا أعرف لمَ لا أتذكّر شعرَك. دومًا تخطر في بالي بصلعةٍ ملساء في جنبها بروز واضح. ولكنّكَ تضحك.. بعكس الصور. غريب هذا؛ وطريفٌ حقًّا. في الصورة الحقيقيّة يبدو شعركَ غزيرًا داكنًا؛ وتبدو مقطّبًا شحيح الضحك. ولكنّكَ في ذاكرتي؛ ابتسامةٌ في هيئة إنسان، وصلعةٌ ملساء نظيفة.. تذكّرني بالمعتمرين.. يعودون أنقياء.
. Continue reading