حالة خاصة

صحوتُ من القيلولة التي امتدّت رغما عنّي إلى ساعة ونصف الساعة، منزعجة من حرّ سبتمبر الغريب، ورأسي مثقل بأصواتِ الشارع.
نزلتُ مباشرة إلى المطبخ، وحين بدأتُ تجهيز الغداء، كنتُ أسمع من النافذة المفتوحة صوت ابن جيراننا من البناية المقابلة، التي يفصلنا عنها ممشى وصفّ من الأشجار يجعل الرؤية متعذّرة، لكنه لا يمنع وصول الأصوات.
ولعلّ ارتفاع درجات الحرارة وتمدّد فترة الصيف هذا العام، جعلتْ الأطفال أكثر حظّاً باللعب في الخارج لفترات أطول، فصرنا نسمع أصواتهم أكثر.
لكنّ زوجي أيضا لم ينتبه لصوت هذا الطفل إلا هذا العام. قلتُ له: لديهم طفل بحالة خاصة.
– كيف عرفتِ؟
* من صوته. وهناك طفل وطفلة غيره، يلعبان ويتكلّمان بشكل طبيعي، أمّا هو فلديه إعاقة، على الأغلب ذهنيّة وليست كلامية فقط.
– هل رأيتهم؟
* لا..
(ساخرا بعض الشيء): – إي.. وكيف عرفتِ كلّ هذا؟
رددتُ بهدوء وغصّة: من الصوت.. طريقة الأصوات التي يتفاعل بها مع إخوته.
….
أن يكون في عائلتك شخص (مختلف/معاق) يعني أن تكون أنتَ مختلفاً أيضا. لا يمكن أن تكون عائلتك مثل بقية العائلات. إنّكَ تقضي وقتاً أطول في القراءة والبحث، وتسمع أسماء المستشفيات والأدوية أكثر ممّا تسمع أسماء الأكلات والمطاعم، وتبدأ في ملاحظة كلّ شيء وتسأل عن كلّ حالة مشابهة. Continue reading


ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ

أنهيتُها منذ شهر، وأجّلتُ نشرها لعلّ شيئا يزيد|ينقص.. لكنّ القصائد تكتب نفسها، وتستخدمنا فقط للتدوين.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
وأنا أخطو
بحذاءٍ صيفيٍّ واطئْ
وعلى غيرِ العادةِ أحملُ (شمسيّة)
إنّي..
في درب ذهابي،
لا أرغب أن أبتلّْ..
لكنّي حينَ العودةِ أغرقُ دومًا
في دمعي.

في دربِ ذهابي لا أبكي
أدري أنّي عائدةٌ،
وإذا لم أرجِعْ
يكفيني أن أقضيَ في مسقط رأسي.

أحيانًا أبكي ليَقيني
أنّ العودةَ أصعبُ ما في الرحلة.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
تأخذني لشتاءِ (رياضٍ)
في يومٍ (سحًّا غدَقا)؛
رائحةُ ترابٍ مبلولٍ تلفحهُ
رائحةُ (الفِتْنة)،
من عشرةِ أعوامٍ أوْ
خمسةَ عشْرة
لا أدري..
أشعر أنّي أسقط من ذاكرتي.

رائحةُ الطينِ الأحمر في (حلبٍ)،
رائحةُ الليلِ الأوّلِ من بعدِ غيابْ
رائحةُ الدربِ الْمُمتدِّ بقربِ الجامعْ
بيّاعُ السّوسْ
رائحةُ الصّابونِ المُنعشِ بالدُرّاقْ
رائحةُ (دْرِيرة)
تنبعثُ من الأغراضِ المصْفُوفةِ في (سحّابة نانا).

ضوضاءُ الشارع والمطرُ
تأخذُني للدربِ المظلمِ في رأس الحارة
شجرٌ من جَنْبيهِ
وأعمدةُ النورِ المكسورة
تُعطي للمشهدِ.. رائحةً!

للعتمةِ في بلدي؛
رائحةٌ
لا تُنسى.

في درب ذهابي؛ لا أرغب أن أبتلّْ.
لكنّي في دربِ العودةِ أغرقُ دمعًا..
أبكي وكأنّي لم أبكِ دُهورًا
أبكي أكثرَ من غيمةِ يومٍ هامبورغيٍّ معتادٍ
من كلّ خريفْ
أبكي أكثرَ من شلالٍ لم ينضبْ
منذُ عقودْ

أبكي؛ كلَّ الأشياءِ الـْ ما قلتُ ولم أفعلْ
كلَّ القبلاتِ الـْ لمْ أمنحها
أمّي..
كلَّ اللحظاتِ الـْ مرّتْ؛
لم أُلقِ بِرأسي
في حِضن أخي.

كلَّ ثوانٍ كانتْ تُخبِرُني أن أقفَ هناكْ
كي أتخلّصَ من حِمْل الذّكرى
كي أصحبَ قلبي الطفلَ الباقيَ يلعبُ في الطينْ
أبكي أنّي أتركهُ
في كلِّ الأحلام وحيدًا
يرجوني كي آخذهُ وأنسى
لكنّي أرفضْ!
محبوسًا أُبقيهِ هُناكْ
كي أعرفَ نفسي إذ أرجعْ..

كي لا أنساني.

ساق البنطال ابتلّتْ
وأنا من تحتِ (الشمسيّةِ) أرمقُ تلكَ الغيمة
ما أثقلها..

يا غيمة..
من لِبلادي يغسِلُها من حُزنِ سنينْ؟

أحملُ شمسي في قلبي،
تحميني من بردِ المطرِ
من دمعِ الغيمِ المسفوحِ بلا موعدْ
من قسوةِ يومٍ هامبورغيٍّ مُعتادٍ
في كلّ خريفْ

لا أحدٌ يُبكي الغيمةَ إذ تبكي
وأنا..
ما أكثرُ ما يُبكيني لكنّي..
أُخفي دمعي
حتّى عن دمعِ الغيم.

للدهشة
حين وصلتُ إلى بيتي؛
(كُلّي) مبتلٌّ جدًّا
إلا قدمايْ
بحذائي الصيفيّ الواطئِ
لم تبتلّا.