في بلاد العجائب المصغّرة

مواسم الإجازات في هامبورغ هي المواسم الأصعب والأكثر ملَلا خصوصا مع الطقس الماطر معظم أيّام السنة. خلال بحثي عن أماكن مغلقة في مدينتنا، وضعتُ قائمة بأسماء كلّ المتاحف والمعارض ومن ضمنها (بلاد العجائب المصغّرة)، وبالألمانية: Miniatur Wunderland. وهي عبارة عن معرض من طابقين لمشاهد من دول العالم، حجم مجسّمات الأشخاص فيها بحجم حبّة العدس تقريبا. المعرض بشكل أساسيّ معدّ للسيّاح من مدن أخرى، واللغة الإنجليزية فيه أساسيّة بجانب الألمانية. في هذا الرابط من صفحة المعرض، فيديو من خمس دقائق يعرض مشاهد منوّعة ويحكي باختصار عن فكرته، مع وجود ترجمة مكتوبة للإنجليزية. تذكرة الدخول سعرها معقول جدّاً (13 يورو للكبار، والأطفال دون 16 عاما 6.50 يورو، أما الأطفال الذين يقلّ طولهم عن المتر (مثل سمية) فيدخلون مجانا :happy: )

وهكذا قرّرت واتجهت مع الآنستين الصغيرتين بالمواصلات العامّة، ووصلنا إلى هناك في الحادية عشرة تقريبا. سألتني الموظفة بوقار: هل ترغبين في الجلوس والانتظار خمسين دقيقة لحين فتح الزيارات مرة أخرى، مع الحصول على تخفيض على المأكلولات في مطعم المعرض؟ أو أعطيك التذاكر وتعودين في الواحدة إلا ربع؟. اخترت التذاكر والخروج طبعا. أخبرتُ ابنتيّ أنّنا سنذهب إلى البحيرة القريبة، ومبنى البلديّة، فالمعرض في وسط المدينة تماماً. في الطريق مررنا من فوق هذا الفرع من فروع الإلبة ويبدو انخفاض منسوب الماء فيه واضحا. Continue reading



إنّي حقًّا أحبّكِ

 

إنّني حقًّا أحبّكِ يا (رياض)، وأشتاق كلّ ما فيكِ.. حتى الغبار الذي يتسرّب من كلّ الثقوب وكان عليّ أن أمسحه كلّ يوم، أشتاق الرائحة المنبعثة من الخِرقة القطنيّة المبتلّة عندما تمرّ عليه.. و.. هاتشو!
صوت الحَمام يأتي دافئًا، بل ساخنًا ملتهبًا، أشعر بالحرّ ودرجة الحرارة حولي سبعٌ سالبة. يذكّرني صوت الحمام بالصباحات الدراسيّة فقط، عليّ أن أسأل أمّي لأتأكّد: هل كنتُ حقًّا أنام للظهيرة في أيام الإجازات فيفوتني هديله ساعة الشروق؟
يأتي برائحة الحِبر على أوراقي الجامعيّة، برائحة عطري على قميصي الأبيض بعد نهارٍ طويل، برائحة مناديل (نيفيا) الورقيّة مبتلّة بالماء نجفّف بها وجوهنا بعد غسلها بماء قارورة باردة، برائحة مِقوَد سيّارة أبي معطّرًا من عِطره.

صوت الحمام يأتي مصحوبًا بالصوت المميّز للمروحة السقفيّة، أشياء لا تعرفها هذه البلد ذات الهدوء المقيت. صوتٌ لا أعرف كيف يُكتَب، إنّه ببساطة قابلٌ للتذكّر والإحساس وليس للكتابة.
صوتٌ خافتٌ رتيب يتماشى مع نغمة الحمام،
كأنّ الحمام يقول: تعالوا.. تعالوا.. تعالوا.. وتردّ المروحة السقفيّة: يلا.. يلا..يلا..

هنالك هدوءٌ محبّب.. وهدوءٌ مريض. هذه البلد مبتلاة بالنوع الثاني. هدوءٌ يذكّرني بأفلام الكرتون الصامتة: شخصيّات متحرّكة بدون موسيقى تصويريّة ولا كلام. هذه هي الحياة هنا.
وحين يتذكّر الحمام هنا أنّه حَمام، وأنّه يعبّر عن نفسه بالهديل، أصاب أنا بنوعٍ من الصدمة: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ لا يمكن! هنالك كائنٌ يقف على الشجرة ويتفاعل مع هذا الكون ويعبّر عن هذا التفاعل بارتياح وسعادة! صوتٌ آخر لا علاقة له بضجيج السيّارات ولا صخب الشباب الطائشين ولا نعيق الغربان.
صوتٌ حيٌّ لطيفٌ جدًّا، تمامًا كذلك العجوز الألمانيّ ذي العكّازتين الذي توقّف فجأة حين مرّ بي في الشارع، وبسرعة أسند العكّازة اليمنى على يده اليسرى ليرفع قبّعته عن رأسه تحيّة لي ويضعها على صدره ثمّ يعيدها إلى رأسه، سرق منّي ابتسامة واسعة و: (هالو) بصوتٍ عالٍ مرحٍ لم أحاول مداراته.
صوتٌ نديٌ لا تخنقه أنفاس السجائر المنتشرة في كلّ مكان، لا شيء يطفئها سوى المطر. لذلك أبقى أحبّ المطر مهما أغرقني في أوقات غير مناسبة، وحده يغسل الجوّ.. ويُبقي هديل الحمام.
إنّي لا أشعر بغربة لو عبس أحدهم في وجهي أو قال شيئًا ما عن حجابي، بالنسبة لي.. هذا طبيعيٌّ نوعًا ما، لكنّي أشعر بالغربة طيلة الوقت لأنّ أحدًا لم يفعل شيئًا.. أيّ شيء! لو كانوا مليئين بالأفكار، فلماذا لا تخرج على وجوههم؟
إنّي أجزم أنّ من ينظر لي يقرأ في وجهي عشرين فكرة على الأقل! هذا إن لم أنطق فكرتي بصوتٍ مسموعٍ أصلا.

الحَمام لا ينتظر من يدعوه ليعبّر عن رأيه في الحياة، ورأيه دائمًا واحدٌ سهلٌ واضحٌ خالٍ من التعقيد: هديل.