Tag Archives: هامبورغ

#006

يا شمسُ يا دافئة،
يا شمسَ هامبورغ الجميلة،
ليتني أعبّئكِ في قناني..
لأرتشفكِ على مهلٍ في الأيّامِ الغائمة.

إنّي حقًّا أحبّكِ

 

إنّني حقًّا أحبّكِ يا (رياض)، وأشتاق كلّ ما فيكِ.. حتى الغبار الذي يتسرّب من كلّ الثقوب وكان عليّ أن أمسحه كلّ يوم، أشتاق الرائحة المنبعثة من الخِرقة القطنيّة المبتلّة عندما تمرّ عليه.. و.. هاتشو!
صوت الحَمام يأتي دافئًا، بل ساخنًا ملتهبًا، أشعر بالحرّ ودرجة الحرارة حولي سبعٌ سالبة. يذكّرني صوت الحمام بالصباحات الدراسيّة فقط، عليّ أن أسأل أمّي لأتأكّد: هل كنتُ حقًّا أنام للظهيرة في أيام الإجازات فيفوتني هديله ساعة الشروق؟
يأتي برائحة الحِبر على أوراقي الجامعيّة، برائحة عطري على قميصي الأبيض بعد نهارٍ طويل، برائحة مناديل (نيفيا) الورقيّة مبتلّة بالماء نجفّف بها وجوهنا بعد غسلها بماء قارورة باردة، برائحة مِقوَد سيّارة أبي معطّرًا من عِطره.

صوت الحمام يأتي مصحوبًا بالصوت المميّز للمروحة السقفيّة، أشياء لا تعرفها هذه البلد ذات الهدوء المقيت. صوتٌ لا أعرف كيف يُكتَب، إنّه ببساطة قابلٌ للتذكّر والإحساس وليس للكتابة.
صوتٌ خافتٌ رتيب يتماشى مع نغمة الحمام،
كأنّ الحمام يقول: تعالوا.. تعالوا.. تعالوا.. وتردّ المروحة السقفيّة: يلا.. يلا..يلا..

هنالك هدوءٌ محبّب.. وهدوءٌ مريض. هذه البلد مبتلاة بالنوع الثاني. هدوءٌ يذكّرني بأفلام الكرتون الصامتة: شخصيّات متحرّكة بدون موسيقى تصويريّة ولا كلام. هذه هي الحياة هنا.
وحين يتذكّر الحمام هنا أنّه حَمام، وأنّه يعبّر عن نفسه بالهديل، أصاب أنا بنوعٍ من الصدمة: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ لا يمكن! هنالك كائنٌ يقف على الشجرة ويتفاعل مع هذا الكون ويعبّر عن هذا التفاعل بارتياح وسعادة! صوتٌ آخر لا علاقة له بضجيج السيّارات ولا صخب الشباب الطائشين ولا نعيق الغربان.
صوتٌ حيٌّ لطيفٌ جدًّا، تمامًا كذلك العجوز الألمانيّ ذي العكّازتين الذي توقّف فجأة حين مرّ بي في الشارع، وبسرعة أسند العكّازة اليمنى على يده اليسرى ليرفع قبّعته عن رأسه تحيّة لي ويضعها على صدره ثمّ يعيدها إلى رأسه، سرق منّي ابتسامة واسعة و: (هالو) بصوتٍ عالٍ مرحٍ لم أحاول مداراته.
صوتٌ نديٌ لا تخنقه أنفاس السجائر المنتشرة في كلّ مكان، لا شيء يطفئها سوى المطر. لذلك أبقى أحبّ المطر مهما أغرقني في أوقات غير مناسبة، وحده يغسل الجوّ.. ويُبقي هديل الحمام.
إنّي لا أشعر بغربة لو عبس أحدهم في وجهي أو قال شيئًا ما عن حجابي، بالنسبة لي.. هذا طبيعيٌّ نوعًا ما، لكنّي أشعر بالغربة طيلة الوقت لأنّ أحدًا لم يفعل شيئًا.. أيّ شيء! لو كانوا مليئين بالأفكار، فلماذا لا تخرج على وجوههم؟
إنّي أجزم أنّ من ينظر لي يقرأ في وجهي عشرين فكرة على الأقل! هذا إن لم أنطق فكرتي بصوتٍ مسموعٍ أصلا.

الحَمام لا ينتظر من يدعوه ليعبّر عن رأيه في الحياة، ورأيه دائمًا واحدٌ سهلٌ واضحٌ خالٍ من التعقيد: هديل.

ذلك الزمن في الحافلة

حين صعدتُ الحافلة صباح اليوم متّجهة لزيارة صديقتي في المشفى؛ كان في داخلي استياءٌ عجيبٌ من نفسي، واتّهامٌ لها بالحماقة.
إذ كان صباحي الباكر مزدحمًا بعدّة أعمال داخل المنزل، ثمّ إيصال ابنتي الأولى إلى مدرستها، فالذهاب إلى الطبيب لموعدٍ لي، ثمّ الذهاب للسوق مع ابنتي الثانية لابتياع زهرٍ آخذه بيدي لصديقتي المريضة، ثمّ إيصال ابنتي إلى روضتها، وبعد هذا ركوب الحافلة لنصف ساعة هي مسافة الطريق.
وعند موقف الحافلة؛ كان معي من الوقت قبل وصولها قرابة 13 دقيقة، فقرّرتُ ولأوّل مرّة في حياتي (المرّة الأولى حقًّا لا مزاحًا) أن أبتاع لنفسي كوب قهوة أشربه في الطريق. ودخلتُ إلى السوق حاملةً أصيص النبتة المزهرة التي ابتعتُها لأنّي وجدتُها أجمل من الزهور التي تذبل بعد حين، وبعد حيرةٍ لدقائق، ابتعتُ من أحد المحالّ قطعة كرواسان سكّريّة، ثمّ عرّجتُ على محلّ آخر وطلبتُ شايًا لأنّي في آخر لحظة قدّرتُ أنّي قد لا أحبّ القهوة من عنده إذ إنّي لا أشرب القهوة إلا بمزاجٍ، ولا تعجبني أيّة قهوة. ولأنّي لستُ مغرمةً بالشاي، فقد أضفتُ له القليل من السكّر والحليب! وأنا منذ أكثر من عشرة أعوامٍ لم أشرب شايًا بالحليب. Continue reading