فتاة الأرشيف

(إذا لم يكن لديك الوقت لقراءة التدوينة، يمكنك الاستماع إليها) :mmm:

تقف إلى مكتبها تستقبل الرسائل؛ في كلّ دقيقة رسالة! تعتقد إنّ مهمة صعبة كهذه لا تحتمل الجلوس.
كرسيّ مكتبها تعلوه طبقة غبار تمسحها أحيانا لأنّ المنظر يثير أعصابها، لكنّها لم تجلس أبدا من قبل.
الجميع يعرف فتاة الأرشيف التي تعمل في القسم الذي يحمل بابه لوحةً تقول: نستقبل الشكاوى والاقتراحات.
والجميع أيضا، يعرف خبير التقنية المعجب بفتاة الأرشيف. كلّ من يعمل في زحام عقلي يعرف أنّه يقضي عندها في القاعة الواسعة نصف دوامه اليوميّ.
يدخل صباحا بكوبي قهوة، يضع كوبها على الطاولة المليئة بالأوراق، ويحمل الأوراق الموجودة على الكرسيّ المقابل، يضعها في أيّ مكان فارغ أو فوق كومة أخرى من الأوراق، ويجلس، ويبدأ يثرثر، ثم ينهض فجأة وينطلق إلى عمله.
يعود بعد ساعتين حاملا علبة من الحلوى، ويجلس على الكرسي ذاته، ويبدأ في الأكل والكلام، وينهض فجأة ويغادر. ثمّ يعود في فرصة الغداء بطبق من الفطائر واللحم بعجين، ويستمرّ هذا المسلسل كلّ يوم إلى ما لا نهاية!
أنا بدأتُ أشعر بالسأم والمقت من هذا التكرار الممل، وأكاد أخاطر بنسف قسم التقنية بأكمله لأقضي على هذا المخلوق! لا أفهم كيف تتحمّله فتاة الأرشيف.

– من قال إنّي أتحمّله؟
كان هذا صوتها تخاطبني، وهي تتنهّد وترمق فضاء القاعة بنظرة مغضَبة من طرف عينها. في الحقيقة، لا يمكنني أن ألومه على الإعجاب بها ومحاولاته المستميتة للبقاء قربها أطول وقت ممكن: إنّها كلّ شيء لطيف ومهذّب في هذا العقل، تقف طيلة ساعات، وهي تصنّف الرسائل التي تنزلق كحبّات المطر من صندوق البريد المعلّق في الطرف الآخر من القاعة.
نعم، قد يبدو هذا غريباً، لكنّها المشكلة الأزليّة: حين يتواجد صندوق الشكاوى في مكان مكشوف، لا يقترب أحد منه، أمّا لو وُضِع في مكان يضمن أنّ أحداً لن يتعرّف صاحب الرسالة، فإنّ زوبعةً من الأوراق ستطير في وجه الإدارة، حتّى ليتعجّب المرء أن كيف كانت أمور العمل تسير وكأنّ لا شيء هناك.

إنّ فتاة الأرشيف لا تكتفي بالتصنيف الروتينيّ: شكوى، اقتراح..شكوى، اقتراح. بل تقوم بقراءة كلّ الرسائل، وتظليل الأقسام الهامّة بألوان مختلفة: أحمر للشكوى، أخضر للاقتراح، أزرق للمشاعر والتوسّلات!، وهذا اللون الأخير جاء نتيجة تفانيها في العمل، الذي انعكس على بقيّة العاملين، وصاروا يعتبرونها قدّيسة من نوع مختلف، ويصوغون في رسائلهم الابتهالات والأدعية، ومشاكلهم الشخصيّة. وكانتْ تحتفظ بتلك الرسائل في الأرشيف دون تمريرها، ما جعلهم يثقون بها أكثر، ويكتبون أكثر.

لكنّ فتاة الأرشيف تبقى فتاة، ليست آلة، ولا بدّ أن تتعب وأن تأخذ استراحة بين حين وآخر. كانتْ تخرج إلى صديقتها المفضّلة: فتاة الحسابات. صبيّة مرحة لأبعد حدّ، لديها أوقات فراغ كثيرة، تحبّ الأرقام لأنّها تحبّ الطعام! تسألها فتاة الأرشيف عن علاقة الأرقام بالطعام، فتردّ توّاً: الثمن والسعرات الحرارية! وتسرد معادلة طويلة معقّدة عن هذا الموضوع، وهي تلتهم شطيرة لحم مليئة بأشياء تسيل من الطرفين لا تريد فتاة الأرشيف أن تعرف كنهها، وتكتفي بالرائحة!
تقول لرفيقتها:
– لا أفهمه، ألا يشعر بالملل؟ بالضيق من نفسه؟ ألا يفهم أنّه سخيف؟ معلاااق؟!
تصحك فتاة الحسابات:
* يا عزيزتي، هو لا يرى شيئا غيرك، هو لا يرى نفسه حتى.
– لا لا لا، لا أظنّ. تخيّلي أنّه منذ أشهر يفعل هذا كلّ يوم: يحضر لي فنجان قهوة، يضعه على المكتب حيث أخشى أن يندلق على الرسائل، ولا ينتبه أنّي لا أشربه. ثم يأتي بالحلوى ويجلس ويأكل ولا يقول: تفضّلي! . وأسوأ من هذا كلّه، أن يجلس في فرصة الغداء ولا ينتبه أنّي لا أجلس ولا آكل ولا أتوقّف عن العمل! أحمق أم أعمى هو؟!
* كلاهما، اسمعي منّي.. الإعجاب يحوّل الرجال إلى عاهات اجتماعية متحرّكة. لكن.. أنا لا أفهم.. لماذا لا تخبرينه؟
– أخبره ماذا؟ أنّه معلاق؟ تخيّلي..
* لا.. ليس هذا، أخبريه أنّكِ لا تشربين القهوة حين يحضرها، وأخبريه أنّه من الذوق أن يدعوك لتناول الطعام حين يأكله أمامك، وأخبريه أنّكِ مشغولة ولا تستطيعين التركيز حين يفتح فمه بالكلام لساعة. إنها أشياء بسيطة.. ليس الأمر صعبا بهذا القدر!
تعقد فتاة الأرشيف ذراعيها على صدرها، وتعقد حاجبيها، وتفكّر:
– الغريب إنّه لا يبدو منزعجاً من عدم إصغائي، يتكلّم طيلة ساعات وأنا أكتفي بـ: ممم، إمم.. إهِم.. آها. ويبدو أنّ كلّ شيء على ما يرام!
* طبعا، كلّ شيء على ما يرام، طالما أنتِ لم تقولي شيئا عكس هذا، فكلّ شيء على ما يرام! جرّبي ما أخبرتكِ به.
– سأفعل..
* أففف.. لا أفهم من أين جاء هذا الحرّ فجأة!
– أنا لا أحسّ شيئاً.. الجوّ طبيعيّ جدّا.
تنظر فتاة الحسابات وهي تتعرّق ووجهها محمرّ إلى صديقتها بدهشة، وكأنّ الأخيرة تقف في كوكبٍ آخر، أو تحمل معها جبل جليد يبثّ فيها البرودة!
….
في اليوم التالي أقرّر أنّي سأتدخّل لأنهي هذه المهزلة القائمة في دهاليز عقلي إذا لم تُحسن فتاة الأرشيف التصرّف، أجلس بترقّب:
ترمق فضاء الغرفة وتقول لي:
لا تقلقي، سأتدبّر الأمر اليوم.
أقول: حسنا،
ويبدأ المشهد:
يدخل فتى التقنية ومعه القهوة، لأوّل مرّة ترفع عينيها عن الأوراق فتنتبه أنّها لم تعرف شكله من قبل: إنّه الفوضى مجسّدة! لا شيء فيه متماشٍ مع بقيّته.. بعضه لا علاقة له ببعضه! الدهشة التي أصابتْها أوقفتْها عن العمل لثوانٍ، وأربكتْه فلم يفتح فمه بالكلام كعادته، لكنّ صوت الرسائل المنزلقة تِباعاً أعادها، فانطلق لسانها قبل أن تنسى ما تجهّزتْ لقوله طيلة الليل:
– شكراً لك، لكنّي لا أشرب القهوة، ولا أيّ شيءٍ ساخن.
* أوه.. أوه.. فهمت.
وقف حائراً لثانيتين، ثمّ غادر بالكوبين. وابتسمتْ الفتاة بهدوء، صفّقتُ أنا لها.
بعد ساعتين، في موعد الحلوى المعتاد، دلف إلى القاعة، بطبقٍ مليءٍ بأشياء دبِقة، رفعتْ رأسها، وقبل أن ينطق كلمة، عاجلتْه بقولها: كنتُ أتمنّى طيلة أيّام أن تقول لي تفضّلي، وأنا لم أنظر مرّة إلى ما تأكله، لكنّي وقد رأيتُه الآن، أشكركَ كثيراً أن أعفيتَني من ورطة التذوّق.
مرة أخرى أصابه الارتباك، ثم غادر، واتّسعتْ ابتسامة فتاة الأرشيف.
في فرصة الغداء، وقف بباب القاعة متردّداً، وهو يحمل طبقه المليء، ولما رفعتْ رأسها إليه، فاجأها بقوله سريعا:
* لن أتكلّم، ولن أزعجك، فقط أريد أن أجلس وأتناول طعامي هنا، معلش؟
ولأوّل مرّة تشعر فتاة الأرشيف بالغضب:
– ما معنى هذا؟ ألا تفهم أنّكَ قليل ذوق وعديم إحساس؟! الجميع يعرف لماذا تحضر إلى هنا كلّ يوم، ولكنّك تصرّ على التصرّف بسخافة وكأن لا شيء هناك! لعلمك، أنا لستُ معجبة بكَ قدر أنملة ولا أعتقد أنّي قادرة على هضمك ولا مع علبتي كولا!

وهنا حدث شيءٌ غريب، لأوّل مرّة تشعر فتاة الأرشيف أنّ الحرّ يخنقها، بينما كان فتى التقنية يتعرّق بشدّة، ويبدو وكأنّه يُطهى في قدر بخار!
نظرتْ إليه وتساءلتْ بوجل حقيقيّ:
– ما الذي يحدث؟!
تمتم فتى التقنية:
* أووه.. أنا آسف.. أنا أحضر كلّ يوم لأنّ هذه القاعة هي أبرد مكان في هذا العقل! ألم تنتبهي أنّ محرّكات الأفكار فيه لا تهدأ والجميع يشكو من شدّة الحرارة؟
فجأة ومضتْ في ذهنها الكلمات التي كانتْ تظلّلها طيلة أشهر في الرسائل: حرّ، حرارة، وضع لا يطاق، ضغط، غليان، حمّى.. كيف لم تنتبه؟
تابع الفتى بابتسامة اعتباطيّة:
* الجميع يعرف أنّ قاعة الأرشيف، هي مصدر البرودة العذبة الوحيد هنا، وأنا بالذات أحتاج هذه البرودة أكثر، لأنّ تعرّضي للحرارة أكبر، ما يؤثّر على أدائي، لذلك آخذ استراحات طويلة هنا.. عندك.
– إحم.. إذاً لا علاقة للإعجاب بالأمر؟
* لا أبدا، أوه.. بأيّة حال.. أعني أنا لم أفكّر في الأمر من هذه الناحية مطلقا.
– جيّد. غادر الآن لو سمحت.
وششش.. تبخّر من أمامها بسرعة البرق. استدارتْ ومشتْ إلى الكرسيّ المغبّر، مسحتْه وجلستْ عليه لأوّل مرّة، وبدأتْ تزفر زفراتٍ طويلة، حتّى استعادتْ القاعة برودها، وعندها خطرتْ في بالها فكرة: فتحتْ أبواب القاعة على اتّساعها، وبدأتْ تنفخ في جميع الاتجهات.. وهكذا استعاد العقل أجواءه المريحة.

في الأيام التالية، صار جميع العاملين يمرّون بفتاة الأرشيف وهم يحملون أشياء لذيذة باردة: كوباً من العصير، مثلّجات بنكهات مختلفة، كعكة الأيسكريم، بودينغ الشوكولا. وصارتْ الفتاة تجد الوقت للاستراحة والأكل، عندما هدأتْ موجة الرسائل المتذمّرة.
….
لاحقاً، فاجأتني بإزالتْها تلك اللوحة من باب القاعة، واستبدالها بلوحة أخرى تقول:
اترك أثقال روحكَ هنا، تخفّف.

22.9.2019


إنّي حقًّا أحبّكِ

 

إنّني حقًّا أحبّكِ يا (رياض)، وأشتاق كلّ ما فيكِ.. حتى الغبار الذي يتسرّب من كلّ الثقوب وكان عليّ أن أمسحه كلّ يوم، أشتاق الرائحة المنبعثة من الخِرقة القطنيّة المبتلّة عندما تمرّ عليه.. و.. هاتشو!
صوت الحَمام يأتي دافئًا، بل ساخنًا ملتهبًا، أشعر بالحرّ ودرجة الحرارة حولي سبعٌ سالبة. يذكّرني صوت الحمام بالصباحات الدراسيّة فقط، عليّ أن أسأل أمّي لأتأكّد: هل كنتُ حقًّا أنام للظهيرة في أيام الإجازات فيفوتني هديله ساعة الشروق؟
يأتي برائحة الحِبر على أوراقي الجامعيّة، برائحة عطري على قميصي الأبيض بعد نهارٍ طويل، برائحة مناديل (نيفيا) الورقيّة مبتلّة بالماء نجفّف بها وجوهنا بعد غسلها بماء قارورة باردة، برائحة مِقوَد سيّارة أبي معطّرًا من عِطره.

صوت الحمام يأتي مصحوبًا بالصوت المميّز للمروحة السقفيّة، أشياء لا تعرفها هذه البلد ذات الهدوء المقيت. صوتٌ لا أعرف كيف يُكتَب، إنّه ببساطة قابلٌ للتذكّر والإحساس وليس للكتابة.
صوتٌ خافتٌ رتيب يتماشى مع نغمة الحمام،
كأنّ الحمام يقول: تعالوا.. تعالوا.. تعالوا.. وتردّ المروحة السقفيّة: يلا.. يلا..يلا..

هنالك هدوءٌ محبّب.. وهدوءٌ مريض. هذه البلد مبتلاة بالنوع الثاني. هدوءٌ يذكّرني بأفلام الكرتون الصامتة: شخصيّات متحرّكة بدون موسيقى تصويريّة ولا كلام. هذه هي الحياة هنا.
وحين يتذكّر الحمام هنا أنّه حَمام، وأنّه يعبّر عن نفسه بالهديل، أصاب أنا بنوعٍ من الصدمة: ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ لا يمكن! هنالك كائنٌ يقف على الشجرة ويتفاعل مع هذا الكون ويعبّر عن هذا التفاعل بارتياح وسعادة! صوتٌ آخر لا علاقة له بضجيج السيّارات ولا صخب الشباب الطائشين ولا نعيق الغربان.
صوتٌ حيٌّ لطيفٌ جدًّا، تمامًا كذلك العجوز الألمانيّ ذي العكّازتين الذي توقّف فجأة حين مرّ بي في الشارع، وبسرعة أسند العكّازة اليمنى على يده اليسرى ليرفع قبّعته عن رأسه تحيّة لي ويضعها على صدره ثمّ يعيدها إلى رأسه، سرق منّي ابتسامة واسعة و: (هالو) بصوتٍ عالٍ مرحٍ لم أحاول مداراته.
صوتٌ نديٌ لا تخنقه أنفاس السجائر المنتشرة في كلّ مكان، لا شيء يطفئها سوى المطر. لذلك أبقى أحبّ المطر مهما أغرقني في أوقات غير مناسبة، وحده يغسل الجوّ.. ويُبقي هديل الحمام.
إنّي لا أشعر بغربة لو عبس أحدهم في وجهي أو قال شيئًا ما عن حجابي، بالنسبة لي.. هذا طبيعيٌّ نوعًا ما، لكنّي أشعر بالغربة طيلة الوقت لأنّ أحدًا لم يفعل شيئًا.. أيّ شيء! لو كانوا مليئين بالأفكار، فلماذا لا تخرج على وجوههم؟
إنّي أجزم أنّ من ينظر لي يقرأ في وجهي عشرين فكرة على الأقل! هذا إن لم أنطق فكرتي بصوتٍ مسموعٍ أصلا.

الحَمام لا ينتظر من يدعوه ليعبّر عن رأيه في الحياة، ورأيه دائمًا واحدٌ سهلٌ واضحٌ خالٍ من التعقيد: هديل.


أريد ألملمَني

أريد أن ألملم نفسي وأضع شتات (أنا)يَ في صندوقٍ واحدٍ أغلقه بعض الوقت. صندوقٍ عاديّ جدًّا لا يقف في طريق أحد، ولا يتعثّر به أحد، ولا يستثقل وجودَه أحد، والأهمّ.. ألا يحتاجَه أحد.
أحتاج أن تبقى مفاصلَه ساكنةً لفترة. ألا يتهشّم مزلاجه من كثرة الفتح والغلق. ألا يعتبرَه أحدٌ كرسيًّا لِمَدّ الساقَين! أو طاولةً لصينيّة الشاي! ألا يغطّيه أحدٌ بمفرشٍ ملوّنٍ كثير النقوش. ألا يتعرّض للطلاء أو التشميع أو التزييت. وألا يكون له قفل مُحكَم، ولا مفتاح. إنّ الأقفال والمفاتيح لا تحبّني، ولا أحبّها. أثق بأنّ الآخرين يجيدون الاستئذان. أريد أن أضعـ(ني) في مجرّد صندوقٍ عاديٍّ مهمَل.

أريد أن أحزن بعض الوقت بلا بهرجة ولا مشاركة، ولا تعليقات ولا تعقيبات ولا مناقشات ولا مهاترات. لقد جُنّ العالم تمامًا. جُنّ العالم.. إنّه لا يسكت ولا لحظة واحدة، ويجبرنا على الكلام حين نختار الصمت.
ماذا حلّ بـ: السكوت من ذهب؟!

أريد لحظةً أتعب فيها.. وحدي. وأشتكي لي، وأتّكئ عليّ، دون هاجس.
أريد أن أهوي دون تفكير في الاصطدام، لا أن أحلّق.. لا. ولا أريد الهبوط بمظلّة، حينها عليّ أن أحسب المسافة اللازمة لفتحها.
أريد لتلك الثواني المعدودة القصيرة من لحظة القفز وحتى ملامسة الماء؛ أن تطول..كفِلم بطيء. ولا أريد أن أهوي في الماء، حينها عليّ أن أفكّر في الطفو سريعًا والتقاط أنفاسي.
ولا أريد أن أهوي على سطحٍ مطّاطي، لا أريد أن أرتدّ كالطابة المجنونة!

أريد تلك اللحظة التي وقعتْ فيها (أليس) في جحر الأرنب، وصارتْ تهوي في الفراغ، وترى أشياء لا علاقة لها بها.. ولا تشعر بشيء تجاهها.. تهوي ولا تحسب الزمن اللازم للوصول، ولا الكتلة، ولا مقدار الدفع، ولا السرعة المطلوبة.. كانتْ تشعر بالفراغ وحسب، وكانتْ هادئةً جدًّا.. جدًّا.. أكثر بكثيرٍ ممّا يحتمله الموقف. كانتْ هادئةً تمامًا.. كشيءٍ معبّأٍ في صندوق.
تقريبًا؛ كانتْ ميّتة. وهكذا.. كان يحقّ لها أن تصمت، وألا يطالبها أحدٌ بالكلام، وألا تربت كتفَ أحد، وألا ترفُوَ جرحَ أحد، وألا يتعلّق بأطرافها أحد.. وألا تفكّر في أحد.
وللحظاتٍ كانتْ زمن غفوها وحلُمَها وقصّتَها كلّها..
للحظاتٍ، لم يفكّر فيها أحد، ولم يكن عليها أن تسمع ضجيج الحياة.

هدوء.