ثور الساقية

يحتجّ الرجل في أوقات إجازاته بأنه لا يريد أن يخرج للنزهة، ولا أن يسافر، ولا أن يصلح الأعطال في البيت، ولا حتى أن يستأجر من يصلحها، ولا أن يأخذ زوجته لتسوّق ما يحتاجه الأطفال منذ ربع قرن، بأنّ: هذا وقت إجازتي، وأنا أعمل طيلة العام مثل ثور مربوط في الساقية، الآن أريد أن أجلس لأرتاح ولا أفعل شيئاً.
هو يعتقد أنه لا يفعل شيئاً، ولكنه في الحقيقة لا يفعل أيّ شيء إيجابيّ، بينما سلبيّته تملأ المكان وتطفح وتكبكب على الجيران.
يأخذ وضعيّة (الميّت) حين يُطلب منه شيء، ووضعيّة (باشا) حين يَطلب شيئاً.

بعض النساء لا تصدّق أنّ بإمكان الرجل أن يجلس في صندوق اللاشيء شهر زمان، لا يعمل شيئا سوى إثبات بقائه على قيد الحياة: يطالب بالأكل والطبخ والنفخ، يخاصم إذا سمع صوت الأبناء في البيت، ويوسّخ قدر المستطاع كلّ ما يتعامل معه من لباس وأشياء وأماكن، ويدير التلفاز على أعلى صوت وهو يحدّق في شاشة الهاتف. نشاطات رائعة ومبهجة تزيد المرأة حبوراً وسرورا وترحابا بوجوده وقعدته.

وكلّ هذا بالحجّة المذكورة أعلاه.
لا يرى أنّ واجبه الدينيّ والزوجي والأبويّ يتضمّن مجالسة زوجته والحديث معها وإطلاعها على وضعه في العمل وتفاصيل وضعهم المادّيّ، والترويح عنها بنزهة أو سفر أو تسوّق بحسب قدرته. والجلوس مع الأبناء ومحاورتهم عن دراستهم التي لا يعلم عنها شيئاً لانشغاله، توجهيهم واللعب معهم والاطلاع على هواياتهم، وماذا عن إظهاره السعادة لوجودهم في حياته؟! يتصرّف وكأنّهم أبناء عدوّ له جاءت بهم الزوجة من (بيت أبوها)! لا يفرح لفرحتهم ولا يضحك لتصرّفاتهم، ولا يفكر في إسعادهم بحلوى مفاجئة، لا يعرف كيف يتفاعل معهم وكأنّ أمّه أنجبته من بطنها بالغا راشداً (بشنب)! بل ويعتبر ذلك كله (واجب ومهمة) الأمّ، هو يراهم كعبء فقط.. ولذلك يرى نفسه (ثورا) مربوطا في الساقية.

أمّا الزوجة.. فويح قلبي، يراها كأمّه ويتصرّف معها كفتاها المدلّل، ويتعجّب لماذا لا تتصرّف زوجته كالماما: شايفته ومو مصدقة؟! يا فلذة كبدي وضنايا وننّي عينيّا!

وينسى أنّ هذه الزوجة هي التي تغسل ثيابه وتكويها رغم أنّه ليس معاقاً ولا عاجزاً ولا إمبراطوراً رومانيّاً، وكان هو الذي يغسل ويكوي عند أمّه (أيقونة واحدة بتلطم).

وينسى أنّها تركض وراء أبناء خلّفتهم منه وبالاشتراك معه، وليس وحدها بانشطار الخلايا، ولا برغبتها المحضة، وأنهم يحملون نصف جيناته وجينات أهله وأهل الذين خلّفوه حتى سابع جدّ، ولو فكّر قليلا.. فهي ليستْ جينات محترمة ولا مشجّعة طالما هو يعتبر نفسه (ثوراً)! وهذا يعني أنّ هذه الإنسانة تتعامل مع قطيع من الثيران بشكل يوميّ لمدة أربع وعشرين ساعة، لأنّنا نعرف جميعا أن الأمّ حتى وإن نامت.. لا تنام، فالأطفال يوقظونها غالباً ولو كانتْ شبه ميّتة من المرض أو التعب، ولا يذهبون للأب إلا لو يئسوا أن تردّ عليهم، حتى لو كان مستيقظا!

والمرأة في عقل هذا الرجل، تترافق صورتها مع الغسّالة والمكواة وحوض الجلي وممسحة البلاط، ولو كان متزوّجاً من رائدة فضاء تعمل مع (ناسا) وقالتْ له إنها ذاهبة في رحلة في المكوك ستطول ثلاثة أسابيع، سيكون ردّه: فهمنا.. الطبخ ممكن ناكل جاهز.. لكن من يغسل ثيابي في غيابك؟ خذي معك المكواة واتسلّي بالكوي على ظهر المكوك!
وغالباً فإنّ هذه التعِسة، ستحظى بزمالة رجال على ظهر المكّوك، من نفس جِنس زوجها، جِنس التنابل، يقرّرون بينهم أنّ تنظيف حمّام المكّوك مهمّتها باعتبارها المرأة الوحيدة، والنساء يستطعن فعل هذه (الأشياء) أفضل من الرجال (بفطرتهنّ) المحبّة للجمال والنظافة. ويبدو أنّ هذا النوع ما زالوا كرجل الكهف البدائيّ الأوّل، لا يعرفون الحضارة ولا النظافة ولا يفهمون كلمة جَمال!

والآن، من هو المربوط في الساقية هنا؟ أنتَ الذي تخرج لعملك وتعود لا تعلم ولا تريد أن تعلم شيئا عن المعارك التي خاضتها زوجتك طيلة النهار ليكون البيت بيتاً والطعام طعاماً حين تشرّف حضرتك؟
أم هي.. التي خاضتْ هذه المعارك في بيت أهلها أوّلا لأنّ البنت في عرف هذه البلاد لا بدّ أن تجيد كلّ شيء بالإضافة إلى الدراسة والشهادة والوظيفة لو تيسّرتْ، وخرجتْ من بيتهم وهي على أمل أن تجد من يشاركها ويقاسمها، لتجد نفسها عالقة في نفس الساقية، بل زادت عليها مسؤولية أبناء لا يمكنها أن تأخذ إجازة منهم أبداً؟، بينما أنت.. يسعك أن تسافر وحدك متى شئت. لكنّك تتحكّم في إجازتك وإجازتها وإجازتهم جميعا. مع ذلك هي لا تقول هذه العبارة أبداً، وتجد ألف هواية وشغلٍ وعلمٍ بين جدران البيت الذي تقبع فيه طيلة النهار والليل.

هي تفكّر طيلة الوقت في تربيتهم تربية صحيحة وسعيدة، تقرأ وتحضر دورات وتشاهد اليوتيوب وتبتكر وتتعلّم، وقد تنفق ساعات في إنجاز طبقٍ يأكلونه في دقائق، وأنتَ ترى هذا كلّه واجبها، وأمراً مفروغاً منه ألا علاقة لكَ بكلّ ذلك. هي تخطّط للإجازة من قبل أسبوعين أو شهرين، لتأتي أنتَ وتنسف كلّ شيء بجملة: مالي خلق، أنا بدّي أرتاح. أو تغيّره بما يناسبكَ وحدكَ أنت.
لم أسمع من قبل بِثَور أنانيّ، لكنّك حتماً قطْعٌ فريد من نوعه.

أنتَ اعتبرتَ نفسكَ ثوراً يدور لتعمل الساقية، فلا تنزعج حين يأتيك الطعام كالعلف، ولا تأخذ على خاطركَ حين يكون المراد منكَ هو المال فقط.
وحين تقرّر أن تتصرّف كإنسان، ستجد كلّ خير في انتظارك.

.7.12.2021