في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.


نشيد اليوم: إمّا النصر، وإمّا أن نكون الجسر في درب القوافل!

قبل أسبوعين، كنتُ أنقب في ذاكرتي عن محفوظاتي القديمة من الأناشيد. فساعة تذهب صفية إلى النوم؛ أتحوّل لجهاز تسجيل، وأتنقل ما بين دعاء وآيات وأناشيد وحكايا ملحّنة.. حتى تغفو. وفي لحظة ما؛ قفزتْ من بين أكوام الغبار (في حارتنا جارة، وضعتْ طفلا يحمل في كفيه.. يحمل في كفيه ..كوم حجارة).. 1
وتداعت معها ذكريات، لقِدمَها.. شعرتُ أنّي أبلغ ستين عامًا، فقد بدا لي ذلك الزمن أبعد ما يكون. تذكّرتُ فورًا اسم الشريط وتذكّرتُ أين سمعته وكيف حصلتُ عليه. وبقيتُ وقتًا لا بأس به أشعر أنّ تلك الذكريات مشكوك في صحّتها لفرط قِدَمها! وببضع كبسات في هاتفي المحمول وجدتُ الشريط كاملًا وأدركتُ أنه لم يكن هذيانًا ولا حلمًا، وأنّه ولو كان زمن (الكاسيت) قد ولّى.. فأنا قد امتلكتُ ذاك الشريط يومًا وما زال في بيت أهلي. وحمّلتُ الأناشيد التي كنتُ أحبّها من الشريط، ونسيتُ أمرها.
اليوم.. بعد أن قرأنا الأدعية والآيات أنا وصفية، سكتّ دقيقة.. ثمّ انسابتْ الكلمات على لساني تنشدها روحي. ما زلتُ أحفظها تمامًا بكلّ تعرّجات لحنها. اشتقتُ لصوتي وأنا أنشدها.. وتذكّرتُ أنّي لم أنشدها ربّما منذ ذلك اليوم في المخيّم في سويسرا منذ 12 عامًا. وقتها دهشتُ أنّ الأخوات المغربيّات (ذوات الرصيد الإنشادي الغنيّ) لا يعرفنها.. ثمّ أدركتُ أن رصيدهنّ من قديم النشيد (أبو الجود، أبو راتب قديمه وجديده، وأناشيد مغاربيّة). ما زلتُ أتذكر وجه فاطمة وأسماء ومارية وهنّ يتابعن صوتي..
وانسابتْ دموعي وأنا أكمل النشيد لصفية، كنتُ أحسب ذاكرتي ماتتْ.

اليوم.. هي لسورية، وهي لفلسطين، وللقلب والزيتون الساكن فيهما.

ألبوم: المجاهدون. أنشودة: ترتسم الملامح ليوم النصر. الكلمات: لا أعرف لمن. الشريط متوفر في موقع 4Shared.
* النشيد يحوي إيقاعات بالدفّ.

[audio:http://www.littletinythings.net/wp-content/uploads/2012/12/tartasem.mp3]

الكلمات:
ترتسم الملامح ليوم النصر
ألمحهم من بعيد.. قادمون
يا بلادي يا بلادي، يا بلادي
من أجلك يا بلادي، صرتُ مقاتل
أغنية من الثوّار للوطن الحبيب نهديها
أغنية من الأحرار للوطن الحبيب نهديها
..
وتمرّ قافلتي مع الثوّار، من بين السنابل
وتمرّ قافلتي مع الأحرار، من بين السنابل
ونصبر في انتظار النصر..
والنصر دومًا؛ للمقاتل
لنكون يا شعبي فداء
إمّا النصر، وإمّا أن نكون الجسر في درب القوافل!
..
يا بلادي يا بلادي، يا بلادي
يا بلادي، هان عندي المستحيل
وهان نومي بين أحضان الصخور
قد أتينا يا بلادي، قد أتينا يا بلادي
وتمرّ قافلتي بأبواب الخيام
وتجيش في صدري خواطر
قد عزمنا يا بلادي أن نقاتل
ورفضناها حياة الذلّ والتشريد
ورضينا السير مع هذي القوافل
..
لنكون يا شعبي فداء
إمّا النصر، وإمّا أن نكون الجسر في درب القوافل!

Notes:

  1. مقطع من أنشودة:سأغني للثورة أغنيتين، في نفس الألبوم.

تخفّف من ترفك.

كتب شاب حمصيّ نازح على تويتر: أتمنّى أن أحصل على معجون أسنان وفرشاة! لم أغسل أسناني بالفرشاة والمعجون منذ أسابيع.
لم أستطع تخيّل شعوره وفي حمّام منزلي ثلاث أنابيب من معجون الأسنان.

“اخشوشنوا فإنّ النعم لا تدوم”. ما أكثر ما قلناها، لكن يبدو أن قلة منّا كان يعونها ويطبّقونها فعلا بين حين وآخر.
كيف نطلب ممّن في غرفته خزانة ملابس بعرض الحائط لا يدري ما فيها أن يحسّ بمن لا يملك إلا ملابسه التي عليه؟ لكي يشعر بذلك عليه إمّا أن (يتخفّف) من بعض ترفه/ملابسه؛ أو يمرّ بهؤلاء القوم الذين لا يملكون أبسط ما يملك.
إنّه المعنى ذاته لزيارة القبور بين حين وآخر وتذكّر هادم اللذات. لا يمكنك أن تحسّ بلوعة أو حزن أو خوف أو رهبة أو أيّ شيء يتعلّق بالموت حين تذكره وأنتَ جالس أمام حاسوبك وجهاز التكييف وكوب عصير مثلّج!
تخفّف من بعض ترفك لتحسّ شيئًا.. أيّ شيء. Continue reading