انفصام شخصية

منذ أربعة أشهر تقريبا، لم أفتح حاسوبي. كنتُ أمرّ بظرفٍ يمنعني من القراءة والكتابة والتركيز في أيّة شاشة أو سطرٍ أو خطّ. ليس من عادتي كتابة نصوصٍ طويلة بالقلم مطلقا، لم أفعل ذلك من أيّام محاضرات الجامعة، وهذا دهرٌ بعيد جدّاً.

وقد يكون سبب الأرق الذي أعانيه، هو انصرافي عن الكتابة. إنّ هذا الرأس الذي أحمله، يمتلئ بالأفكار كلّ يوم، ولا يدري أين يذهب بها. فتنشب حروبٌ بينها طيلة الوقت، لأنّ الموت هو الطريقة المثلى لإفساح المجال لحياة جديدة. هكذا يقضي عقلي وقته بين المناوشات والمطاحنات وتنظيف الفوضى الناتجة، وعملية الدفن الجماعية، ليفاجأ في اليوم التالي بعدد مواليد أكبر من الذين ماتوا، يكبرون بسرعة غير معقولة، ويقتتلون.. وهكذا دواليك.

لكنّي الآن وقد استعدتُ قدرتي على مطالعة الحروف، أجد (نفسي) تقف قبالتي وقد لوَتْ بوزها وعقدتْ ذراعيها على صدرها تسألني باستنكار:
– أتعودين للكتابة لهؤلاء الحمقى، المعاتيه الذين لا يفهمون ما تكتبين؟ أصحاب الأنوف الكبيرة التي لا يعرفون أين يذهبون بها فيدسّونها في كلّ تفصيلة تخطّينها؟
أردّ بصوتٍ هادئ:
* لكنّي أكتب لي، وليس لهم..
– إذاً لا تنشريه
* إنّ الغسيل المبتلّ إذا لم يُنشر ليجفّ، تعفّن.
تنظر بامتعاض:
– أفكاركِ غسيل مبتلّ؟! هذا سببٌ أدعى أن تحتفظي بها لنفسك.
* سأفعل، لكنّي سأحتفظ بها في المكان الذي يصله عشّاق رائحة الغسيل النظيف، إنّ النشر في مكان مغلق تماماً يبعث رطوبة سيّئة في المكان، فلو نجا الغسيل من العفونة، فلن ينجو صدري منها.
– تعنين رأسكِ
* هو ذاك، كلاهما واحد. لاحظي أنّي أتبادل معكِ الحديث وأنتِ أنا.. إذاً؛ تفاصيل صغيرة مثل الرأس والصدر لا تهمّ..
ثمّ إنّهم ليسوا حمقى، وإن كانت أنوفهم كبيرة، فذاك هو القول: (قومٌ هم الأنف.. والأذنابُ غيرهمُ::ومن يسوّي بأنف الناقة الذنبا؟)، إنّما هم يعتقدون أنّ تصرّفهم نابعٌ من الاهتمام. تعرفين ذلك التداخل الذي يحدث بين إعجابنا بدور الممثل وبه شخصيّاً، فإذا ما فتحنا الشبكة لنتعرّف إلى الممثل أكثر، وقف شعر رأسنا من هول ما نقرأ.
البعض يخلطون بين عاطفتهم تجاه الكاتب، وإعجابهم بكتابته. ذلك لأنّهم يعرفون الشخص قبل الكتابة، بالتالي، يبنون كلّ ما يقرؤونه من كتابات هذا الشخص على خبراتهم المسبقة به. وهذا وإن كان جَوراً، لكنه الواقع.
ردّتْ باستخفاف ساخر:
– والآن ستحاولين إقناعي بأنّكِ متسامحة مع تصرّفهم هذا؟!
* أنا؟ أحاول إقناع؟ إنّك تتكلمين عن نوعٍ من الرياضة لم أمارسه منذ دهر، لدرجة التصلّب العضليّ. إنّ أسلوبي الإقناعيّ الرهيب صار يتلخّص في عبارة: اقتنع لوحدك، أو.. لإنفي.
– ما حكاية الأنوف في هذا النصّ اليوم؟
* أنتِ بدأتِ بها.
– لكنّك بحسب ما أعرف عنكِ، ديكتاتور برتبة جنرال، فمن أين لكِ هذه الديموقراطية؟
* نعم، أنا ديكتاتور في واحد من عشرة من القرارات التي يجب أن تُتّخذ في حياتي، أعتقد أنّ هذا من حقّي، وإنّه لكرم أخلاقٍ واسعٍ منّي أن أسمح لمن حولي التعبيرَ عن رأيهم في التسعة الباقية. لاحظي أنّي قلتُ أسمح لهم بالتعبير، أمّا التطبيق فهو مرحلة بعيدةٌ تصنّف ضمن الخيال العلميّ.

وضعتْ نفسي يدها على وجهها وهزّت رأسها بمعنى (زغرطي يا انشراح، واضح جدّا إن اللي جاي أحلى بكتير من اللي راح).
ثمّ إنّها جلبتْ صحناً مليئاً بأشياء تناسب مزاجها وتسبّب لي غثيانا، وجلستْ بقربي تقضم وتمضغ وتبلع. كانتْ تجلس قريبة جدّاً، وتأكل بطريقة شخصٍ أعرفه، وأمقتُ أن أجلس قربه وقت الطعام، أو أتواجد معه في مكان هادئ حين يأكل: إنّه يُهَمهِم وتقريباً يزوم كأسد مع كلّ لقمة، ورغم أنّه يمضغ بفمٍ مغلق، لكنّي أشعر أنّي أسمع اللقمة تصيح وتولول وهي تنسحق بين أضراسه، ثمّ إذ يبتلعها أسمع صوت احتضارها وهي تنزلق في بلعومه!
هكذا نظرتُ إليها نظرة جانبيّة قاتلة، وقد عرفتُ أنّها تتصنّع ذلك لتثير حفيظتي، دعونا لا ننسى أنّها أنا، بالتالي هي تعرف تماماً ما يقتلني.

ابتعدتْ وعادتْ تأكل بطريقة (بشريّة)، وهي تبتسم بطريقتي ذاتها حين أريد أن (أفلج) من أمامي في أرضه، وإنّها لعادة سيّئة من الجميل والممتع أنّ ابنتي المراهقة تلقّنتْها منّي وراثيّاً وصارتْ تتدرّب عليها بشكلٍ يوميّ، بتطبيقها عليّ طبعاً.
ثمّ سألتْني:
– وماذا الآن؟ عن أيّ شيءٍ ستكتبين؟
* ليستْ هذه بمشكلة، إنّ هذا العقل يبدو حالياً كصندوق الأحذية الذي تستخدمه الأمّهات الشرّيرات، يملأنه بأوراق مطويّة في كلّ واحدة منها واجبٌ منزليّ ما، ثمّ يستدعين الأطفال المساكين ليسحبوا ورقة وينال كلّ واحدٌ نصيبه من العمل بعشوائيّة مرعبة. عقلي مليءٌ حالياً بـ: أفكار وليدة، أفكار ناضجة، أفكار عجوز، جثث أفكار، ولن يكون من العسير أن أختار منها. في الواقع، إنّي لا أجد موطئ قدم فيه دون أن أتعثّر بواحدة.
– جميل، أين المشكلة إذاً؟ لماذا لم تبدئي؟
* لأنّي مصابة بوسواس الترتيب كما تعرفين، أنا أعاني فعلا من ذلك المرض الذي يجعلني أرتّب كلّ شيء، ويستفزّني وجود كركبة في أيّ نطاق يخصّني. وهذا يعني أنّي سأبدأ من الباب مع لوح كتابة، أصنّف وأدوّن فيه كلّ هذه الكائنات، ثمّ أبدأ بعملية الدفن أوّلا، لأنّ الجثث المتفسّخة ليستْ شيئاً محبّباً للنفس. بعد هذا أقرّر مع من أجلس وحكاية من أكتب.
قالتْ وهي تتلمّظ باستمتاعٍ غريبٍ نظراً لِكُنْه الأشياء التي تأكلها:
– تحمّست! كيف أساعدكِ؟
هنا، استرخيتُ في جلستي، ومددتُ ساقيّ بعد أن كانتا مطويّتان تحتي، وابتسمتُ ابتسامة (الفالج) إيّاها وأنا أقول:
* لا تقلقي، سأبداُ بكِ..
انحشرتْ اللقمة في حلقها، واتّسعتْ عيناها.. فأكملتُ بنفس الابتسامة الباردة وبصوتٍ خشن:
* أدِحِّك؟1
أشارتْ في هلع بيدها أنْ (لا)، ربّما خشِيَتْ أن تخرج رئتها مع اللقمة. انتظرتُ بصبرٍ حتّى انتهتْ دقائق الحشرجة والغصّة والماء والشهيق علّها تموت دون أن تكون لي يدٌ في مقتلها، وأخيراً..
– ما معنى تبدئين بي؟!
* يعني، أرتّبكِ أوّلا، ثم أنتقل لأفكاري. لا أحبّ أن أترك ظهري مكشوفاً في ساحة المعركة.
– ساحة معركة؟
* ألم تصفيني بالجنرال منذ ربع ساعة؟!
ساد صمتٌ، لا علاقة له بالهدوء. إنّه ذلك الصمت الغامض الذي يسود أرض الشارع في الحارة ليلا، يتوجّس الناس منه فتُفتَح النافذة ويطلّون برؤوسهم، ليكون المشهد: قطّان عملاقان يقفان متواجهين، متقوّسي الظهر، منفوشي الشعر، يزومان بطريقة خفيضة جدّا لا تكاد تُسمع، وسط جمهورٍ قططيّ متوتّر يحبس مواءه بانتظار لحظة الانقضاض.
هنا، قطّتان عملاقتان، بحجم الوشَق2، كلّ واحدة تريد فرض سيطرتها على المنطقة، الفوضى أم الترتيب؟ الاتزان أمّ العشوائيّة؟ التجهيز أم السبهللة؟3
وقد لا تغلب أيّ منهما، ويغلب النوم.

– أنتِ تدركين أنّ أيّ طبيب نفسيّ مبتدئ سيجد أقصى درجات متعته في قراءة هذا الحوار. سيعتبره حالة تستحقّ الدراسة.
* لا بأس، على الأقل سيخرج شخص ما بفائدة هنا. وإلى أن يحدث ذلك، أي إلى أن يقع هذا الكلام في يد من بإمكانه أن يطبّق عليّ حجراً نفسيّاً، أنصحكِ ألا تتواجدي في محيط رؤيتي.
– هل تعنين ذلك حقّاً؟! أنا جزءٌ منكِ!
* ومن قال أنّكِ الجزء الذي يلزم؟ الذي يستحقّ البقاء؟
هنا، كانتْ تنظر في رعب إلى وجودها المادّي وهو يتلاشى بطيئاً، هوى الطبق الذي فرغ أخيراً وتكسّر، الآن أفهم سبب وقوع الأشياء التي ألمسها طيلة الأسبوع الفائت، ببساطة.. لم أكن أنا من أفعل ذلك! كانتْ هي تمسكها حين تتجسّد، وإذ تتلاشى فجأة.. تهوي الأشياء وتتناثر.
حقّاً؟ إنّ وجود آخَر يفعل الأشياء الغبيّة نيابة عنّا، ليسهّل الكثير من الأمور، آخَر أرعن أحمق متمرّد، يظهر حين نضعف، ويختفي حين نشتدّ ونعود لصوابنا. يتحمّل كلّ ذنوبنا، ثمّ نخفيه بفكرة. ما هذا التخريف؟

لكنّ الطبق المكسور ما اختفى، الطبق المكسور حقيقة ساطعة تقول إنّ هذا الجنون لا ينفع، إنّها طريقة ظريفة للهروب من الواقع، وتعقيد الأمور، ولكنّها تسجن صاحبها في غرفة ضيّقة داخل عقله، نعم.. مع الوقت، سيتخلّى عن شجاعته في مواجهة كلّ هذا التمرّد، وسيقضي الوقت في تجنّبه، والابتعاد، والتضاؤل، وتنعكس الأمور.

إنّ معظم مشاجرات قطط الحارة، خاصّة تلك التي تدور في طقس شديد الحرارة، تنحلّ بطريقة (لا أنا ولا أنت)، وهذا يعني ببساطة، أنّ كلّا من القطّين يستعرض عضلاته أمام الجمهور، ويدور، ثم ينصرف ليقفز وينفرد على سيارة لا تبعد أكثر من مترين عن السيارة التي انفرد عليها القطّ الخصم!
هذا حلّ جميل، يناسب الجميع، حتى تظهر علبة تونة واحدة وحيدة، يقتتل عليها الكلّ. وهذا اقتتال طبيعيّ، فلو أنّي وجدتُ القطّ يدفع العلبة ليقول للقطّ الثاني: تفضّل، حلَفنا.. لضربتُ كليهما بعصى المكنسة وأكلتُ التونة! لأنّ هذا التصرّف غير طبيعيّ البتّة.

الطبيعيّ هو أن نختصم ونقتتل مع أنفسنا كلّ يوم، ثمّ نعيد ترتيب الخسائر، ونترك الأمور لتهدأ فترة، حتى يستجدّ الوقت لاستعراض القوّة، وهكذا تستمرّ دورة الحياة، أو دورة الانفصام!

4.1.2021
….
1. الدحّ هو عمليّة تتراوح بين التربيت والضرب الخفيف بين لوحي الكتف براحة الكفّ، لتسهيل خروج اللقمة العالقة في حلق أحدهم. وهي من الفصحى، ورد في لسان العرب: الدَّحُّ: الدفع وإِلصاق الشيء بالأَرض. وفي قول ابن الرومي: (ما أنسَ لا أنسَ خبازاً مررتُ به::يدحو الرقاقةَ وشكَ اللمح بالبصرِ) بمعنى يفرد العجين حتى يرقّ ويلتصق بالسطح الذي يُفرَد عليه.
2. الوشَق: حيوان رائع الجمال، برّيّ مفترس، خليط في مظهره بين القطّ والذئب، ويقارب حجمه النمر.
3. السبهللة، عامية من الفصحى: جاء سَبَهْلَلاً أَي بلا شيء، وقيل بلا سلاح ولا عصا.


مسير ومخير

لماذا يبدو الأمر معقدا هكذا؟
شيء رُبّيتَ عليه واقتنعتَ به، أنا لا أتحدّث عما لم تكن مقتنعا به أصلا، أو لُقّنتَه ولم يُسمَح لك بمناقشته، بل سألتَ واقتنعت. فما الذي غيّر هذه القناعة؟

أرى الكثيرين يكتبون اليوم عن الفتنة وأنّ القلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، استنادا إلى الحديث الوارد في صحيح ابن حبّان (( ما مِن قلبٍ إلَّا بَيْنَ إصبَعَيْنِ مِن أصابعِ الرَّحمنِ إنْ شاء أقامه وإنْ شاء أزاغه ) قال : وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ : ( يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلوبَنا على دِينِكَ )). ولستُ هنا في معرض الحديث عن صحّة الحديث وعدم وروده إلا في هذا المسند، فليس هذا موطنه، ومن أراد أن يرجع لتفاصيله فليرجع. المشكلة التي يطرحها تكرار هذا الحديث، رغم أنّ مضمونه متوافق مع المفهوم الأساسيّ للدين.
متوافق مع فكرة أنّ الهداية أصلا من الله، ولكنّها بعلمه المسبق للغيب، الذي لا نعرفه نحن. ولكنّه غير متوافق مع فكرة التخيير التي نعرفها جميعا: أنّ الإنسان مسيّر ومخيّر. فمسيّر بعلم الله المسبق المجهول لنا، ومخيّر بواقع تصرّفاته واختياراته اليوميّة بكامل وعيه.
حين يصرّ الناس على تكرار فكرة أنّ القلب متقلّب، وأنّ المرء لا يدري من أين يفتن، فإنّهم يلغون مسؤوليّتهم الشخصية تماماً، ويؤكّدون فكرة أنّ الإنسان مسلوب الإرادة، وهذا يعني أنّ المطبّق لتعاليم الدين مثل المفرّط فيها، متساويان.. كلاهما بلا إرادة! وهذه ليست مجرّد مشكلة، بل مصيبة في العقيدة، فكيف بعد هذا سيلتزم أيّ شخص بأيّ تطبيق للدين؟! أو سيشعر أيّ تارك ومنصرف بأنّه مسؤول عن خياره؟!

الإنسان هو المخلوق الوحيد من المخلوقات التي نراها له إرادة واعية، أمّا القضاء والقدر، فهو علم الله المسبق بما سيكون.
لذلك، حين يكرّر الإنسان كلامه عن الفتنة، دون أن يعزل نفسه عن مسبّباتها، أو يشير إلى تفاصيلها، أو يتكلّم في حلول، أو يوجِدَ من يشاركه نفس الأفكار ويلتزم بهم، حين لا يفعل ذلك.. فهو ببساطة يستدعي الشياطين ليمرح معهم!

وهذا ينقلني إلى حديث نتناقله أيضا، وهو حديث (لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، و لا يزيدُ في العمرِ إلا البرُّ)، والذي ورد عند السيوطي والترمذي. وهنا أيضا توجد مشكلة، فالناس يفهمون منه استخدام الدعاء لتغيير قدر أو قضاء وقع وانتهى، وهذا محال. فأوّلا هو ردّ القضاء وليس تغييره، والحكمة من الحديث أن يبذل الإنسان أسبابه في الدعاء، ويبقى على اتّصال بخالقه. والتغيير حادث لا محالة لو تمعّن، فتغيّر النفس وعاداتها وقربها من خالقها قد يكون هو نتيجة الدعاء بأشياء أخرى.

إذا لم تكن قد نشأتَ في بيئة تسمح لك بالنقاش، فقد كبرتَ وصار بإمكانك أن تبحث وتسأل وتحاور وتناقش، لكنّي في الحقيقة، لم أجد شخصاً واحداً من الذي غيّروا قناعاتهم المرتبطة بالدين، أو تطبيقهم للتفاصيل الحياتية اليومية، قَبِل أن يناقش صاحب عِلم أو يبحث بصدق عن الحقيقة لأنّه محتار، ولا شخصا واحدا ممّن قابلتُهم.
ما رأيتُه، هو هروب من التطبيق الدينيّ، من العبادات، من الشعائر. وهذه مشكلة تمتدّ للهروب من المسؤوليّات كلّها، الدنيوية والدينية. أما الدينية فمفهومة طبعا، لأنّ الذي لا يرغب أن يقوم بالعبادات الأساسية ولا يوجد لديه دافع باطني لذلك، والدافع الوحيد لأية عبادة هو الإيمان الغيبيّ المطلق بشيءٍ لا تراه، هو إذاً لن يتّصل بأية مسؤولية دينية تلزمه بأيّ شيء. لكن كيف ينعكس هذا على مسؤوليّاته الدنيويّة؟ الأمر بسيط، إنّ الإنسان يلتزم بمسؤولية دنيوية/مادية/محسوسة لغرض محسوس، وهذه المحسوسات وتأثيرها في الأشخاص يختلف من إنسان لآخر، بالتالي، من المنطقيّ جدّاً أن يلتزم الإنسان بأداء عمله لأنّه يريد الحصول على أكبر قدر ممكن من المال، لكن هذا الإنسان العامل نفسه لن يكون ملتزما بالانتباه لصحّته بالضرورة، لأنّ العائد المادّيّ الواضح غير محسوس بشكل مباشر. الأمر ذاته ينسحب على الالتزام بالقانون الوضعيّ (قانون الدول) أو العرفيّ (أخلاق مجتمع ما)، فلا شيء من هذين يلزم الإنسان بالصدق مثلا، وحده الدين يفعل ذلك.

يدهشني كيف يلوّث المسلمون عقولهم وعقول أبنائهم، حين يعتمدون على الحديث الوارد في مسند الإمام أحمد، والذي ضعّفه بعض علماء الحديث: (إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خيرٌ لكَ منه)، ويفسّرون الحديث بطريقة (من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه)، تفسيراً مادّيا عجيباً، فينشأ الناشئ وهو موقن أنّه لو ترك -مثلا- أكل هذه الحلوى لأنّها حرام، فسيجد من يدقّ باب البيت حالا ويهديهم طبقاً بحلوى لذيذة يحبّها! هكذا يكبر، وبدلا من أن تتصحّح لديه هذه المفاهيم الطفولية، تتخذ شكلا آخر، فينتظر حصوله على (أجرة) قيامه بالعبادات بشكل مادّيّ فوريّ! فالبنت تتحجّب وفي عقلها أنّ الله سيسوق لها أفضل العرسان لباب البيت، والفتى يسعى للصلاة في الجامع ليحصل على درجات عالية في الثانوية! ويعيش كل منهما وهو ينتظر المعجزة التي ستحلّ بحياته وتغيّرها للأفضل لأنّه ترك ما طلب الله منه أن يتركه! فإن لم تحدث تلك المعجزات، كفر بكلّ شيء.

نعم، الهداية من عند الله تعالى، ولو أنّنا في الأصل ربّينا الإنسان على حبّ خالقه وطلب رضاه، وشرحنا له أنّ العبادات مشقّة وصعبة، وأنّها ستحرمه من ملذّاتٍ كثيرة في الحياة الدنيا، لو أنّنا تكلّمنا بواقعية، وحمّلناه مسؤولية خياراته من البداية، وشرحنا له لماذا قد يختار الطريق الأصعب في موازنة بين النتائج العاجلة في الدنيا والمؤجّلة في الآخرة، لكان الحال غير الحال.

لا تريدين أن تصلّي؟ لا تصلّي، لكن لا تجلسي لتناقشيني لماذا فرض الله الصلوات خمس مرّات في اليوم على هذه الهيئة. لا تريدين الحجاب؟ لا تلبسيه، لكن لا تفتحي المصحف وتبدئي في تفسير الآيات لتثبتي أنّه ليس فريضة. افعلي ما تريدين، واتركيني أفعل ما أريد.
إنّ تعريف الإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. كلمة إسلام تعني التسليم، أي الانقياد بالطاعة، فكيف يؤمن شخص بوجود إله لا يراه، وبوجود نبيّ لم يقابله، وبدين وكتابٍ وكلّ ما فيهما، ثمّ يأتي ليجادل في التفاصيل لتصبح على هواه؟ أليس هذا هو الشرك، عبادة الهوى مع الإله؟

أيّهما يبدو أقرب للتصديق: وجود آخرة ويوم حساب وجنّة خلد، أم وجود إنسان عاديّ دعا لتعاليم محدّدة أعجبت الناس فالتزموا بها؟ إنّ الإنسان يميل لتصديق الاحتمال الثاني، تصديق ما يراه ويكون أقرب لعقله، وهذا الإنسان لا يشغل باله بتفاصيل أيّ دين كان، يرتاح ويريح.
المشكلة هي في ذلك الذي يؤمن بأنّ هنالك إلها أرسل ملاكا من السماء على بشر بكتبٍ فيها شرائع وأخبار عن ماضٍ لا يمكن إثباته بالعلم المحسوس، وتنبّؤات غيبيّة لا يمكن لمخلوق الجزم بها، يؤمن بهذا كلّه، ثمّ يناقش في عدد ركعات صلاة الظهر!

لا تفتح على نفسك أبواباً أغلقها الله ليحميك، وتجالس الأبالسة، ثمّ تدعو الله أن يبعدكَ عن الفتنة!

9.2020


التنّين الذي في داخلك


إنّها القشّة التي قصمتْ ظهر البعير، لو كنّا نعيش في عهد العرب القدامى، لكنّها تعيش في زمن مختلف تماماً. لا توجد قشّة، وإنّما ديك هنديّ، وليس ثمّة بعير، بل تنّين! نعم، فلكلّ حكاية أدواتها المناسبة.

على مائدة الغداء، تكلّم زوجها فجأة بحماسة:
أنا قلت لأهلي يجوا بكرة يحتفلوا معنا بعيد ميلادك.. ورح أنزل أجيب ديك هندي تعمليه بالفرن، وتحشيه فريكة..
وأكمل وهو يقرط فِجلة:
ولا تاكلي همّ الكيك، أنا موصّي عليه، طبقات محشي كريمة متل ما بتحبّيه..
سقطتْ الملعقة من يدها في الطبق أمامها، فأحدثت دويّاً لم يلفت نظره، توقّف أبناؤهم الأربعة عن الأكل، بينما هو لم يسمع شيئاً، يبدو أن الفجل أصابه بالصمم.
– من قال لكَ أني أريد أن أحتفل بعيد ميلادي أصلا؟ وأن أحتفل به مع أهلك؟!
رفع رأسه وابتلع اللقمة بلا مبالاة: أنا اقترحتْ عليهم..وين المشكلة؟
– المشكلة إن هذا اليوم لي! ليس عيدا للجميع! أنت لم تقترح عليهم، أنتَ (عزمتهم) ولم تسألني رأيي حتى.
* ما في داعي أسألك، هذه أوّل سنة يمرّ ميلادك وأهلكِ ليسوا بالقرب، فبدلا من أن تحتفلي مع أخواتك.. احتفلي مع أخواتي. وتابع بابتسامة سمجة: يعني إشو خواتي وإشو خواتك؟ متل بعضن..
Continue reading