.. وأتخيّل أنّي في السماء؛ جالسٌ على غيمة.. وأدسّ قدميّ حافيتَين في غيمة أخرى. قدماي الملسوعتان بحرارة القنابل والصواريخ والقذائف وسرعة الرصاصات الطائشة وسياط العذاب المجدولة من أسلاك الكهرباء النحاسيّة العارية، قدماي المشتعلتان لهيبًا.. ينطفئ ويشفى ببرودة غيمة عذبة. غيمةٍ تكاثفتْ قطراتها من جدولٍ صافٍ لم (يكتشفه) بعد السائحون العرب في بلادي، ولا أهل مدينتي الذين يقفزون من ساحلٍ إلى نهرٍ إلى منطقة معشوشبةٍ ولو كانتْ مترًا في مترٍ ويتنازعون الجلسة فيها هربًا من حرّ المدينة في الصيف.
جالسٌ على الغيمة؛ وصفاءٌ وسكونٌ هائلان يغمرانني. البياضُ الضبابيّ المندوف، ورائحةُ البرودة اللطيفة، كأنّ كومة من بتلات الياسمين التي لا تذبل أبدًا، تنساب بخفّة هنا وهناك كلّما حرّكت كفّي أو قدمي.
أذكر شعورًا يشبه هذا ويختلف عنه: الصحراء الرمليّة الباردة، ورائحة الحطب، وأنا أغمر نفسي قدر استطاعتي في بطن تلّة رمليّة ناعمة اختزنتْ دِفء الظهيرة.
ناعمةٌ جدًّا هذي الغيمة؛ كخدّ ابنة أختي (سلسبيل) ذات العام الواحد، بل إنّ خدّ الصغيرة أنعم وأرقّ! أتذكّر حين انتقتْ أختي اسم صغيرتها، قامتْ الدنيا في العائلتين ولم تقعد: اسم معقّد، طويل، هلأ من ايمتى انتِ وجوزك مشايخ وبتسمّوا من القرآن؟!.. لكنّها كانتْ مع زوجها أذُنًا واحدة وفمًا واحدًا؛ يسمعان ولا يردّان. وكنتُ أقول دائمًا كلّما حاولتْ أمّي (نكش) السيرة: حتى عالأسماء بتعملوا حروب!
لم يكن أحدنا يعرف أنّ اسم الصغيرة سيكون آخر حروبنا السلميّة بالألسُن؛ وأنّ حربًا حقيقيّةً بدبّاباتٍ ستفتح مدافعها علينا في عقر دارنا، وتنسف أحلام (سلسبيل) وإخوتها بقذيفة واحدة.
كانتْ أختي (رنا) تقول دائمًا إنّها تحبّ (غزل البنات) لأنّها إذ تأكله؛ تحسّ أنّها تأكل غيمةً مندوفة. وكنتُ أقول لها إنّ الغيمة ألذّ بكثير لأنّها باردة جدًّا، وليستْ شديدة الحلاوة كهذا السكّر المحروق..فكانتْ تلكزني بمرفقها في خاصرتي وتقول وهي تلعق الحلاوة عن شفتيها: انت إش فهّمك بالتشابيه والشعر؟ خلّيك في الهندسة والجداول تبعتك.
ترى لو كانتْ (رنا) هنا؛ أكانتْ ستقاوم غمس إصبعها في الغيمة كما تغمسها في (كريمة الكاتو) لتذوقها؟ ربّما تقول لي عنادًا فيَّ إنّ (غزل البنات) أطيب!
أحاول أن أرى ما تحت الغيمة، وأقاوم خوفي الهائل من المرتفعات، أحني رأسي على مهل فلا أرى إلا طبقاتٍ من الضباب. ضباب؟ يبدو لي أشبه بدخانٍ أسود.. معقول؟ ما هذا الحريق الهائل الذي يغطّي مدينتي؟
.
كخبطةٍ بسرعة الضوء؛ بسرعة اللطمة التي تلقّيتُها حين وطأتْ قدمي عتبة مركز (الأمن)، تذكّرتُ ما حدث. ما زلتُ لا أستوعب أنّي (متُّ) بهذي السرعة! غير معقول.. يومان ونصف فقط؟ كنتُ أحضّر نفسي لاعتقال شهر أخرج بعده (لأندسّ) مع أصدقائي في المظاهرات، وكنتُ أبوح بتفاؤلي أنّي لن أُعتقَل إلا يومان لأنّ النظام سيسقط في اليوم الثالث. يبدو لي أنّي أنا الذي سقطت، وحقٌّ أنّي في السماء!
..
..
على الأرض، كانت جنازة أُخرى، تتحوّل لمظاهرة.. وأرواحٌ تصعد لتجلس على غيماتٍ أخرى. اليوم تلتقي (سلسبيل) بخالها.. واليوم ستعرف (رنا) حقًّا إن كان (غزل البنات) أطيب..
وغدًا ينزاح الضباب الثقيل، وتهبط الغيمات مُثقلة بأرواحٍ مغسولة بالبَرَد والنّدى، تسلّم على أحبابها، وترمي عبَق ياسمينٍ طاهرٍ يرسم شوارع المدينة بحرّيّة فاتنة، كأنّ يد بانيها انتهتْ منها توًّا، ولمّا يزل ينفض عن يديه وثيابه ما تعلّق من غبار.

















