
الخريف لا يشبه شيئاً سوى نفسه؛ حين كنتُ أعيش في (الرياض)، كان الخريف يبعث فيّ دائماً ذكريات منزلنا القديم.. منزل الطفولة. في زمن كانت الرياض فيه أكثر برودة، وكان الخريف يأتي بعاصفة غبارية واحدة أو اثنتين على الأكثر، وكان يمكن أن ننام بلا تكييف ونكتفي بمروحة السقف والتيار الناتج عن فتح الباب والنافذة.
الآن؛ هذا الخريف الثالث الذي أقضيه في هامبورغ (لستُ متأكدة من أنه الثالث.. لديّ ما ينسيني الأزمنة والتواريخ)؛ وهو (أدفأ) من سابقه، كما أنّ خريف الرياض صار (أكثر التهاباً وحرارة) من سابقيه!
لكنّ التدفئة المنزلية لا بدّ أن تعمل مساء -وأحيانا خلال النهار-، ولا يخاطر المرء بالخروج بلا معطف، ويشعر في كلّ لحظة أنّ السماء على وشك أن تهطل غيما لا مطرا، وأنّ نوافذ بيته على وشك أن تطير لقوّة الرياح العاصفة.
الخريف هنا يذكّرني بأيام الجامعة؛ بعودتنا الكسول إلى الدراسة بعد الإجازة الطويلة، بالحضور صباحاً بعيون نائمة.. بحمل معطف قطنيّ لا نحتاجه، بقضاء ساعات في الساحة لتغيّب الأساتذة وعدم انتظام الجداول..بالحماس الفاتر الذي يستغرق شهراً ليتّقد.
حين كنتُ صغيرة كنتُ أخشى صوت الرياح حين تعول من ثقب ضيّق، ولا أفهم لماذا تحبّه أمّي..
والآن ما عدتُ أخشاه.. لكنه يحزنني، يخيّل إليّ دائماً وأنا أسمعه أنّه نواح أمّ فقدتْ ابنها، وما زلتُ لا أفهم لماذا تحبّه أمّي.
الخريف لا يشبه سوى نفسه؛ يتمشّى كسولاً، ويزفر طيلة الوقت بقوّة وسخط، وويرعد ويزبد ضجراً، ثم يهدأ..وأخيرا، يبكي شتاءً طويلا.


… و آهٍ من الخريف :”
آهٍ يا أفنان..
* شكراً عميقاً لوجودكِ هنا
بكاء طويـــلا
“إذا أتى الشتاء
و حركت رياحه ستائري
أحس يا صديقتي
بحاجة إلى البكاء ..!”
زفرة ساخنة أليمة فيها حنين و شيء من شوق قديم
طابت أيامك.
أختلف قليلا مع نزار يا سارة.. الشتاء لا (يحرّك) الستائر، إنه (يقتلعها) من مكانها.. بشكل لا يترك مجالا للبكاء.. لأننا سنكون مشغولين بإعادة كلّ شيء إلى مكانه. ربّما لنستقبل الربيع.. ربّما..
* إذا فهمتِ شي، قوليلي
جُمـــان ..
الشتاءُ حزيــن جدّاً , على الرُغم من قوّته لكنّهُ يحرِّك الحنين كما يحرّك الستائر و يقتلع البُكاء كما يقتلعُ الستائر ..
كم أنتِ متفائلة يا جُمان ..
أعجبني تعليقك الأخير على سارة ..
رنا.. شكراً لوصفي بالتفاؤل -وما سبق أن وصفني به أحد-
لكنّ الإنسان يحاول.. ولا يصحّ أن يستسلم لحالٍ واحد، ويعمى عن سواه.
شكرا لتواجدك
( وما زلتُ لا أفهم لماذا تحبّه أمّي )
• هل حقاً ما زلت لا تفهمين ؟

آه يا حبيبة .. صوت الريح المتسللة من ثقوب النوافذ ينقلني بمجرد أن أغمض عيني إلى هناك .. إلى موطني, حيث كان للمطر معي قصة حب طويلة.. رائعة.. ندية
ولما كان المطر هناك لا يأتي إلا بريح – هادئة كانت أم عاصفة – تسكبه قطرات غيث عذبة..أحببتُ الريح كيفما كانت لأجله, ويكفيني أنها إيذان بقدوم الحبيب
واليوم .. في غربتي
إذا ما هبت الريح دون غبار, أتعمد فتح شقٍ في مصراع النافذة, لأسمع عويلها – غير المبلل بالدموع – فأسعد هنيهات, وإن كنت لا أرتجي لقاءً مع الحبيب
أيكفيك هذا ؟؟ أم أزيد ؟؟
فما زال في القلب وعلى اللسان المزيد
و..رعاكِ ربي في غربتك
أنتظر المزيد، في مدوّنتك التي ترفضين إطلاقها
أعترف أني لا أحب مطر هامبورغ -رغم حبي للمطر- لأنه يندلق من السماء كأنه ينسكب من حنفيّة! مطر بلا رعد ولا برق ولا رياح ولا صوت.
لكن صوت الريح؛ يشعرني بحزن عميق.. ولذا لا أحبّه.
وقد فهمتُ الآن