ستبكين كثيرا

(الكلام يصلح للأب أيضاً بكلّ ما فيه).

معنى الانتقال من حالة البنوّة إلى حالة الوالديّة، أن تضعي في اعتبارك أنّك ستبكين كثيراً. لا تقلقي بخصوص الأسباب، ستتوافر لديكِ بشكل غير مسبوق، ولكنّكِ طبعا ستجدين من يتّهمك بالمبالغة، أو ضعف الإيمان، أو ضعف الشخصية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية أو الهروب منها.. إلخ.

تبقين أنتِ البنت ولديك أمّ وأب قلقان عليكِ طيلة الوقت حتى بعد زواجك، بل إنّ هذا يزيدهم قلقاً ولا يريحهم لحظة..
ثمّ تحين تلك اللحظة التي تعرفين فيها أنّكِ ستصيرين أمّاً، يتحدّثون عن (فرحة) معرفة الخبر، لا أمّ أخرى تخبركِ بصدق أنّها بكتْ حين عرفتْ أنها حامل، أو ضاق صدرها ولم تتمكن من البكاء.
لماذا تبكي؟ هنالك الكثير من الأسباب، أوّلها أنّكِ ستتحملين مسؤولية كائن بريء سيكبر ليقول لكِ إنه لم يختر أن يأتي لهذه الحياة فلماذا أنجبتِه؟ أي والله كما أقول لكِ بالحرف سيقول.
ولو قلتِ إنّ الله قضى أن يخلقك وكنتَ ستُخلَق سواء كنتُ أمّك أم سواي، سيردّ ولماذا يخلقنا دون أن يسألنا؟ وهلمّ جرّا.
ستبكين ذعراً، ماذا لو فعلتِ شيئاً أضرّ بالجنين دون علمكِ؟ ثم ستبكين إرهاقاً وألماً كلما تقدّمت أيام الحمل بك.
بعدها تبكين بحرارة عند الولادة، ينظر إليكِ الجميع مبتسمين ويقولون: يا سلام على دموع الفرحة وقلب الأم! بينما أنتِ تعتبرينهم حمقى.. لأنّكِ تبكين معرفتكِ أنّه لم يعد بمقدروكِ حماية هذا الصغير أكثر طالما خرج من رحمك.. الآن هو معرّض لكلّ خطر من العالم الخارجيّ حرفيّاً.
تدخلين بعدها في اكتئاب النفاس الذي تقضينه في فترات بكاء قصيرة أو طويلة.
ثمّ -لو خرجتِ منه سريعاً ولم تستغرقي عاماً كاملا أو أكثر- ستجدين أنّكِ تبكين كلّما هدّكِ التعب، أو قضيتُ معه ليلة مرض، تبكين شعور الذنب: هل يا ترى فعلتُ حقا كلّ ما عليّ؟
يذهب أخيرا إلى الروضة، ثمّ إلى المدرسة، فتبكين الانفصال عنه، وتبكين قلقا عليه من كلّ شيء هناك.
وعندما يبدأ في المراهقة، ستبكين طيلة الوقت وأنتِ تفكّرين في أحزانه التي لا يعرف كيف يتعامل معها، وفي أوقاته وعمره وأيامه التي تضيع منه، وفي عقله وروحه اللذان يُستهلكان سريعا دون أن يفطن لهما.
لو فقدتِ أحد والديك أو كليهما، ستبكين على أطفالك أنّهم لن ينعموا بدلال بيت الجدّ بعد الآن.
ولو كنتِ تعيشين بعيدة عن أهلك، ستبكين أنّ أطفالك لم يعرفوا فرحة دخول الخال أو الخالة عليهم كلّ أسبوع.
ستبكين بحرارة عندما يقول لكِ ابنك المراهق أوّل مرة: أنا أكرهك. لم يقلها لكِ أحد من أبنائك؟ ثقي أنّهم قالوها في سرّهم في لحظة ما، لم يمنعهم من التصريح بها الخوف منكِ، بل شعورهم الداخليّ (بالإثم)، لكنّ مراهقين آخرين يقولونها في وجه الأهل.. يعلم الله ما هو شعورهم الداخلي. لكنّ بكاءك لن يكون حزناً على نفسك، أو (زعلا) من الكلمة ولا قهراً، بل بكاء خيبة: أين أخطأتُ؟ وكيف أتدارك ما فات؟

وحين يكبرون أكثر، ستبكين ضياعهم وحيرتهم في أمور الدنيا، واختياراتهم التي ترينها خاطئة: هل أعطيتهم حرية أكثر من اللازم؟ أم قيّدتها أكثر مما يجب؟
ثمّ ستبكين حرقةً وأنتِ تفكّرين في أمر دينهم لو رأيتِ منهم تقصيراً أو تفويتاً، وتدعين ألا يكون مصيرهم الشقاء، ألا يكونوا من المكتوبين في الضالّين.

وتستمرّ أسباب البكاء، ولن تتوقّف أو تنقطع. هذا ما لا يحكيه لكِ أحد، لأنّ المجتمع لا يهتمّ للصدق، ويعتبر الحقيقة تشاؤماً.

كلّ ما أستطيع قوله لكِ، إنّ البكاء سيكون رفيقك من لحظة خلقهم في رحمك/حياتك، وحتى لحظة وفاتك. كوني مستعدّة!

13.7.2021


قراءة وتلخيص أفكار: الجذور الاجتماعية للنكبة.

هذا التلخيص ما زال قيد التحديث.

….

الجذور الاجتماعية للنكبة
فلسطين 1858-1948
د. أكرم حجازي

هل بيعت فلسطين حقا؟ وإن كانت قد بيعت، فمن الذي قبض الثمن؟!
هذا الكتاب يشرح ذلك بطريقة طويلة، فهو عبارة عن أبحاث مزودة بأرقام وإحصائيات ووثائق، هو مستند مهم لفهم ما حلّ بأرضنا، وبنا. واستغرق مني إنهاؤه عامين، كانت القراءة على فترات متقطعة جدا.
حتى لو لم تكن فلسطينيا، فأنت متضرر بالدرجة الثانية بعد الفلسطيني المتضرر بالدرجة الأولى.
وحين تقول لمن لجأ لارضك طلبا للأمان أو الرزق، أن يعود لأرضه، عليك أن تفهم لماذا جاء أولا، ولماذا لا يقدر أن يعود.
..
من ص 13 المقدمة: في العهد العثماني، لم يطلق اسم فلسطين على أي تقسيم إداري لبلاد الشام، وكان يطلق عليها أحيانا (سوريا الجنوبية). ثم في عام 1807 قسمت فلسطين تقسيا إداريا عثمانيا إلى قسمين، أحدهما ملحق بدمشق والآخر ولاية صيدا. وبقي هذا التقسيم حتى الاحتلال البريطاني، وفي عام 1923 وضعتْ قوات هذا الاحتلال حدود فلسطين الحالية.
وهنالك رأيان في هذا التقسيم: الاول أن الحدود كانت اعتباطية نتيجة المفاوضات بين فرنسا وبريطانيا، والثاني، أنه كان مقصودا.
وأيا يكن فهذها البقعة الجغرافية كان هدفا لللغزاة على مر الزمن، ولم ينجح في حكمها سوى الأقوياء.

أما الحركة الصهيونية فجاءت لا لتحكم الأرض والشعب، بل لتستوطن وتغير هوية البلاد تغييرا جذريا.

هكذا تبدو المسألة بعيدة كل البعد عن الطابع الاستعمار/الاحتلال التقليدي الذي ينتهي برحيل المحتلّ بعد ضمانه لمصالحه الاستراتيجية في المنطقة.
ص 16: النشاطات البريطانية والصهيونية الاستعمارية في فلسطين استهدفت إحلال مجتمع مصطنع محل مجتمع طبيعي قائم منذ قرون.
وتأكد هذا المسعى في أعقاب هاتين المرحلتين:

  1. سنة 1948 تاريخ إعلان إسرائيل دولة على نحو 77بالمئة من مساحة فلسطين الواقعة تحت الاستعمار البريطاني، وبهذا التاريخ ينتهي عهد بريطانيا في فلسطين.
  2. مرحلة دخول عشرة آلاف جندي عربي مقابل ستين ألف مقاتل يهودي، وانتهت هذه المرحلة بتوقيع الدول العربية لاتفاقية الهدنة مع إسرائيل.
    وخلال هاتين المرحلتين كان المجتمع الفلسطيني يتشلاى ويتقلص بسرعة مخلفا وراءه آلاف من العائلات التي طردت من أراضيها واتجهت نحو التوطين القسري في الخيام.

“لا يعرف التاريخ حالات جرى فيها استبدال كامل للسكان الأصليين في بلد ما بأجناس من الدخلاء، وتم إنجاز عملية الاستبدال هذه في غضون مدة قصيرة لا تتجاوز جيلين من الناس. غير أن هذا الواقع هو ما جرت محاولته في فلسطين من ذ بداية القرن العشرين.”
وتم تشبيه هذا بما حدث لأحد الشعوب المنقرضة في أستراليا (التاسمانيين).

ص19: كانت الكثير من الدول تعارض الاعتراف بقيام دولة إسرائيل، ومن بينها الولايات المتحدة التي اعترفت باستحالة تطبيق القرار بالقوة، وتطور الموقف إلى صدور قرار يلغي التقسيم، ولكن الوكالة اليهودية رفضت القرار ببساطة! وانتهى الأمر باعتراف الأمم المتحدة عام 1948م بعضوية إسرائيل.

بالتأكيد كان لوعد بلفور جانبا مهما في التحولات الحاسمة التي حدثت في فلسطين، ولكنه ليس السبب الأساسي فيها. فقد حقق المستوطنون الأوائل أكثر من ثلث ما حقّقه أخلافهم زمن العهد البريطاني في مجال السيطرة على الأرض. فما بين 1932م و1936م هاجر إلى فلسطين ما يقارب 170ألف يهودي! لكنهم لم ينجحوا على صعيد العمل والهجرة لا كما ولا نوعا بسبب قوانين الدولة العثمانية التي كانت ما تزال سارية، والتي أبطأت الزحف اليهودي في حينه.

هذا الكتاب مقسّم إلى ثلاثة أجزاء يحتوي كل منها على فصلين، ويهتم الجزء الاول بقراءة المجتمع الفلسطيني في العهد العثماني في ضوء بنية المشاع وإشكالية تسجيل الاراضي، وهو الجزء الأهم برأيي لأنه يفصّل كذبة (بيع الأرض) التي صار بعض الفلسطيين أنفسهم يتبناها. والجزء الثاني يعرض استراتيجيات تفكيك بريطانيا للمجتمع الفلسطيني. ثم الجزء الأخير نتائج هذه الاستراتيجية وآثاراها على محاولات اقتلاع مجتمع من جذوره وإحلال مجتمع مغاير تماما مكانه.


وتحسب أنك نسيت

تظن أنك نسيت، لكنك لم تنس.
خمسة عشر عاما مرت وما زالت أدق التفاصيل حاضرة.
هذه الضوضاء من ورشة البناء البعيدة، تذكرك بصوت مقلع الأحجار البعيد في نهاية المرتفع، هناك يفجّرون الصخر وينحتون الحجارة التي بنَت مدينتك قبل اختراع الإسمنت، ومنحتْها لقبها الجميل: الشهباء.
الطقس الصيفي الذي يبدأ باردا منعشا بعد الفجر، وسحب خفيفة تتمشى أمام عين الشمس، ثم تزداد الحرارة ببطء حتى تصير الظهيرة قيظا لا يطاق. رائحة غسيل الجيران النظيف، رائحة البلاط المغسول، وخزانات الثياب المفتوحة للتهوية.
رائحة تقلية ثوم تأتي من مطبخ بيتٍ ما يجهّز للغداء.
صوت جرس المدرسة القريبة وأصوات الأطفال ينفلتون بصخب في ساحتها.
سيّارة عجِلة تمرّ سريعاً ويعلو صوت البوق.
رائحة ديزل من الشاحنات والباصات، تختلط برائحة الخبز الطازج من مخبز قريب.

أنت تعلم تماما أنّ هذا كلّه لم يعد موجوداً، لأنّ مدينتك صارتْ (أخطر مدينة) على سطح الكوكب، دخلتْ الموسوعات العالمية من أكثر الأبواب وجعاً.
لم يعد لكَ فيها سوى بضعة أحياء، والبقيّة امتلأت بهم القبور، أو السجون.
هذا الذي تستحضره لم يعد موجوداً، هو مجرّد صورة في الذاكرة.

مع ذلك.. أنت تبكي، كأنك غادرتها أمس.. وكنتَ تحسب أنك نسيت!

هامبورغ. 3.6.2021