اللحظة السحرية

هنالك ذلك المشهد الخياليّ من فلم (Hook) أوّل فلم علق في ذهني من أيّام الطفولة من بطولة (روبن ويليامز)، عندما يجلس بيتر الجائع إلى المائدة وينظر بدهشة إلى الأطفال ويسألهم ماذا يأكلون؟! فالأطباق فارغة، يقولون له إنّهم يأكلون ما لذّ وطاب.. في الخيال. يصفون له النكهات والروائح حتى يسيل لعابه، ويتضوّر جوعاً أكثر فأكثر وهو ينظر إلى الهواء الذي يملأ كلّ طبق وكأس، ويفشل في التخيّل لأنّ مادّيّة حياة البالغين أفقدته أبسط قدرات الأطفال البريئة. رغم مرور الأعوام الكثيرة الطويلة، التي تبدو الآن عمر شخصٍ آخر، ما أزال أذكر اللحظة التي اندمج فيها بيتر في الجوّ واستعاد طفولته، لحظة واحدة كانتْ كالسحر، أظهرتْ من العدم أشهى الأطعمة أمام الأطفال الجائعين منذ دهور في (أرض المستحيل) التي غادرها بيتر الطفل ونسيها.
تلك اللحظة، كانتْ مزيجاً من الغضب، والغيظ الطفوليّ، والتحدّي، والرغبة القويّة التي لا يقف في وجهها شيء.

كانت عندي دائما تلك اللحظة السحرية، احتفظتُ بها طويلا مقاوِمة ًكلّ محاولات الأيام سحقَها وإخفاءها، حتى استهلكتُ كلّ دفاعاتي، وفقدتُها تماماً.. من عامٍ مضى. إذ مرّ حدثٌ نتجتْ عنه سلسلة من الأحداث كأحجار الدومينو، تساقطتْ كلّ أبنيتي داخلي تباعاً، ودُفنتُ داخلي تحت أنقاضها.

كانتْ لديّ تلك اللحظة السحرية، التي أقف فيها في الشارع فجأة، لأنّ رائحة مرّتْ ذكّرتني بتفاصيل مشهدٍ وزمنٍ سابق، وكنتُ أسمح لنفسي بالغرق في اللحظة.. ربّما البكاء، وكتابتِها ولو سريعاً، ثم بناء قصّة كاملة عنها. لكنّي لم أعد أفعل ذلك، أدفع نفسي وأنا أهتف بها (لا وقت)، رغم وجوده. صرتُ أتحاشاني، كما يتحاشى المدين دائنه! والمصيبة هي أنّي.. دائماً معي. فما أفعل بي؟!

في هذه الصورة، مررتُ بشارع خلف بيتي الذي أسكنه من سبع سنوات، في كلّ خريفٍ أقول لنفسي سأخرج وأقف وسطَ هذا الشارع الجانبيّ لألتقط صورة جميلة له، ولا أفعل.
في الحقيقة، فعلتُ ذلك أكثر من مرّة، لكنّ الصور -كهذه- لم تنقل ما أراه وما أحسّه، لذلك أحذفها في كلّ مرّة.
اليوم، كنتُ أمرّ صدفة بالسيّارة من هناك، فتمهلتُ وبيدٍ واحدةٍ ومن خلف زجاج النافذة الأماميّة، التقطتُ عدّة صور وأنا أقود باليد الأخرى، وهذه كانتْ أفضلها.
مجرّد شارع جانبيّ تتعانق أشجاره من الأعلى، شارع يوجد مئات غيره في هامبورغ، وكلّها لا أملّ تأمّلها والوقوف أمامها دهشة، في كلّ عام وفي كلّ خريف.
لكنّي لا أرى مجرّد شارع وأشجار، حسناً، أراه مليئا بجسور مشاة واطئة لا تسمح بعبور الشاحنات من تحتها، فقط السيارات الصغيرة والدرّاجات. عدد من الجسور الملوّنة، تتضمنّ بيوت لعبٍ صغيرة، وأراجيح قماشية معلّقة، وكراسي معدنيّة من تلك التي تبدو وكأنها خرجت من الزمن الغابر.
أراه شارعا هارباً من أرض المستحيل.. Neverland.

في طفولتي المبكرّة، في أقدم بيت تعيه ذاكرتي، كان هنالك ذلك الممرّ الطويل في قسم غرف النوم. كنتُ أركض من أوّله وأقفز في آخره، وأكرّر ذلك ثم أذهب لأنام.. فأرى في نومي أنّي بعد القفزة أطفو وكأنّي أسبح في الهواء، لا أطير. ذلك أنّي أخاف شعور الطيران، لكنّي أحبّ شعور الطفو والسباحة. كنتُ أصحو وأنا بكامل التصديق أنّ ذلك كان حقيقة.
في بيت خالتي التي كنتُ أقضي أكثر أيامي عندها مع ابنتها، كانت صورة الشلال الذي يغطّي الجدار كاملا بمثابة اللحظة السحرية. كنتُ بكامل تصديقي أنّ هنالك عالما يختفي داخل الصورة، وعليّ أن أجد طريقة لدخوله.
يمكنني حتى اللحظة بعد مضيّ أكثر من خمس وعشرين سنة، أن أشمّ رائحة النباتات في تلك الصورة، وأسمع هدير الشلال، وأحسّ رذاذ برودته على وجهي، وأرى الكهف الذي يخفيه.
لكنّي أشعر أني مثقلة بالقيود التي تمنعني من الطفو في الهواء، ومن القفز وراء الشلال. وأحاول، أحاول أن أنهض من تحت أنقاضي، وأنفض الغبار عنّي، وأعالج كسوري، وأرمّم أبنيتي.
أحاول أن أستعيد لحظتي السحرية، فأشعر أن ذهني يشبه البالون المثقوب، يصغر على مهل، حتى يصبح مهلهلا قبيحاً، لا يمكن استعادته.

يبدو أن روبن ويليامز، فقد لحظته السحرية عدّة مرّات، حتى قرّر أنه لا جدوى من المقاومة، وأنّه لن يمتلكها مجدّداً.

لم أخبر أحداً من أصدقائي أو معارفي بحادث بسيط، ذكّرني بانتحار روبن: في مدرسة بناتي الابتدائيّة، كان هنالك رجل يدعى (ماركو)، عمل لأكثر من عشرين سنة كمساعد للمعلّمين، كان ما يسمّى بالحاضن أو المربّي، وللأمانة،لم تكن بناتي وأطفال غيرهم يميلون إليه. في بداية هذا العام الدراسي، وصلتنا رسالة من إدارة المدرسة تقول إنّه قد توفّي، وقد خصّصت المدرسة في إحدى الغرف جداراً للذكرى له. قالت ابنتي لاحقا إنّ زملاء الصف سألوا المعلمة: كيف مات ماركو؟ قلتُ لسمية، قد يكون مرِضَ أو أصيب بالكورونا، فقد كانت الهجمة الثانية وقتها. لكنها فاجأتني بردّها: لا، المعلمة قالت إنه قتل نفسه! وقفتُ لحظة أحاول استيعاب ما قالتْ، وسألتها بحذر: هل تعرفين معنى ذلك؟. ردّت: نعم. قلت: هل تريدين أن تسألي شيئا عن ذلك؟ نظرت لي تفكر ثم قالت: مثل ماذا؟
الأطفال لا يدركون معنى الانتحار، أو ربّما بناتي لا يفعلن.

لم أفكر كثيرا في الأمر حينها، لكن لاحقا، وكلّما مشيتُ طريق المدرسة مع ابنتي، أفكّر أنه كان يمشي هذا الطريق عاما تلو العام، محمّلا بأفكاره ومخاوفه ومشاعره، وحيداً جدّاً رغم كثرة من يعرفهم، حتى قرّر أنّه لم يعد يقدر على حمل المزيد رغم أنه لم يجاوز الخمسينات من عمره.

لا أعرف كيف انتحر ماركو، لكنّ روبن ويليامز شنق نفسه. الأمر يتعدّى فقد القدرة على التحمّل، يحتاج شجاعة كبيرة للإقدام عليه، لاتخاذ قرار التخلّي. شجاعة كبيرة، وإحباطاً عظيماً، يتداخلان ليُنتجا سمّاً يقتل الروح، ولا تهمّ حياة الجسد بعدها.
قناعتي الشخصية، أنّ الإيمان بفكرة، هو المنجاة الوحيدة في هذه الحياة. لكن.. ماذا يحدث لو تزعزعت تلك الفكرة؟!

تقول الإحصاءات إنّ معدّل انتحار الرجال في العالم يفوق بضعف على الأقل معدّل انتحار النساء. ربّما وجود النساء على مقربة من أطفالهنّ وقتاً أطول يجعلهنّ أقوى بنقطتين: الأولى، قالتْها بعض الناجيات من الاكتئاب، وهي التفكير في أنّ أطفالها لا ذنب لهم لتتركهم وهي لا تعرف من سيعتني بهم من بعدها.
والثانية، إنّ الأطفال يحيطوننا بلحظاتهم السحريّة، ويمكنهم أن يجعلوا من اللاشيء.. كلّ شيء.

15.10.2021


كُتبت مع أغنية: Lost Boy


لعبة وانكسرتْ !

سمعتُ اليوم تتمّة قصّة عرفتُ تفاصيلها الأولى قبل أشهر، القصّة أنّ عائلة أرادتْ تزويج ابنها، فخطبتْ الأمّ ابنة أختها اليتيمة، أي أنّ أختها متوفّاة وعندها ابنة تعيش مع الأب وزوجته، كان هذا قبل ثلاث سنوات تقريبا، وكانت الفتاة فائقة الجمال تبلغ خمسة عشر عاماً، وتعيش في ظروف الفقر والحرب في سورية، وطبعا بلا تعليم، وبلا حنان وبلا قدرة أو إرادة على قول (لا). وسكنتْ في نفس البيت مع حماتها التي هي خالتها، أخت أمّها (سأكرّر هذا كثيراً)، لنفس الأسباب السابق ذكرها، بعد أشهر قليلة بدأ الزوج الشاب في ضرب الزوجة (القاصر والطفلة في معظم قوانين العالم)، ثمّ تحوّل الضرب بتشجيع أمّه (خالتها) إلى ضرب مبرّح، وحين حاولتْ أن تلجأ لبيت أبيها، كانت الكلمة أن: عيب، وابقي عند زوجك، وما عندنا بنات يحردوا. حتّى ضربها ضرباً سبّب لها شللا رباعيّاً لكسر في العمود الفقريّ. وعندها أعادها إلى أبيها طبعاً، وبقيتْ مشلولة وشبه متخلّفة عقليّا نتيجة الضرب مدّة عامين، حتّى توفّاها الله قبل أيّام، وهي في عمر الثمانية عشر.
ببعض الإحصاءات الرقمية البسيطة، نستنتج أنّها لم تعِش مع ذلك الزوج (مجازاً أسمّيه كذلك) إلا شهرين أو ثلاثة، فما الذي رآه منها يدفعه لضربها وهو العشرينيّ؟!
الإجابة: لم يرَ شيئاً، بل كان ينفّذ كلام أمّه حرفيّاً: اضربها حتى تعرف أنّك رجل، اضربها حتى تتربّى، اضربها حتى تتعلّم.. إلخ. أمّه (خالتها)، وهي اليتيمة.

الآن سيأتي من يبدأ في الكلام عن استبداد الرجل، والذكورية التي تحكم هذا العالم، ولن أعارض هذا أو أناقشه. لكنّي سأعود للنقطة التي أقولها دائماً: الأمّ هي مركز تصنيع الإنسان، الصالح والطاغوت، العادل والدكتاتور، الإنسان والوحش، وهي المُلامة أوّلا وليس أخيراً. الأمّ ومن يقوم مقامها في حال غيابها لسبب قسريّ. والطفل مهما كان صغيراً، يعرف متى يكون غياب أمّه عنه بغير إرادتها ومتى يكون باختيارها. وهذه العلاقة بين الطفل وأمّه/مربّيته تستمرّ حتى عمر البلوغ والاستقرار الهرمونيّ، أي هي تمتد خمسة عشر عاماً تقريباً! تكون فيها الأمّ هي المركز الأساسيّ للتشكيل النفسيّ والعاطفيّ والاجتماعي للطفل، وأيّ خلل في هذه العلاقة والرابطة، لا بدّ وأنّ يؤدّي إلى نتيجة سلبيّة ما في جانب من جوانب شخصيّته في الكِبَر. وما لم يشعر هو لاحقاً بالحاجة لمعالجة هذا الخلل، ويتوجّه لطلب المساعدة، أو يجبره أحدهم بقوّة القانون مثلا على تلقّيها، فلا يمكن لهذا الخلل أن يُعالج.

ونجد أنّ كثيراً من الناس بل وعلماء النفس يفسّرون أسباب الخلل العاطفيّ التربويّ بأشياء محدّدة، كحرمان الطفل من الرضاعة الطبيعيّة، رغم أنّ الكثير من الأمّهات لا تستطيع أن ترضع طبيعيّاً لأسباب متعدّدة لا علاقة لها بعدم الرغبة، ولا تعني الرضاعة الصناعية أبداً أنّ الطفل سيتمّ إلقاؤه مع زجاجة الحليب لتناولها بمفرده كطبق طعام لشخص بالغ! فهنالك تجنٍّ كبير وجدته بين صفحات المقالات، وتركيز على أشياء من التوافه مقارنة بأشياء حقيقية جادّة، وهذا ليس غريباً لأنّ هذه الكتابات جميعها من ذكور! وهم لا علاقة ولا علم لهم -مهما حاولوا الادّعاء- بأيّ من هذه الحقائق التي لا يستطيعون ملاحظتها ولا فهمها أصلا.

ولو كانوا منصفين، لبحثوا في عدد الأطفال الذين رضعوا رضاعة طبيعيّة ولكن كما ترضع الجراء من أمّهاتها، أي كمصدر للغذاء والحليب فقط، بل أسوأ، لأنّ قطّتي كانتْ تستمرّ في لعق جرائها وهي ترضعهم، وتجلس ولا تتحرّك حتى ينفضّوا هم عنها. أمّا الإنسانة، فترضع وكأنّ تلك مهمّة تريد الخلاص منها، أو تؤدّيها بلا مبالاة، وتكبر معها هذه اللامبالاة، فنجد الطفل في عامه الأوّل وقد بدأ يمشي ويركض ويسحب الأشياء ليتعرّفها أو يرميها ليرى ردّة فعل أمّه، ويضع كلّ شيء في فمه، ويفتح الخزائن حيث موادّ التنظيف وهو في كلّ ذلك يقلّد أمّه/مربّيته، فماذا يكون الكلام؟ (وِرش، حِرِك، ما بلحق عليه.. إلخ).
إنها سنّ حرجة وخطيرة وتحتاج يقظة تامّة، مع هذا، نجد تلك الأمّ تتركه يفعل ما بدا له بحجّة أنّها مشغولة في طبخ أو هاتف أو لأنّه فقط خارج قدرتها على السيطرة وهو ما زال في عامه الأوّل! وقبل أن يختنق الولد أو يصاب بحادث ما، تركض فزعة مولولة وتُظهر جزعاً رهيباً، يعجب الرائي منه، ويشعر أنّها إمّا بلهاء أو مصابة بقصور في نموّها العقليّ، كيف لم تفهم أنّ تصرّف الطفل خطير وسيودي به إلى نتيجة خطرة؟ وكيف لم تفهم أنّ عليها أن تحيطه كلّ وقت يقظته وأن تجلس معه هادئة مراقبة حازمة؟ وكيف لم تفهم أنّها ستبقى سنواته الأربع الأولى كلّها وعيناها عشرة على عشرة عليه، ولن تنال شيئاً يسمّى قسطاً من الراحة؟

الآن، ما هو الأدهى من هذا التصرّف؟ إنّها كلمة: ابني ما حدا بعيّط عليه!. وهذه كارثة ثانية، فطالما حضرتكِ لم تقومي بتربيته، فهذا يعني إنّ ابنك قد (رِبي عَدِي)، كأيّ كلب شوارع، وماذا يفعل الناس بكلب الشوارع الذي يهجم عليهم أو ينبح في وجوههم؟ يمسحون على رأسه مثلاً؟ لو ألقوا إليه طعاماً فذلك ليتّقوا شرّه، لكنّهم غالباً سيقذفونه بالعصيّ والحجارة. وأنتِ تركتِ ابنك أربع سنوات يربى لوحده ككلب الشوراع، لا تقولين له كلمة (لا) على أيّ شيء، وليست لديك قدرة على تضييع دقيقتين من وقتكِ الثمين لتخبريه بحزمٍ أنّ ما يفعله خطأ، ثم تعطينه بديلاً وتجلسين معه ليتمتّع وتتمتّعي بهذه اللحظات التي لن تعود. ولمّا كبر وصار مثل الحيوان الشارد الذي يدور ويدور ولا يستطيع التركيز على شيء ولا يترك شيئا أو أحدا في حاله، مؤذيا لنفسه ومن حوله، ترفضين أن يوبّخه الناس ولو كان في بيوتهم! بل ولو وقع له حادث كأن يتسلّق الجدار كالسحلية فيقع، تلومين أهل الدار أنّهم لم يجعلوا حائطهم خشنا كفاية ليتمسك به ابنك! ولو فتح باب الشارع وركض فجأة إلى مجال السيّارات، لصرختِ في وجه صاحبة البيت أن لماذا لا تقفل الباب بالمفتاح!! وهلمّ جرّا..

هذا النموذج موجود بكثرة حولنا. فإن أضفنا على ذلك أن يكون الطفل (ذكراً)، فإنّنا نرى أنّ الأمّ التي تنجب صبيّاً في مجتمعاتنا، تحوّله إلى مخلوق مقدّس بسبب تركيبه الخَلقيّ الذي ليس لأحد سوى الخالق من يدٍ فيه. فإن لم تفعل هي، فعلت النسوة من حولها. نعم، النساء هنّ من خلقن عقدة الذكورة هذه، وتبدأ المباركات والتهليلات وكأنّها رُزِقتْ صكّ دخول الجنّة! وأشياء كثيرة من نوع: ابنك سندك، وكثير من الهراء والأمثال الشعبية العجيبة.
مثل هذه الأمّ تصنّف تحت (عديمة الجدوى)، بل وأحياناً (ضررها أكبر من نفعها)، تعتقد أنّها إذا عانتْ آلام الحمل والولادة فقد غُفِر لها ما تقدّم من ذنبها وما تأخّر، وأنّ مهمّتها انتهتْ بـ (تفريخ) مخلوق آخر.
أمّ لا تدرك أنّ حياتها لم تعد ملكاً لها منذ إنجاب أوّل طفل، وتريد أن تبقى كما هي.

بعد هذا كلّه، إذا عدنا إلى قصّتنا في البداية، سنجدها النموذج المثاليّ -لو صحّ التعبير- لهذا السيناريو اللا تربويّ العجيب. الأمّ (اشترت) لابنها لعبة جميلة، خرّبها، ورماها، وأتى بغيرها. هكذا ببساطة.

في عالم الوحوش كالسباع مثلا، هنالك أيضا أمّهات وأبناء، الأمّ تصيد ابن حيوان آخر لتطعمه لابنها، ولا نقع في حبّ هذه الأمّ ولا نرفع لها قبّعة التقديس، لأنّها تفعل ذلك بفعل غريزتها الحيوانيّة البحتة التي خُلِقتْ عليها. لكنّ الأمومة في عالم الإنسان تختلف، هي عقلٌ ووعيٌ وتعلّم واكتساب، لأنّنا لسنا بهائم. ومن تكتفي بغريزتها فقط، لا تختلف شيئاً عن عالم الحيوان، ومن الأفضل أن تذهب لتعيش فيه مع أبنائها.

من الغباء أيضاً ما تفعله بعض النساء اليوم من ربط التربية بالعلم، وفرقٌ بين العلم الأكاديميّ والتعلّم المكتسب. لا أنكر أنّ علم القراءة والكتابة يفتح للأمّ أبواباً إلى عالم التربية، لكنّ هذا يعني أنّ كلّ أمّ لم تحظَ بتعليمٍ أكاديميّ هي بالنتيجة جاهلة تربوياً ولا يكنها أن تمارس دورها الحقيقي كمربّية، وهذا تجنٍّ عظيم. هنالك أشياء أساسيّة أرى كثيراً من الأمّهات اللواتي لم يحظين بقدر كافٍ من التعليم، يسعين لاكتسابها بالخبرة والسؤال، كالخبرة بالتكنلوجيا وأفضل الطرق للتعامل مع الأبناء في هذا المجال. وما أكثر من حملن شهادات الماجستير والدكترة، وعانى الأبناء من ذلك، وظهرتْ آثار المعاناة عندما كبروا بالشكوى التي يعبّرون عنها بطرق مختلفة، أبرزها الفشل في تكوين أسرة حقيقيّة.

وأخيراً، فكما كان الحثّ للرجل على اختيار الزوجة التي يرجو منها أن تكون مربّية صالحة، طالما هو يتزوّج أصلا لبناء أسرة، فعلى المرأة ألا تقبل إلا الرجل الذي ترضاه أباً لأبنائها. وكون الحثّ جاء للرجل، فهذا بحكم أنّه هو الطالب والمتقدّم غالباً، والمرأة مطلوبة. لكنّ تفكير الكثيرات عند اختيارها للزوج لا يتعدّى احتياجاتها هي، ولا تحاول مجرّد تخيّل زوجها في حالة الأب مطلقاً. وهي بذلك -إن كانت حرّة الاختيار- تتحمّل مسؤوليّة الإساءة لأبنائها الذين لم يأتوا بعد.

كان الله في عون من ابتُليَتْ في أبنائها أو زوجها، والله يعلم مقدار ما تبذل من جهد. ولا سامح الله الأمّ غير المبالية، ما أقبح جريمتها وما أكثر المجرمين والمرضى والمعقّدين الذين ابتُلي بهم هذا العالم من مثل هاته الأمّهات.

16.4.2021


حالة خاصة

صحوتُ من القيلولة التي امتدّت رغما عنّي إلى ساعة ونصف الساعة، منزعجة من حرّ سبتمبر الغريب، ورأسي مثقل بأصواتِ الشارع.
نزلتُ مباشرة إلى المطبخ، وحين بدأتُ تجهيز الغداء، كنتُ أسمع من النافذة المفتوحة صوت ابن جيراننا من البناية المقابلة، التي يفصلنا عنها ممشى وصفّ من الأشجار يجعل الرؤية متعذّرة، لكنه لا يمنع وصول الأصوات.
ولعلّ ارتفاع درجات الحرارة وتمدّد فترة الصيف هذا العام، جعلتْ الأطفال أكثر حظّاً باللعب في الخارج لفترات أطول، فصرنا نسمع أصواتهم أكثر.
لكنّ زوجي أيضا لم ينتبه لصوت هذا الطفل إلا هذا العام. قلتُ له: لديهم طفل بحالة خاصة.
– كيف عرفتِ؟
* من صوته. وهناك طفل وطفلة غيره، يلعبان ويتكلّمان بشكل طبيعي، أمّا هو فلديه إعاقة، على الأغلب ذهنيّة وليست كلامية فقط.
– هل رأيتهم؟
* لا..
(ساخرا بعض الشيء): – إي.. وكيف عرفتِ كلّ هذا؟
رددتُ بهدوء وغصّة: من الصوت.. طريقة الأصوات التي يتفاعل بها مع إخوته.
….
أن يكون في عائلتك شخص (مختلف/معاق) يعني أن تكون أنتَ مختلفاً أيضا. لا يمكن أن تكون عائلتك مثل بقية العائلات. إنّكَ تقضي وقتاً أطول في القراءة والبحث، وتسمع أسماء المستشفيات والأدوية أكثر ممّا تسمع أسماء الأكلات والمطاعم، وتبدأ في ملاحظة كلّ شيء وتسأل عن كلّ حالة مشابهة. Continue reading