وتحسب أنك نسيت

تظن أنك نسيت، لكنك لم تنس.
خمسة عشر عاما مرت وما زالت أدق التفاصيل حاضرة.
هذه الضوضاء من ورشة البناء البعيدة، تذكرك بصوت مقلع الأحجار البعيد في نهاية المرتفع، هناك يفجّرون الصخر وينحتون الحجارة التي بنَت مدينتك قبل اختراع الإسمنت، ومنحتْها لقبها الجميل: الشهباء.
الطقس الصيفي الذي يبدأ باردا منعشا بعد الفجر، وسحب خفيفة تتمشى أمام عين الشمس، ثم تزداد الحرارة ببطء حتى تصير الظهيرة قيظا لا يطاق. رائحة غسيل الجيران النظيف، رائحة البلاط المغسول، وخزانات الثياب المفتوحة للتهوية.
رائحة تقلية ثوم تأتي من مطبخ بيتٍ ما يجهّز للغداء.
صوت جرس المدرسة القريبة وأصوات الأطفال ينفلتون بصخب في ساحتها.
سيّارة عجِلة تمرّ سريعاً ويعلو صوت البوق.
رائحة ديزل من الشاحنات والباصات، تختلط برائحة الخبز الطازج من مخبز قريب.

أنت تعلم تماما أنّ هذا كلّه لم يعد موجوداً، لأنّ مدينتك صارتْ (أخطر مدينة) على سطح الكوكب، دخلتْ الموسوعات العالمية من أكثر الأبواب وجعاً.
لم يعد لكَ فيها سوى بضعة أحياء، والبقيّة امتلأت بهم القبور، أو السجون.
هذا الذي تستحضره لم يعد موجوداً، هو مجرّد صورة في الذاكرة.

مع ذلك.. أنت تبكي، كأنك غادرتها أمس.. وكنتَ تحسب أنك نسيت!

هامبورغ. 3.6.2021


روحُ المقاتِل

مهداة إلى خالي الذي قضى ثلاثة عشر عاما في (سجن تدمر) وخرج منه نهاية عام 1992. وإلى الذين كانوا معه، وإلى الذين لم يعودوا من هناك أبداً.

ما بيني وبينكَ
أعني.. ما بين اسمينا
لامٌ قُصّت من أعلاها:
صارتْ نقطة!
لمّا أمّي حملتْ بي،
كانتْ تدعو:
بنتاً،
تختم عِقد الصبيان لديها..
قالتْ لي:
لو كنتِ صبيًّا
كنتُ أسمّيكِ (جمالْ). Continue reading


مجهولون


m5zn_eaee0d37b875ab8

لم أبكِ
لكنّي كنتُ أطالعها طيلةَ أشهرْ
وأقول لنفسي:
ما أتفهَ أحزاني.. عندكمُ

اليومَ رجعتُ إليها
لأفتّش عنها في الصفحاتْ
لا أدري علامَ
هذي الصورةُ تحديدًا
لا تُمحى من ذاكرتي.
..
مجهولونْ؟
يا لوعةَ أمّي..
إذْ لم تعرفني!
أسمعُها تنتحبُ جواري..
عيناها تنكرني؟
أم تنكرُ تصديقَ الألمِ؟
..
مجهولونْ؟
وأخي يجثو قربي منتحبًا
يسحبهُ رجالٌ لا أعرفهم
يتشبّثُ بي..
..
مجهولون؟
وأبي يركض بين الجثثِ
يتوقّف عندي لكنْ:
لا..
لا أعرفهُ
ابني حَيّ!
..
في الصفّ الأوّلِ يقف إمامًا
شيخٌ يدري
ألا ردَّ لهذا القدرٍ.
(يا إيماني.. أسعفني مثلَهْ)
..
في الصفّ الثاني رجلُ باكٍ
محنيُّ الرأسِ
يخفضِهُ حُزنًا؛ لا ذُلّا.
(تتضاءلُ أحزاني عندَهْ)
..
في الصفِّ الثالثِ من يُخفي وجهَهْ
لا عتبٌ..
فالخوف عدوّْ.
(أكبرُ أعداءِ الإنسانْ)
..
في الصفّ الرابعِ شُبّانٌ
في أوّل خطوِ العمرِ ولكنْ..
ما العمرُ المرتقَبُ لهمْ
عندَ صلاةِ جنازة؟!
(الدنيا دربٌ نعبرُهُ..
والجنّة عُمْرٌ ينتظرُ)
..
في الصفِّ السادسِ والسابعِ والثامنِ
دمعٌ صامتْ.
(وأنا دمعي مثلَ الطعنةِ
يوجعُ خاصرتي..
لا يصدرُ صوتًا)
..
أكثر ما يُبكيني..
أنَّ الصورةَ صامتةٌ،
لو أنّي
أسمعُ صوت التكبيرِ فتهدأُ روحي..
..
(كي تهدأَ روحي).

(الصورة من صلاة الجنازة على شهداء نهر قويق في حلب29-1-2013، أكثر من خمسين شهيدًا لم يُتَعرّف إليهم.)